English

 

الأحد. يوليو. 16, 2000

نماء » مفاهيم ومصطلحات

 
   
روابط من إسلام أون لاين

التنمية وحقوق الإنسان.. مأزِق الفكر والتطبيق!!

مغاوري شلبي

العلاقة بين التنمية البشرية - كأهم فروع التنمية الشاملة - وحقوق الإنسان مثلت القضية المحورية لتقرير التنمية البشرية لعام 2000م الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وخلاصة ما جاء في هذا التقرير أن حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة، ولا يمكن أن تخضع للانتقاء؛ وذلك لأن هذه الحقوق متشابكة ويعتمد بعضها على البعض، والأمثلة على ذلك كثيرة فمثلاً التحرر من الخوف والعوز يرتبط بحرية التعبير والمعتقد، وكذلك الحق في التعليم للفرد يرتبط بصحته، كما أن هناك علاقة وثيقة بين معرفة الأم للقراءة والكتابة وتمتع أطفالها بالصحة.

وقد اختلفت الرؤى حول علاقة التنمية بحقوق الإنسان طوال العقود الماضية، وخاصة في ظل الحرب الباردة بسبب التنافس بين إعطاء الأولوية للحقوق السياسية أو الحقوق الاقتصادية في الخطاب العام للدول، والمهم هنا هو معرفة حقيقة العلاقة بين حقوق الإنسان والتنمية ورؤية المجتمع الدولي والأمم المتحدة لهذه العلاقة، وكذلك الرؤية العربية للعلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان، والبون الشاسع بين الرؤى النظرية والتطبيق الفعلي في هذا المجال.

حقوق الإنسان والتنمية فكريًّا

يرجع الباحثون في قضايا حقوق الإنسان جذور العلاقة بين حقوق الإنسان والتنمية إلى الإشارة الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عبــارة "التحرر من العوز" كما هو موضح في ديباجة الإعلان، كما توجد أصول هذه العلاقة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك عندما تَمَّ الربط المباشر بين تقدم حقوق الإنسان وسياسات الحكومات لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتنفيذ برامج التعاون الاقتصادي والتكنولوجي الدولية.

وقد استهدفت المواثيق الدولية أن تكفل برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية للفرد التمتع بحقوقه، وقد أرست القواعد الدولية نظاماً لمتابعة أثر التنمية على حقوق الإنسان والعكس، وذلك بمطالبة الدول بتقديم تقارير عن ذلك للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالأمم المتحدة، وكذلك طالبت الوكالات المتخصصة للأمم المتحدة، مثل منظمة العمل الدولية ومنظمة اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الفاو بأن تقدم تقارير حول أثر برامجها على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تقع في نطاق اختصاصاتها.

وأقرت الأمم المتحدة مبدأ هامًّا يقول: "إن تكافؤ فرص التنمية حق للدول بقدر ما هو حق للأفراد داخل الدول نفسها"، وقد اعتبرت أن الحق في التنمية هو حق غير قابل للتصرف وأن التنمية تمكن الإنسان من ممارسة حقوقه وأن الدول مطالبة بإتاحة تكافؤ الفرص للجميع ضماناً لوصولهم إلى الموارد الأساسية وإلى التعليم والخدمات الصحية والغذاء والإسكان والعمل والتوزيع العادل للدخل.  

دعم المجتمع الدولي والأمم المتحدة للقضية

دعم المجتمع الدولي بكافة مؤسساته الرسمية والأهلية قضية الربط بين التنمية وحقوق الإنسان، وتم هذا الدعم من خلال عدد من المؤتمرات العالمية منذ عام 1986م، وكان أهم هذه المؤتمرات :

ـ المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في " فيينا " عام 1993م.

ـ مؤتمر السكان والتنمية "في القاهرة" عام 1994م.

ـ مؤتمر التنمية الاجتماعية في "كوبنهاجن" عام 1995م.

والملاحظ أن دعم المجتمع الدولى والأمم المتحدة لقضية التنمية وحقوق الإنسان، جاء في صورة تأكيد على عدد من المبادئ والأسس التى اعتبرتها الأمم المتحدة أساساً لتمتع الإنسان بعائد عمليات التنمية، حيث اعتبرت أن المشاركة والتعددية هما أساس التنمية الاقتصادية، ودعت إلى تعزيز سياسات وبرامج المنظمات غير الحكومية كجزء من المشاركة الشعبية وإبراز حريات الرأي والتجمع وتكوين الجمعيات التى تناقش قضايا التنمية.

ومن خلال دراسات الأمم المتحدة تبين أن أكثر القضايا إلحاحاً في عملية التنمية التي تؤثر على حقوق الإنسان، هي:

ـ تخفيف حدة الفقر.

ـ القضاء على مشكلة البطالة.

ـ تعزيز التكامل الاجتماعي.

وتبين أيضاً أن هناك ثلاث عقبات تحول دون إدماج حقوق الإنسان في عملية التنمية، وهي:

ـ أزمة الديون وما يترتب عليها من أعباء تقع في النهاية على عاتق الفرد.

ـ سياسات وبرامج الإصلاح الاقتصادي والأعباء التى تقع على عاتق الدول النامية لإنجاز هذه البرامج والسياسات التي - غالبًا - ما يكون لها آثار اجتماعية تنعكس على نوعية الحياة التى يعيشها الفرد.

ـ تذرُّع الحكومات بأسباب داخلية أو خارجية لتبرر عدم مراعاتها الحقوق والحريات الأساسية للأفراد.

ورغم أن مسيرة الربط بين التنمية وحقوق الإنسان لاقت دعمًا من دول الشمال ودول الجنوب، ورغم أنه لا يوجد خلاف بين دول الشمال ودول الجنوب بشأن هذا الربط بين التنمية وحقوق الإنسان، إلا أن الخلاف يثار دائمًا عندما يتم الاقتراب من تحديد التزامات كل طرف لدعم هذه المسيرة ماليًّا، فمن الواضح أن دول الجنوب تحاول الإفلات من محاسبة المجتمع الدولى لها على قصور احترام حقوق الإنسان لديها، أما دول الشمال فتحاول الإفلات من أي التزامات مادية تجاه دول الجنوب، وقد كان ذلك واضحاً بجلاء في نتائج مؤتمر السكان الأخير، حيث تحملت دول الجنوب الفقيرة عبء تمويل البرنامج السكاني من مواردها المحلية بنسبة الثلثين، في حين تحملت دول الشمال الغنية نسبة الثلث فقط.

6 مطالب للمجتمع المدني

تعكس رؤية المجتمع المدني للعلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان أهمية خاصة؛ لأنها تمثل صيحة الضمير للمجتمع الدولي، وهذه الرؤية في الغالب تشكل مجموعة مطالب مستهدف تحقيقها، وأهم هذه المطالب هي:

ـ ضرورة الاتساق بين برامج الإصلاح الاقتصادي والأحكام ذات الصلة بحقوق الإنسان، والاعتراف بأن إفقار قطاعات كبيرة من السكان أكبر انتهاك لحقوق الإنسان.

ـ ضرورة إقامة علاقات تجارية دولية منصفة وإنهاء تحكم الدول الصناعية في رفع أسعار النقل والتأمين والسلع المصنعة وخفض أسعار المواد الخام.

ـ الاتفاق الدولي على خفض الإنفاق العسكري لصالح الجوانب الاجتماعية والخدمات العامة.

ـ الإسراع في إلغاء الديون الخارجية المستحقة على الدول الفقيرة؛ لتحسين الحقوق التى يتمتع بها الإنسان في هذه الدول.

ـ الاهتمام بالتنظيمات والمؤسسات المدنية واحترام حقوقها وزيادة مشاركتها في التنمية الحقيقية وصياغة حقوق الإنسان والدفاع عنها.

وثيقة عربية للربط بين التنمية وحقوق الإنسان

تجسدت التوجهات العربية بشأن قضية التنمية وحقوق الإنسان في وثيقة أعدتها اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان بالجامعة العربية بعنـوان "التنمية والمديونية وحقوق الإنسان" التي تضمنت خمسة مبادئ أساسية، هي:

ـ وجود قاعدة اقتصادية واجتماعية قوية تحقق التنمية الشاملة التي تضمن تحقيق الأمن القومي العربي.

ـ التأكيد على ضرورة التنمية العربية المشتركة ووضع التنمية الاجتماعية في صلب العملية التنموية.

ـ الربط بين التنمية وحقوق الإنسان والتغلب على أثر المديونية على كل منهما.

ـ مطالبة الدول المتقدمة بإعفاء الدول العربية من الديون المستحقة عليها.

ـ أهمية توفير الضمانات الديمقراطية لإعمال الحق في التنمية وعدم الانكفاء على البعد الاقتصادي فقط وأخذ الأبعاد الاجتماعية في صلب البرامج التنموية.

فجوة بين الفكر والتطبيق

برغم جودة الإطار والدعم النظري المتعلق بالتنمية كحق من حقوق الإنسان، فإن الفيصل في ذلك هو إحراز تقدم على صعيد تطبيق هذا الحق والآليات التى تكفل ضمان التطبيق الأمين لهذا الإطار والدعم النظري، وكذلك ضمان عدم إساءة استخدام حقوق الإنسان للتدخل في الشئون الخاصة بسيادة الدول وخاصة الدول النامية، وعلى الجانب التطبيقي هناك فجوة كبيرة بين ما تقوله وتطالب به الدول والمؤسسات الدولية وبين الواقع، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الآتــي:

ـ محدودية حجم وأهمية الآليات الدولية التى وضعت لترجمة العلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان.

ـ خضوع المؤسسات والمنظمات الدولية التى تهتم بالربط بين التنمية وحقوق الإنسان لنوازع سياسية تحركها بعيداً عن التنمية وحقوق الإنسان الحقيقية.

ـ عدم تقبل النظم الوطنية في الدول النامية لمبدأ الربط الفعلي بين التنمية وحقوق الإنسان وعدم قبول المساءلة الدولية في ذلك.

ـ عدم مراعاة صندوق النقد والبنك الدوليين - عند صياغة برامج الإصلاح الاقتصادي - قضية حقوق الإنسان، وغالباً ما تقع أعباء الإصلاح على كاهل الطبقات الفقيرة، وفي الغالب يكون إصلاحًا ماليًّا وليس تنمية حقيقية.

ـ إساءة تعامل الدول المتقدمة مع قضية حقوق الإنسان في الدول النامية وربط المعونات والمنح بهذه الحقوق، واستخدام سلاح العقوبات والمقاطعة الاقتصادية لهذا السبب بطريقة انتقائية، ومثال التفرقة بين معاملة إسرائيل والعراق وليبيا والصين وإيران بسبب حقوق الإنسان مثال صارخ على ذلك، حيث إن هذه العقوبات والمعاملة تتم بطريقة انتقائية ولأغراض سياسية وتعمل على تعطيل التنمية في بعض الدول وزيادة معاناة الطبقات الأكثر فقراً.

وخلاصة القول، إن الربط بين التنمية وحقوق الإنسان هو أمر ضروري؛ لأن التنمية التى تتم في الغالب بدون احترام حقوق الإنسان هي تنمية منقوصة ومشوهة، ولكن القضية تحتاج إلى أفعال أكثر مما تحتاج إلى مجرد شعارات جوفاء.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم