English

 

السبت. سبتمبر. 2, 2000

نماء » مفاهيم ومصطلحات

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الثموديون الجدد..وكلاء الشركات الأجنبية

سيد دسوقي

ألم تر إلى جيشالوكلاء التجاريين ممثلي الشركات الأجنبية من كل جنس ومن كل لون؟

وهل رأيتهم وهميصدونك عن توطين صناعات تحتاجها ويصرفونك إلى الخارج بكل ما أوتوا من براعة البيانوزخرف القول. وهل رأيتهم وهم ينشئون في وطنك مراكز للبحوث تدرسك: كيف تأكل وكيفتشرب وكيف تلبس.. ثم ينقلون ذلك إلى مصانع بلادهم، ثم يغزونك غزواً حتى في الجلاليبالبلدية وسجادة الصلاة..!!

ألم تر كيف صنعوالك مسبحة أوتوماتيكية تسبح بها لله؟

هم يحاصرونك منأدنى التكنولوجيا إلى أعلاها حتى يصرفوك عن مبدأ "مما صنعت يديك" إلى "مما صنعتأيديهم". هذا الجيش له في كل واد عميل يسهل له الأمر، ويزينه لنا، حتى لو لم يكن فيأذهاننا ما يريدون.. ومن التزيين تسهيل الإقراض عن طريق بنوكهم التي لم تعد تكتفيبدور اقتصادي، بل تجاوزت ذلك الآن وأقحمت نفسها في الاجتماع والسياسة والفن والأدب.

قرأت في الصحف هذه الأيام أن إحدى الوزاراتالمصرية تفكر في تصنيع قطار في الخارج يقطع المسافة بين الإسكندرية والقاهرة فيأربعين دقيقة، وأن المشروع سيتكلف عشرة مليارات دولار. أنا أحياناً أذهب من محطةالرمل في الإسكندرية إلى شقتي في سابا باشا في أكثر من ساعة، وكل يوم أذهب من بيتيفي المعادي إلى مكتبي في جامعة القاهرة في حدود الساعة. ما الذي يستفيده المصري منتقليل الوقت من ساعتين إلى أربعين دقيقة في سفره إلى الإسكندرية؟ وهل هذه أولويةللشعب المصري، وهل نملك العشرة مليارات أم سنقترضها؟ إن أهم القرون التي يمسك بهاالاستعمار الغربي شعوبنا هي هذه القروض، فمن الذي يزين لنا هذا المشروع وما نصيبهمنه؟

وأنا لست ضدالوكلاء التجاريين الوطنيين الذين يخدمون بلادهم بتقديم خدمات ومنتجات يحتاجهاالناس وليس لها بدائل وطنية. وإنما أتحدث عن هذا الصنف من الوكلاء التجاريين الذينيحاربون التنمية في بلادهم بتزيين منتجات نحن عليها قادرون أو على تطويرها عازمونوخاصة إذا كانت هناك فرجة من الوقت تتيح لنا هذا التطوير.

إننا ننشئأحياناً مصنعاً يكلفنا بضعة مليارات، ثم لا نتدبر في أننا في خلال سنوات قليلةسنحتاج إلى عمليات إحلال وتجديد، ربما لو فكرنا مبكراً وأنشأنا جهازاً بحثيًّاتطويريًّا لعمليات الإحلال والتجديد المستقبلية لأنجزنا بذلك أمرين: الأول أنناربما أصبحنا قادرين على إنشاء هذه المصانع، والثاني أنه عندما يحين وقت الإحلالوالتجديد يتم ذلك بتكلفة قليلة مثلى.

في مجال تخصصي فيهندسة الطيران والفضاء عندنا فرجة زمنية لبناء أقمار صغيرة بأيدٍ مصرية. ونحن فيمجلس الفضاء ما زال الحوار قائماً لم يحسم بعد: كيف نتعاون مع الخارج؟.. هل نلقيإليه بأموالنا ليبني لنا أقماراً وربما أرسلنا بعض المهندسين يتلقون بعض الفتاتالذي لا يسمن ولا يغني من جوع، أمالأصلح أن نحاول بناء أقمارنا بأيدينا ونستعين ببعض الخبراء من الخارج فيما توقفنافيه؟ بالطبع جيش الوكلاء التجاريين يضغط يميناً وشمالاً، ويكر ويفر، والله أسأل أنيثبتنا على الحق في هذا الطريق الدحض الزلق.

وبعد، تذكرت كلهذا وأنا أقرأ ذات مساء في صلاة العشاء قوله تعالى:

"كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا" (الشمس:10/15)

تبدأ الآياتبتقرير أصل الداء: (كَذَّبَتْ ثَمُوْدُ بِطَغْوَاهَا)،وكل أمة هالكة تكذب بطريقتها، وثمود كذبت ربهاورسولها بالطغيان. والطغيان يصد الأتقياء والشرفاء عن الساحة ويبعث المجرمينوالأشقياء فينبعثون. الطاغية بطبيعته لا يحب الأتقياء العلماء ولا يحب أن يكونواحوله، يحب من يزين له طغواه ويمتدح عبقريته آناء الليل وأطراف النهار.. وهذا هو لبالفساد في عملية الطغيان.. ليس فقط في طبيعتها الكريهة ولكن لأنها طاردة للكفاءاتالمخلصة، جالبة وباعثة للأوغاد واللصوص والخونة فينبعثون كالفراش المبثوث ويحولونمجتمعاتهم إلى عهن منفوش.

هذا الجيشالمنبعث من الأشقياء بين أيديهم ناقة..وما الناقة؟ .. أليست هي وسيلة الإنتاج الأساسية التي تملكها ثمود؟ ..تحملهم من مكان إلى مكان، وتعطيهم الألبان، وعندما تعجز عن ذلك يأكلون لحمها. ولكنالأشقياء يريدون العاجلة ولا يريدون الآجلة.. يريدون لحمها الآن ولا يريدون أنيصبروا على أدواء التنمية. ينصحهم رسولهم صالح: "قَالَ هَذِهِنَاقَةٌلَّهَاشِرْبٌوَلَكُمْشِرْبُيَوْمٍمَّعْلُومٍ *وَلَاتَمَسُّوهَا بِسُوءٍفَيَأْخُذَكُمْعَذَابُيَوْمٍعَظِيمٍ *فَعَقَرُوهَافَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ" (الشعراء 155: 157)، أيخططوا نظامكم التنموي بحيث تخصصون جزءاً للعاجل وتستبقون جزءاً للآجل.. من أجلمستقبلكم أنتم ومستقبل أولادكم.. إنهم لا يريدون أن ينفقوا على التنمية ويُصرُّونعلى أن يقتلوها ويمنعوا شربها.. والشربهو الذي يُبقي الحياة ومنع الشرب يقتلها. ولكن الثموديين القدامى أصروا علىموقفهم ومنعوا الناقة شربها.. أي منعوا التنمية نصيبها، فدمدم عليهم ربهم بذنبهمفسواها.

وسبأ عندما أهملوا صيانة سدهم، وقد كان هذا هووسيلة إنتاجهم، تشردوا في العالمين وباعد ربهم بينهم وبين أسفارهم. وكل أمة تهملوسائل إنتاجها والتي هي جوهر تنميتها سوف يدمدم عليهم ربهم بذنبهم ويمحقهم.

وبعد، فنقول لجيشالعملاء الذين يتفننون في إغوائنا لنقتل وسائل إنتاجنا: أيها الثموديون الجدد..عاقروا ناقة الإنتاج.. ألا بعداً لكم كما بعدت ثمود.


أستاذ هندسة التحكم وميكانيكا الطيران – القاهرة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم