|
| شعار منظمة التجارة
|
تنطلق اجتماعات المؤتمر الوزاري للدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية في مدينة كانكون المكسيكية في الفترة من 11 إلى 14 سبتمبر لوضع اللمسات الأخيرة على كل ما تمخضت عنه اللقاءات السابقة لـ"تحرير التجارة بين دول العالم من قيودها"، حسبما تتمنى مصادر منظمة التجارة العالمية في جنيف.
ولا يختلف المؤيدون والمعارضون في أن نتائج اجتماعات كانكون -التي تشارك فيها 146 دولة تنتمي 90% منها للدول النامية- ستمثل نقلة جديدة في العلاقة بين الشمال والجنوب، أو بمعنى آخر بين الدول الغنية والأخرى الفقيرة.
فالدول الصناعية الغنية تطمع في أن يكون اجتماع كانكون إعلانا عن "النظام العالمي الجديد للتجارة"، ليتمكن من خلاله رأس المال وشركاته المتعددة الجنسيات من تحقيق المزيد من السيطرة على الموارد والأسواق على حد سواء، وفي المقابل ستتضاءل فرص الدول النامية والفقيرة في الحصول على أدنى الحقوق للحفاظ على حقها في تقرير سياستها الخاصة تجاريا وزراعيا.
أجندة المؤتمر
وتعكس أجندة المؤتمر مدى أهميته، وأولى هذه القضايا وأبرزها تتعلق بالإلغاء التدريجي للدعم الزراعي الذي يمنع العديد من الدول النامية من دخول السوق العالمية بطريقة فاعلة. ويمكن القول إن هناك تفاوتا في المواقف بين الدول الكبرى والنامية في إلغاء هذا الدعم الزراعي؛ فبينما ترى الدول النامية ضرورة إلغاء هذا الدعم حتى يسمح لدول أمريكا اللاتينية والقارة الأفريقية والمزارعين الآسيويين بضمان نصيب في الأسواق الغنية في أسواق الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوربي، فإن الدول الكبرى تخشى الموافقة على ذلك خشية انهيار أسعار منتجاتها الزراعية أمام منتجات الدول النامية رخيصة الثمن.
غير أن الاتفاق الأوربي الأمريكي الذي تم إقراره في منتصف أغسطس 2003 ويهدف لخفض المساعدات الحكومية قد يتيح هامشا من التحرك للملف الزراعي في مؤتمر كانكون.
الاستثمار الخارجي
القضية الأخرى هي جهود الدول الصناعية الرامية في كانكون إلى إقرار اتفاقية دولية حول الاستثمارات المباشرة. ويرى البعض فيها انحيازا واضحا لمصالح الشركات المتعددة الجنسيات على حساب الدول النامية، فهذه الاتفاقية المقترحة حول الاستثمارات تضع قيودا على قدرات البلدان الفقيرة فيما يتعلق بتقديم الدعم أو الترويج لشركاتها ومؤسساتها الوطنية.
|
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1177155913497 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
|
|
أخطبوط تحرير التجارة لن يرحم الفقراء
|
وليس غريبا اتهام الدول الصناعية الكبرى بالانحياز في هذا الملف خاصة إذا تفحصنا إحصائيات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" التي تشير إلى أن الاستثمارات المباشرة في الخارج شكلت 20% من إجمالي الناتج الداخلي العالمي في عام 2000، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في عام 1980، والأغلبية الساحقة لهذه الاستثمارات تقوم بها 65000 شركة متعددة الجنسيات التي تهمين على ثلثي التجارة الدولية للبضائع وتمتلك 80% من الأراضي الزراعية في العالم.
وإذا نظرنا إلى ملف صناعة النسيج فسنجد أن ما تطالب به الدول الرأسمالية من تحرير التجارة في هذا المجال، ورفع القيود الجمركية عليه سيؤدي إلى إغلاق 27 مليون فرصة عمل في الدول النامية.
كما أن هناك مطالب أيضا بتحرير الخدمات، الأمر الذي سيمثل خطرا كبيرا علي الدول النامية خاصة العربية، ومكمن الخطورة في العدد الكبير نسبيا للقطاعات المدرجة في اتفاقية تحرير الخدمات والمراد توسيعها، والتي تضم الاتصالات والخدمات المصرفية والمالية والنقل الجوي والبري وخدمات التأمين والطاقة والتعليم والصحة والبناء، وكذلك الخدمات المرئية والسمعية وخدمات البريد؛ الأمر الذي يهدد الاستثمارات العربية الضخمة في تلك المجالات الحيوية.
وحتى الملف الذي شهد تقدما في الآونة الأخيرة حول الأدوية الذي يسمح للدول النامية بصنع أو استيراد أدوية بديلة لمعالجة انتشار أمراض خطيرة فوق ترابها- يبدو أنه يواجه مشاكل خاصة في مدى جدية الشركات الكبرى في الالتزام به.
منظمة التجارة
إذن هذه الملفات البارزة في كانكون تسيطر عليها الدول الكبرى، وتحاول أن تصوغ من خلالها نظام تجارة عالميا يتوافق مع مصالحها وشركاتها المتعددة الجنسيات، في الوقت الذي تدخل الدول النامية لتذكر من تفاوضهم بالأضرار التي ستنتح عن التحرير الكامل للتجارة.
غير أن تفسير هذه العلاقة غير المتوازنة يعود إلى أن منظمة التجارة العالمية منذ تأسيسها في عام 1995 تحاول أن تكون الأداة التنفيذية الحقيقية لسياسة رأس المال "المستغل". فقد جاءت هذه المنظمة بعد 7 سنوات من المفاوضات بدأت في "بونتا دل إستا" في أورجواي عام 1986، وحضرها 125 دولة، وانتهت في مراكش عام 1994 بإعلان تأسيس منظمة التجارة، لتحل محل الاتفاقية العامة للتجارة والجمارك GATT، والتي بدأ العمل بها اعتبارا من عام 1995.
وكان من المفترض أن تكون هذه المنظمة أداة لترتيب التعاملات التجارية بين الدول الأعضاء التي تراعي خصوصيات كل دولة سواء في الإنتاج الصناعي أو الزراعي، دون فرض سيطرة أية دولة على أخرى، إلا ما توقعانه من اتفاقيات ثنائية تراعي حقوق الطرفين.
لكن هذا لم يحدث حيث تم إدارة المنظمة لصالح الشركات متعددة الجنسيات والدول الرأسمالية الكبرى من خلال الدعوة إلى تحرير كامل للتجارة بين دول العالم وإزالة كافة العراقيل التي تحول دون ذلك مستغلة بذلك زراعيين قويين، هما البنك وصندوق النقد الدوليان، اللذان فرضا على الدول النامية روشتة إصلاحات مالية واقتصادية (خصخصة، فتح البلاد لرأس المال، تحرير سعر الصرف، ...) تمثل تمهيدا لتحرير التجارة.
وليس من المعروف هل كان إعلان إنشاء منظمة التجارة قد جاء "مصادفة" بعد 5 سنوات من انهيار الاتحاد السوفيتي، أم أنها كانت الخطوة الطبيعية لجولات المفاوضات المضنية. لكن ما من شك في أن انتهاء الحرب الباردة بانتصار الليبرالية والرأسمالية المستغلة، عجل بضرورة تحرك الرأسمالية المنتصرة لاستغلال الغنيمة والاستفادة من تشتت الدول التي دارت في فلك الاتحاد السوفيتي المنهار.
وبالتالي فلا يمكن أن يكون ارتفاع نسبة التجارة العالمية إلى 25% في النصف الأول من التسعينيات هو فعلا ثمرة مفاوضات منظمة التجارة العالمية كما يزعم مؤيدو اتفاقياتها، بل هو في حقيقة الأمر نتيجة طبيعية لإقبال الأسواق في أوربا الشرقية على جميع أنواع المنتجات بعد انهيار النظم الشيوعية فيها، ولهفة المستهلك على معرفة أو تجربة ما كان يسمع عنه فقط في الإعلانات.
منافع لأصحاب الأموال
وإذا كان هذا الهدف من تحرير التجارة ورفع القيود إيجابيا في ظاهره، فإنه في باطنه لا يحمل سوى المنافع لأصحاب رؤوس الأموال أو الدول القوية صناعيا، أما الدول الفقيرة والنامية وذات الإنتاج الصناعي أو الزراعي المحدود، فقد تحولت تدريجيا إلى دول مستهلكة فقط، وما عليها مستقبلا سوى القبول بما تمليه عليها اهتمامات الدول الصناعية الكبرى، أو الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات، والانتظار طويلا لما يمكن أن تحققه لها من وعود.
والأدلة على ذلك متعددة، فإحصائيات المؤسسات الدولية تشير إلى أن الدول الغنية تتحكم الآن في 87% من واردات العالم، و94% من صادراته، بينما ترتفع معدلات الفقر، بشكل غير مسبوق.
ولم تفلح الاتفاقيات السابقة -مثلما حدث في مؤتمر الدوحة 2001- في رفع المعاناة عن الفقراء ومحدودي الدخل في الدول النامية. وكان مؤتمر الدوحة قد أسفر عن "أجندة مكافحة الفقر في العالم" ولم يتحقق منها شيء حتى اليوم اللهم إلا الإنجاز في ملف الأدوية والذي تواجهه عراقيل التطبيق. كما لم تفلح أيضا في تقليل نسبة البطالة في أوربا، بعدما بات الهم الأكبر للشركات ينحصر في تحقيق أكثر الأرباح بأقل التكاليف، وذلك يتحقق من خلال فصل العديد من الأيدي العاملة والاستعاضة عنها بالميكنة.
والنتيجة أن الحالة الاقتصادية في أغلب دول العالم -الفقيرة منها والغنية- دخلت في مرحلة متردية، والأغرب من هذا أن العديد من الأسر التي تعيش على القليل -سواء من الصناعات الصغيرة أو الزراعة- مهددة بالفناء، إذا ما أقدمت الحكومات على تنفيذ ما تريد منظمة التجارة العالمية فرضه من رفع الدعم عن صغار المزارعين والعمال، لا سيما في قطاع النسيج.
البقاء للأقوى
وبعبارة أخرى فإن منظمة التجارة العالمية تسعى إلى تقنين نظرية "البقاء للأقوى" بغض النظر عن أية اعتبارات إنسانية أو اجتماعية، كما انعدم التوازن في التعامل مع القوانين على أساس إمكانيات كل دولة وغاب تماما عن الحسبان، فالدول الصناعية الكبرى مثلا تنفق مليار دولار يوميا في المجال الزراعي، أي ما يعادل 6 أضعاف ما تقدمه كمعونة تنمية للدول الفقيرة، وفي الوقت نفسه تطالبها بعدم دعم المزارعين، وعدم تقديم أي دعم لتصدير محاصيلها (!) مما يعني أن الفلاحين ما عليهم إلا البحث عن عمل آخر -إن وجد- أو انتظار ما تمن به الدول الغنية، والقبول بشروطها لقبول تلك المعونات، التي تتحول تدريجيا إلى سيف مسلط على رقاب تلك الدول، إن لم ترضخ لرغبات البلدان الصناعية الكبرى والغنية.
ويتجلى مثال آخر على عدم المساواة في التعامل بين الدول إذا علمنا أن بنجلاديش قامت في عام 2002 بتسديد 300 مليون دولار كرسوم إلى الولايات المتحدة لتسويق منتجاتها هناك، وهو نفس المبلغ الذي تسدده فرنسا عن بضائعها المتجهة إلى السوق الأمريكية، في الوقت الذي تمثل الصادرات البنغالية إلى الولايات المتحدة 0.1% فقط من إجمالي الصادرات الأمريكية، بينما ترتفع تلك النسبة في المنتجات الفرنسية إلى 2.4%، أي إن بنجلاديش الدولة النامية تسدد 14 ضعف الرسوم التي تسددها فرنسا الغنية، ذات الاقتصاد القوي!
لماذا المكسيك؟
وإذا كان اختيار الدوحة في مؤتمر 2001 جاء لتفادي تواجد الأعداد الغفيرة من مناهضي العولمة، فإن اختيار المكسيك يأتي كنوع من التعبير عن التضامن مع الدول النامية، وكأن التضامن لا يكون إلا من خلال عقد المؤتمرات في الدول المعوزة، وليس بتقديم التسهيلات المناسبة لها. إلا أن سببا آخر يكمن وراء اختيار المكسيك، وهو أن جهاز الشرطة فيها سيكون قادرا على استعمال القسوة المناسبة مع مناهضي العولمة، علاوة على أن الدول الصناعية الغنية تتكبد الملايين لتوفير الحماية للمنشآت الثمينة والغالية، التي تنهال عليها ضربات غضب المتظاهرين المناهضين للعولمة.
ولكن يظل صوت هؤلاء المناهضين الأكثر تذكيرا بقضايا الفقراء وبانحياز الدول الصناعية لمصالحها دونما إيلاء أهمية للفقراء. يقول بيدرو مونوز من الحركة الفلاحية البرازيلية التي ستحشد ناشطيها المحليين في كانكون: "سنناضل في كانكون من أجل المحافظة على مواردنا الزراعية والطبيعية في مواجهات الشركات الأجنبية الكبيرة".
صحفي عربي يعيش في سويسرا.
|