English

 

السبت. سبتمبر. 13, 2003

نماء » قضايا اقتصادية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

أدوية الفقراء في كانكون

خليل العناني

Image
الالتزام بالاتفاق ييسر حصول الفقراء على الدواء

مثّل الاتفاق بين دول منظمة التجارة العالمية على السماح للدول النامية بصنع أو استيراد أدوية بديلة لمعالجة انتشار أمراض خطيرة بدون مراعاة لحقوق الملكية الفكرية.. تطورًا كبيرًا في أحد أعقد الملفات التي تنظرها المنظمة على مدار اجتماعاتها الوزارية.

وتبدو أهمية هذا الاتفاق الذي اشترط على هذه الدول الفقيرة عدم إعادة تصدير هذه الأدوية مرة أخرى في أنه جاء قبل أسبوع من المؤتمر الوزاري الخامس لمنظمة التجارة العالمية (WTO) في مدينة "كانكون" المكسيكية الذي بدأ الخميس 11 سبتمبر ويستمر لأربعة أيام. ومن ثم يمثّل هذا الاتفاق نقطة إيجابية قد تساعد على تليين الخلافات بين الدول الغنية والفقيرة في الملفات الأخرى المطروحة في كانكون مثل تحرير الزراعة والخدمات والاستثمار وغيرها. وهو الأمر الذي يستدعي فهمًا للتطورات في ملف الأدوية قبل الوصول إلى هذا الاتفاق الأخير الذي سيتم إقراره في مؤتمر كانكون.

ما هي المشكلة؟

دارت مفاوضات ملف الأدوية خلال مؤتمرات منظمة التجارة السابقة حول نقطة مهمة، وهي كيفية تيسير حصول الدول الفقيرة على الأدوية لمعالجة الأمراض والأوبئة المتوطنة فيها، مثل مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، والسل، والملاريا، وغيرها، من خلال عدم التطبيق الصارم للقوانين العالمية حول براءات الاختراع (حقوق الملكية الفكرية).

فالمشكلة أن تنفيذ الاتفاق المتعلِّق بالجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية "التِربْس" (TRIPS) سوف يرفع أسعار الأدوية المشمولة ببراءة اختراع، فضلا عن صعوبة إنتاج هذه الأدوية في بلدان العالم الثالث؛ نظرًا لانخفاض حجم الدعم الحكومي المتوفر لاستيراد تكنولوجيا التصنيع ذاتها.

وتشير منظمة "أوكسفام" الدولية إلى أن الأدوية المقلدة التي يتم تصنيعها محليًا وبدون ترخيص من شركات الأدوية الغربية التي تمتلك براءات اختراعها.. يصل سعرها إلى حوالي ثلث سعر الأدوية الأصلية التي يتم تداولها في الغرب، وهي الوسيلة الوحيدة التي تمتلكها الدول النامية لمحاربة الأوبئة والأمراض الخطيرة كالملاريا والجدري والإيدز بتكلفة معقولة.

لكن قوانين منظمة التجارة تحظر التبادل التجاري في نوعيات الأدوية المقلدة لتلك النوعيات الأصلية المرخص بها في الدول المتطورة التي يتم تصنيعها في الدول النامية، وذلك لحماية حقوق الملكية الفكرية لشركات الأدوية في الدول الأكثر تقدمًا.

نجاح ناقص بالدوحة

وقد نجح مؤتمر الدوحة في التوصل إلى حسم شق مهم في هذا الملف، وذلك حين تم الاتفاق على أحقية الدول النامية في تصنيع نماذج دوائية مماثلة، وأقل كلفة من الأدوية المحمية ببراءات الاختراع، ولكن بشرط حدوث أزمة صحية عامة، وبدون حق إعادة تصديرها للدول الفقيرة غير القادرة على إنتاجها.

إلا أنه ظل شق آخر معلقا وهو السماح للدول النامية غير القادرة على تصنيع أدوية بديلة باستيرادها من بلدان أخرى. وقد جرت مفاوضات عدة منذ انتهاء جولة مفاوضات الدوحة، وذلك على مدار العامين الماضيين سواء في طوكيو أو كندا، وفي كل مرة كانت هوة الخلافات تتسع بشكل أكبر بين دول المنظمة.

مبررات التعثر

ومثلت الولايات المتحدة العقبة في التوصل لاتفاق بشأن الشق الثاني في ملف الأدوية؛ حيث كانت دائما تتخذ موقف الرفض. وثمة مبررات طرحت لهذا الموقف:

-الرغبة في الحفاظ على حقوق وبراءات الاختراع لمصلحة شركاتها.

-تحقيق أكبر قدر من المكاسب الناجمة عن تصدير الأدوية للبلدان الفقيرة خاصة في ظل تفشي الأوبئة والأمراض المتوطنة في هذه البلدان.

