|
| شعار منظمة التجارة العالمية
|
هل تنجح منظمة التجارة العالمية في خطف أنظار المواطنين العرب؛ لتصبح هي المسيطرة على أحاديثهم بعد فترة من استحواذ المونديال على كامل الاهتمام؟ هذا السؤال وإن كان البعض يعتبره ضربًا من الخيال إلا أنني لا أستبعده، خاصة أن المنظمة تبدأ اليوم الخميس 29-6-2006 اجتماعاتها بجنيف؛ لمناقشة العديد من القضايا المحورية الخاصة باتفاقية تحرير التجارة العالمية، وسوف تؤثر نتائج هذه المناقشات على حياة المواطن البسيط؛ ولذلك من المنطقي أن يهتم المواطن بما تتوصل إليه هذه الاجتماعات.
ولذلك فإن المفاوضين العرب في مهمة يمكن وصفها بالمصيرية في الحفاظ على حقوق مواطنيهم، حتى لا يخرجوا من تلك الاجتماعات بالتزامات أكثر ينبغي أن تؤديها دولهم.
وهذه الالتزامات بالطبع لن يدفع ثمنها إلا المواطن البسيط الذي سيندم وقتها على أنه أعطى جزءًا من وقت متابعة المونديال؛ للوقوف على نتائج هذه الاجتماعات التي لم تجلب له سوى الهموم.
وحتى لا يقف المفاوضون العرب هذا الموقف الصعب أمام مواطنيهم ينبغي أن تكون في جعبتهم رؤية محددة للتعامل مع القضايا ذات الأثر المباشر على حياة المواطن، وينبغي أن تنطلق هذه الرؤية من حقيقة مؤداها أن مصلحته فوق كل اعتبار.
إلا الخدمات
يرى الدكتور حمدي عبد العظيم العميد السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية أن تلك الرؤية لا بد أن تركز على حقيقة أن منطقتنا العربية غير مؤهلة للمنافسة في بعض مجالات الخدمات، ومن ثَم فإن فتح الباب على مصرعيه للشركات الأجنبية لتأدية هذه الخدمات في إطار التحرير، سيؤدي إلى الإضرار بالشركات الوطنية التي لن تستطيع الصمود أمام المنافسة، وبالتالي ستتوقف هذه الشركات وتتفاقم مشكلة البطالة.
ولذلك ينبغي أن تضع الدول العربية خطًّا أحمر على بعض الخدمات وتضغط بكل قوة في اتجاه عدم تحريرها كخدمات المقاولات والتأمين.
كما يجب أن تطالب بتنفيذ بندين من بنود الاتفاقية تم إقرارهما مسبقًا ولم تلتزم بهما الدول الكبرى، في الوقت الذي تطالبنا فيه بتنفيذهما، وهما دعم الصادرات الوطنية والذي يظهر وبقوة في الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية لصادرات القطن الأمريكي مخالفة بنود الاتفاقية التي تمنع هذا الأمر، وهو ما يؤدي إلى عدم قدرة بعض الدول النامية المصدرة للقطن كمصر والهند على المنافسة في ظل انخفاض سعر القطن الأمريكي، أما البند الثاني فهو الخاص بتحرير تجارة السلع والذي لا يطبقه الاتحاد الأوروبي الذي يفرض قيودًا على الصادرات التي تدخل إليه، خاصة الصادرات الزراعية من الدول النامية.
لا تكونوا كالنعام
ويختلف د. حاتم القرنشاوي العميد الأسبق لكلية التجارة جامعة الأزهر مع الرأي السابق واصفًا إياه بأنه دعوة لدفس الرؤوس بالرمال كما تفعل النعام، ويستبعد أن تؤدي هذه المنافسة إلى زيادة أعداد العاطلين، بل على العكس يؤكد أنها ستفيد سوق العمل؛ لأن قطاع الخدمات يتطلب أن يكون لدى مقدم الخدمة خلفية عن السوق المحلي ومتطلباته، وبالتالي ستحتاج الشركات الأجنبية إلى العمالة المصرية، وفوق كل ذلك فإن دخول هذه الشركات في منافسة مع الشركات الوطنية سيؤدي إلى تحسن في مستوى أداء الخدمة، وستقدم بسعر أقل.
ويسخر د. القرنشاوى من الدعوة إلى صياغة رؤية عربية موحدة فيما يتعلق بقضايا دعم الصادرات وتحرير السلع، مؤكدًا أنها نوع من الخداع؛ لأن المنادين بها يعلمون جيدًا أن ذلك لم ولن يتحقق، فكل دولة لها ظروفها الخاصة، فما تستورده دولة تصدره أخرى، ومن ثَم فإن المصلحة الخاصة هي التي ستتحكم في الأداء.
مسرحية عبثية
وينطلق د. إسماعيل شلبي أستاذ الاقتصاد بجامعة الزقازيق من النقطة التي اختتم بها د. القرنشاوى حديثه، مؤكدًا أن ما يحدث في اجتماعات منظمة التجارة العالمية هدفه إعطاء إيحاء بأن الدول المسماة -ذوقيًّا- بالنامية تناقش ولها رأي، ولكن الأمر في حقيقته مسرحية عبثية تؤدي فيها الدول العظمى دور البطولة ولا مانع أن تحن على الدول النامية بدور الكومبارس.
وقطعًا ما سيريده البطل هو الذي سيحدث، ويبدو أن الكومبارس قد اقتنع بهذا الدور فلم تَعُد له أي آمال في أن تسند له يومًا دور البطولة، فاستسلم للواقع وغطّ في سبات عميق.
ولم يبدِ د. إسماعيل أي تفاؤل بأن يفيق الكومبارس من سباته العميق؛ لأن الكومبارس تاريخه لا يقول إن هناك جديدًا تحت شمسه، والدليل أن فكرة السوق العربية المشتركة موجودة منذ الستينيات ولم تنفذ، وعندما أرادوا تنفيذ منطقة تجارة حرة لم تصدق عليها سوى 14 دولة، هذا بالإضافة إلى أن أداء هذه المنطقة ضعيف للغاية؛ لأن الدول المشتركة بها استثنت من التنفيذ 300 سلعة رئيسية كانت من الممكن أن تنعش أداء المنطقة.
المونديال يكسب
إذن، ومن خلال ما سبق يتضح أن تبعيات الجات قادمة لا محالة سواء شئنا أم أبينا، ومع اتفاق الخبراء على أن مواجهة هذه التبعيات مرهون بإجراءات موحدة ينبغي أن تأخذها الدول العربية، ومع اتفاقهم أيضًا على أن الواقع يشير إلى أننا لا ننوي اتخاذ هذه الإجراءات؛ لذا سيؤثر الكثيرون السلامة ويحاولون الحفاظ على البقية الباقية من أعصابهم ويكتفون بمشاهدة مباريات كأس العالم إذا استطاعوا لذلك سبيلاً.
محرر بصفحة نماء، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com
|