|
| التحايل يكلف الدول خسائر تقدر بملايين الدولارات
|
"القدرة على خداع الآخرين" صارت على ما يبدو سمة مميزة للعصر الذي نحياه الآن.. فيكفي أن تطلع على الصحف الصادرة يوميًّا لتفاجأ بالعديد من فنون التحايل التي بدأت تطفو على السطح، حتى يخيل لك أنها صارت هي القاعدة وما دونها استثناء.
ولم يَعُد الاحتيال يرتبط بطبقة الأغنياء فقط، بل بدأت الطبقة الوسطى وكذلك محدودو الدخل من الفقراء يشاركونهم اللجوء إليه.. وإن كانت درجته تختلف من حالة لأخرى؛ فأبناء الطبقة الوسطى يسعون للانضمام إلى ركب الأغنياء ويعطون لأنفسهم المبرر بأنهم إن لم يفعلوا ذلك لن يتمكنوا من العيش في هذا العصر الذي لم يَعُد به مكان للضعفاء، والأغنياء يسعون لجمع المزيد طالما الفرصة متاحة لتحقيق ربح سريع، فلماذا لا نقتنصها؟، أما الفقراء فتحايلهم وإن كنا لا نُقِرّه إلا أنه يثير الشفقة؛ لأن هدفه الوحيد توفير لقمة العيش.
تحايل موظفي قطر
نبدأ الرحلة من قطر؛ حيث أورد عبد اللطيف آل محمود في مقال له نشرته جريدة "الشرق القطرية" في شهر يونيو 2006 بعنوان "طرق للتحايل في قطر" الكثيرَ من صور التحايل التي كانت معظمها تحمل توقيع الموظفين، ومنها:
- قيام الموظفين بتسجيل بعض المؤسسات التجارية التي يقيمونها بأسماء أولادهم وزوجاتهم حتى باتت أغلب الرخص التجارية لأطفال ونساء؛ وذلك للتحايل على القانون القطري الذي يمنع حصول موظفي الدولة على رخص تجارية بهدف عدم إساءة موظفي الدولة استغلال مناصبهم لتحقيق منافع شخصية.
- تستغل السيدات العاملات من غير الحاصلات على الجنسية القطرية قانون العمل القطري الذي يشترط على أن تتضمن عقود عمل غير القطريات تذاكر سفر لهن ما لم تكن تستحق تذاكر سفر أخرى عن طريق زوجها أو ولي أمرها، فتحصل بعضهن على تذكرتي سفر؛ واحدة من عملها وأخرى من عمل زوجها.
- كما يستغل بعض الموظفين القطريين ما يتمتعون به من حق بدل السكن ما داموا مستأجرين، فيقوم بعضهم بعمل عقود استئجار صورية من أقاربهم ليستمر التمتع ببدل السكن إلى أن يشاء الله، رغم امتلاكهم مساكن خاصة بهم.
تحايل الكبار أخطر
وإذا كانت الصور السابقة للتحايل تضر الاقتصاد الوطني، فإن هذا الضرر مهما بلغ حجمه فلن يصل إلى خطورة التحايل الذي يمارسه الكبار في الأردن، والذي كشفت عنه جريدة الرأي الأردنية في عددها الصادر 19-6-2006، حيث يضر هذا التحايل بالموازنة العامة للدولة.
فوفقًا للقانون الأردني، فإن الإنفاق خارج الموازنة في الأساس يعتبر مخالفة قانونية جسيمة تستوجب مجازاة من يرتكبها، ولكن إذا حدثت ظروف طارئة تستوجب نفقات ليست مرصودة في الموازنة فالطريقة الوحيدة التي أقرها القانون هي إصدار ملحق موازنة بموافقة مجلس النواب أو بقانون مؤقت إذا لم يكن المجلس منعقدًا.
ولكن الذي يحدث هو أن وزارة المالية اعتادت تجاهل هذا الالتزام، فتنفق خارج الموازنة لتتجاوز المخصصات المرصودة فيها، والدليل على ذلك أنه في كل سنة يصدر ملحق موازنة بأثر رجعي لإعطاء غطاء قانوني لإنفاق غير قانوني بعد أن أصبح أمرًا واقعًا لا فائدة من مناقشة جدواه في مجلس النواب.
ويدخل في إطار صور تحايل الكبار ما يحدث ببورصة الإمارات؛ حيث يقوم كبار التجار ببيع أسهم معينة من رصيدهم بكميات ضخمة بسعر متدنٍ للغاية، فيخاف باقي المستثمرين الصغار ويلجئون لبيع ما لديهم من هذه الأسهم بسرعة؛ وهو ما يتسبب في إحداث هزة بالسوق وساعتها يتحرك الحيتان الكبار ويعيدون شراء أسهمهم المطروحة بأسعار بخسة فيحصلون على ربح كبير من خلال هذه الحيلة.
تحايل يثير الشفقة
ومن تحايل الموظفين والكبار إلى نوع آخر وهو تحايل البسطاء الذي لا يهدف إلى ربح، ولكن يسعى إلى التكيف مع ظروف الفقر.. وعن صوره يذكر الكاتب المصري عاطف كشك حالة غريبة ترسخت في ذهنه حول كيفية تحايل الفقراء على غلاء المعيشة، ففي إحدى المصالح الحكومية المصرية كان هناك عامل يمتلك والده محل جزارة وقد تطوع هذا العامل لبيع لحوم لبعض الموظفين بالقسط، فكان أحد هؤلاء الموظفين يضطر كل أسبوع لشراء كيلو لحم بالتقسيط بسعر عشرين جنيهًا، ثم يبحث عمن يشتريه منه "كاش" بسعر خمسة عشر جنيهًا؛ لأنه في حاجة إلى النقود لشراء الخبز والفول لأولاده.
ومثل هذا السلوك يفعله -أيضًا- الفلاحون الفقراء في مصر عندما يضطرون إلى الاقتراض من التجار بضمان المحصول؛ حيث يحصلون على سعر متدنٍ جدًّا لمحصولهم؛ لأنهم في حاجة للنقود لشراء مستلزمات الإنتاج أو شراء الطعام.
لعبة القط والفأر
السؤال الذي يطرح نفسه حاليا ألا يشعر المواطنون بتأنيب الضمير عندما يتحايلون؟
هدى نوري من الكويت تقول: ولمَ الشعور بتأنيب الضمير؟ فأنا عندما أتحايل على القوانين التي وضعتها الحكومة -والتي يكون بعضها غير منطقي- فهذا لا يشعرني بأي ندم. ولكن -والكلام لا يزال لهدى- ألا تشعر الحكومة بأي ندم عندما تتحايل علينا لمجرد استنزاف أموالنا، فكما تضحك علينا الحكومة فسنضحك نحن عليها.
وتضرب هدى مثالاً لكلامها بقانون التأمين الصحي المطبق بالكويت، والذي يجبر أي مواطن على الالتزام بالمراكز القريبة من منزله؛ ولأن المراكز القريبة مني أطباؤها غير أكفاء، وكان ابني مريضًا اضطررت للتحايل والذهاب لمركز آخر تابعة له صديقة لي ودخل ابني للطبيب ببطاقة ابنها.
وتتساءل: هل أنا تسببت في ضرر بهذا المسلك؟ وتضيف: أليس ذلك أهون من التحايل الذي تمارسه الحكومة عندما تضيف رسوم دمغة على أي ورقة لاستنزاف أموالنا، وذلك على الرغم من التأكيد من حين لآخر على أننا دخلنا عصر الحكومة الإلكترونية.
ونفس الأمر يشكو منه السيد فهد من السعودية؛ حيث تزوج من امرأة صالحة من خارج السعودية، ولم يستطع استخراج تأشيرة لإحضارها معه؛ لأن الشروط التي حددها القانون لا تنطبق عليه، فاقترح عليه أحد الأصدقاء أن يقدم التماسًا للجهات المسئولة يقول فيه إن زوجته الأولى مريضة؛ حتى يوافقوا على إعطائه تأشيرة الزواج، وقد كان.
ويضيف قائلا: إن ضميري مستريح جدًّا؛ لأن الحكومة وضعت قواعد ظالمة، يؤدي تطبيقها إلى حرماني من زوجتي.
تراجع الروحانيات.. أهم الأسباب
وتفسر د. سهير عبد العزيز، عميدة كلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر انتشار التحايل بتراجع الروحانيات أمام طوفان الماديات الذي تحتاج مقاومته إلى توفر قدر من الإيمان بقضية الرزق، وأن الله سبحانه وتعالى يعدل بين الناس في الأرزاق، ولكن المشكلة هي أننا حصرنا الرزق في المال، مع أن الصحة -مثلاً- أحد عناصر الرزق.
وتقول د. سهير: إنه من الخطأ أن نحوّل الأمر إلى ظاهرة، فمهما طالعتنا الصحف بصور كثيرة للتحايل فسيظل عدد الشرفاء أكثر، ولكن من واجب الدولة أن تساعد الناس على الاستقامة، من خلال تغيير بعض القوانين التي تعطي مبررًا لهم لكي يتحايلوا عليها، وتشديد الرقابة على كبار المتحايلين حتى لا يشعروا أن أموال الدولة سهلة السرقة والنهب.
وعن تبرير البعض للجوء للتحايل بأنه ينتقم من الحكومة التي استنزفت أمواله من خلال بعض القواعد والقوانين أضافت د. سهير أن الدين الإسلامي لا يُقِرّ ذلك، فليس معنى أن إنسانًا سرقك، أن تقوم أنت أيضًا بسرقته، فلو طبّق كل إنسان هذه القاعدة فسيتحول المجتمع إلى حلبة مصارعة.
انهيار الاقتصاد.. أهم الإخطار
وعن الخطورة الاقتصادية للتحايل يقول د. إسماعيل شلبي أستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق جامعة الزقازيق -إحدى الجامعات المصرية-: إننا لا بد أولاً أن نسمي الأمور بمسمياتها، فأنا أعتبر كلمة التحايل كلمة مهذبة، فالأقرب للصحة أن نقول "انحراف".
ثم بعد ذلك ينبغي أن نفرق بين أنواع الانحراف المختلفة؛ فانحراف الكبار بهدف جمع المزيد من الأموال نتيجته الحتمية هي انهيار الاقتصاد، ليس فقط بسبب أن هذه الأموال كان من الممكن أن توجه لمشروعات اقتصادية، ولكن لأن آخذيها بغير وجه حق يحرص معظمهم على أن تكون بعيدة عن الأعين، فتظل حبيسة مخابئهم، ويحجبونها عن التداول فتصبح نقودًا معطلة لا فائدة تعود على الاقتصاد منها.
أما باقي صور الانحراف -وإن كنا لا نوافق عليها- فسببها قوانين عتيقة تحتاج الدول العربية إلى تغييرها؛ حتى لا تعطي مبررًا يستخدمه مخترقو القوانين لإراحة ضمائرهم.
وعلى ذلك يتضح أن التحايل بكافة درجاته مرفوض، وتتحمل الحكومات بعض المسئولية في انتشاره، فهل ستعي الحكومات هذه الحقيقة أم ستتبع هي الأخرى نفس أسلوب المتحايلين وتخلق هي الأخرى مبررات لإراحة ضميرها؟!.
صحفية مصرية مقيمة بالدوحة ويمكنكم التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للصفحة namaa@islam-online.net
|