-عدم توافر وسائل للضغط تستخدمها البلدان الفقيرة في إقناع الدول المتقدمة بالتغاضي عن براءات الاختراع.

غير أن العامل الأكثر حسمًا في رفض الولايات المتحدة السماح للدول النامية غير القادرة على تصنيع أدوية بديلة باستيرادها من بلدان أخرى.. كان هو الضغوط التي تمارسها شركات الأدوية على الحكومة الأمريكية من أجل حصولها على حقوق الامتياز فيما يخص أدويتها؛ وذلك حفاظًا على الأرباح التي تجنيها هذه الشركات. فعلى سبيل المثال بلغت أرباح صناعة الأدوية في الولايات المتحدة وحدها العام الماضي فقط 37 مليار دولار.

وبفضل هذه الثروة الطائلة تمكنت الشركات من امتلاك نفوذ هائل والتأثير على حكومات الدول المتقدمة؛ فعلى سيبل المثال أنفقت "الجمعية الصيدلانية الأمريكية للبحوث والتصنيع" خلال العامين الماضيين ما لا يقل عن 236 مليون دولار على جماعات الضغط الموالية لها، وقدمت هبات بقيمة 24.4 مليون دولار للأحزاب السياسية، حصل الحزب الجمهوري الذي هو في الحكم حاليا على ثلاثة أرباعها.

موقف البلدان النامية

في مقابل هذا الموقف للولايات المتحدة وشركاتها لا تتمتع الدول النامية بحظوظ وفيرة في مجال الحصول على الأدوية اللازمة، وتقع بين مطرقة الفقر وسندان الارتفاع الكبير في أسعار الأدوية. فتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن هناك حوالي ملياري شخص في العالم لا يستطيعون الحصول على الأدوية بصورة منتظمة عند حاجتهم إليها، سواء بالجودة التي يثقون فيها أو بالسعر الذي يستطيعون تحمله.

وتبدو الصورة أكثر قتامة إذا علمنا أن الأوبئة المنتشرة في ربوع الدول النامية خاصة البلدان الأفريقية؛ فيصل عدد المصابين بالإيدز في أفريقيا إلى 30 مليون.

وعلى الصعيد العربي تشير الإحصاءات إلى أن الصناعات الدوائية العربية لا تغطي إلا 50% فقط من احتياجات المنطقة، كما أنها ما زالت تعتمد على الشركات الأجنبية العالمية؛ وهو ما يجعلها عرضة لتغيرات أسعار الأدوية وفقًا لارتفاع وانخفاض الدولار، خاصة إذا علمنا أن الشركات العربية تستورد 90% من خاماتها الدوائية من الخارج.

وتصر شركات الأدوية الكبرى التي تمتلك الأدوية على فرض أسعار باهظة على الأدوية المعالجة للأمراض المنتشرة في الدول الفقيرة، متذرعة بأن سياستها السعرية تهدف إلى توفير الأموال اللازمة للأبحاث الدوائية. بينما تجدر ملاحظة أن حوالي 10% فقط من الأموال المخصصة للأبحاث تنفق على تلك المتعلقة بالأمراض التي تؤثر على 90% فقط من فقراء العالم!

الاتفاق الأخير وكانكون

وبعد ماراثون طويل من المفاوضات داخل منظمة التجارة العالمية تم التوصل قبل أيام من مؤتمر كانكون إلى اتفاق يقضي بأحقية الدول الفقيرة التي لا تمتلك صناعات أدوية في استيراد بدائل رخيصة للأدوية من أجل مكافحة الأمراض المستعصية بدون التقيد بحقوق الملكية الفكرية.

بيد أن هذا الاتفاق الجديد الذي سيتم إقراره في مؤتمر كانكون لن يدخل موضع التطبيق إلا بعد مصادقات حكومات وبرلمانات الدول الأعضاء عليه؛ وهو ما قد يلقي بشكوك حول مدى جدية الدول المتقدمة -خاصة الولايات المتحدة- في الالتزام بهذا الاتفاق لاعتبارات تتعلق بمصالحها ولوبي شركات الدواء.

كما أن البعض الآخر -وخاصة المنظمات غير الحكومية المتابعة لملف الأدوية- تنتقد صعوبة تطبيق بنود الاتفاق. ويقول تقرير لهيئة الإذاعة السويسرية بأن منظمة أوكسفام تعتبر أن "تعقيد صياغة الاتفاق سيُثني المستثمرين، وسينتهي الأمر بالدول النامية إلى اللجوء إلى شراء الأدوية بأسعار مرتفعة إن هي أرادت إنقاذ مرضاها".

لكن يبقى أن التوصل إلى هذا الاتفاق قبل كانكون يبرهن على أن احتمال تقديم الدول المتقدمة تنازلات ولو جزئية مسألة قائمة في ملفات معروضة على كانكون كالزارعة والخدمات وغيرهما.


  خبير اقتصادي مصري 

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم