English

 

الاثنين. نوفمبر. 13, 2006

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 

مواجهة الفساد.. وجه آخر للأزمة الفلسطينية

إبراهيم أبو الهيجاء

خلافات حماس وفتح أشعلتها إجرءات مقاومة الفساد
خلافات حماس وفتح أشعلتها إجرءات مقاومة الفساد

يبدو من تجليات الأزمة بين حركتي "فتح" و"حماس"، أنها لا تقف فقط على تولي "حماس" مواقع "فتح" في السلطة، ففي سياق أي عملية ديمقراطية سليمة يجب ألا يثير هذا التداول السلمي للسلطة أي إشكال بهذه الحدة، صحيح أن اختلاف البرامج السياسية متناقض في إدارة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، ولكن حتى هذا الاختلاف لا تبرَّر حدته في ضوء أن الرئاسة ومنظمة التحرير الفلسطينية اللتين تمسك بهما حركة "فتح" هما المسئول الفعلي عن توجيه وضبط السياسية الخارجية، وملف التفاوض مع "إسرائيل" تحديدا، وهذا ما أقرت به وثيقة الوفاق الوطني بين "فتح" و"حماس"، والدستور الفلسطيني -من قبل- الذي يضبط صلاحيات الحكومة في حدود الإدارة الداخلية للحكم.

كل ذلك يشير إلى أن هناك عوامل أخرى لها حظ كبير في فهمنا للأزمة بين حركتي "فتح" و"حماس"، فصحيح أن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخانقة التي يعانيها المجتمع الفلسطيني كانت بسبب سياسات الاحتلال الممنهجة ضد جميع مكونات المجتمع الفلسطيني خلال سنوات الانتفاضة الخمس، ولكن الجدير ذكره أيضا أن سياسات حكومة "فتح" غير الرشيدة التي اتسمت بقدر من الفساد جعلت الشعور بتأثير سياسات الاحتلال أشد ضراوة، وكان ظهور الأزمة هو نتيجة طبيعية لكشف هذه السياسات، ومحاولات حكومة "حماس" تغييرها.

أول القصيدة كفر

فبعد وقت قصير من إعلان فوز حركة "حماس" بالانتخابات التشريعية، بدأ الحديث يدور عن هروب عدد من المتهمين بقضايا الفساد وتهريبهم ملايين الدولارات إلى خارج الوطن، تلا ذلك المؤتمر الصحفي الذي عقده النائب العام "أحمد المغني" في "غزة" في شهر فبراير 2006، ليكشف أن النيابة تحقق في 50 قضية فساد مالي وإداري، مشيرا إلى أن قيمة الأموال المهدرة والمختلسة فيها تبلغ أكثر من 700 مليون دولار، وأكد أن الأمر يتعلق بمسئولين كبار في "السلطة"، مؤكدا أنه قد تم إحالة 25 منهم للتحقيق، وأظهر النائب العام أنه يحقق في عشرات الملفات الساخنة، من أبرزها ملف الأسمنت، الذي استخدم لبناء الجدار الفاصل، وملف مصنع الشرق الأوسط للأنابيب، وكذلك ملف الهيئة العامة للتبغ، وكذلك هيئة البترول.

كما كشفت مصادر في ديوان الموظفين العام التابع للسلطة الفلسطينية مع بداية هذا العام (19-1-2006) عن وجود تضخم في أعداد الموظفين حيث يوجد 788 وظيفة بمنصب مدير عام في السلطة، ويظهر تحليل إحصائي أن 96 مديرا عاما منهم لا يحملون أي مؤهل علمي ونسبتهم 12.18%، و39 مديرا عاما يحملون الثانوية العامة فأقل ونسبتهم 4.95%، و33 مديرا عاما يحملون درجة الدبلوم المتوسط ونسبتهم 4.168%، وأن 620 مديرا عاما يحملون شهادة البكالوريوس فأكثر ونسبتهم 78.68%.

وكشف وزير الخارجية الحالي "محمود الزهار" في أغسطس الماضي (30-8-2006) عن وجود منظمات غير حكومية عددها يفوق الـ133 منظمة تتلقى أموالا من حساب وزارة المالية، معظمها مؤسسات تابعة لحركة "فتح"، وذكر أن هناك مخصصات لأحزاب تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، تبلغ شهريا حوالي 4.1 ملايين دولار، ومصروفات ما يسمى "الساحات الخارجية" تبلغ شهريا 3.8 ملايين دولار، ورواتب 64 سفيرا تبلغ شهريا 3.8 ملايين دولار.

مخالفة للقانون

ولم تكتف حكومة "فتح" بذلك، بل حرصت أيضا قبل ترك السلطة على مضاعفة معاناة حكومة "حماس"، حيث أصدرت حكومة "أحمد قريع" التسييرية -خلال شهرين فقط (من 20/11/2005 حتى 29/3/2006) قبل مغادرتها مواقع الحكم- ما يزيد عن 422 قرارا للتعيين والتسكين، وعزز رئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس" موقفها بإصدار ما يزيد عن 143 مرسوما رئاسيّا لبعض القرارات، على الرغم من أنّ عباس شخصيا أصدر قرارا بتاريخ 20/11/2005 بوقف كلّ أشكال التعيينات والترقيات والتسكينات الوظيفية حتى يتمّ الانتهاء من الانتخابات التشريعية في 25/1/2006.

مع العلم أن حكومة تسيير الأعمال لا يجوز لها أن تقوم بمثل هذه الإجراءات، إنما تقوم بأمور تنفيذية محصورة ودقيقة، ولا يجوز التوسع فيها بأي حال من الأحوال وهذا واضح في المادة 78 أو 79 من أحكام القانون الأساسي المعدل من 2003-2005 والذي ينص في البند 3 من هذه المادة على أنه عند انتهاء ولاية رئيس الوزراء وأعضاء حكومته فإنهم يمارسون أعمالهم مؤقتا باعتبارهم حكومة تسيير أعمال، ولا يجوز لهم أن يتخذوا من القرارات إلا ما هو لازم وضروري لتسيير الأعمال التنفيذية لحين تشكيل الحكومة الجديدة.

سوء نية متعمد

الحصول على الراتب، مشهد اختفى من حياة الفلسطينيين

وعندما حاولت حكومة "حماس" علاج هذا الوضع الذي ورثته عن حكومة "فتح" بالاستعانة بأموال "صندوق الاستثمار"* اتخذ الرئيس الفلسطيني موقفا سلبيا من طلب الحكومة التصرف بمقدرات الصندوق، رغم أن مقدراته التأسيسية بلغت حوالي الـ1.4 مليار دولار، وحقّق أرباحا عام 2003 بنسبة 26%، وارتفعت معدلات الأرباح في السنوات اللاحقة إلى أكثر من 30%، وفق إعلان الصندوق ذاته.

والغريب أن هذا الصندوق جرى إحالة تبعيته إبان تولي "حماس" الحكم إلى صلاحيات الرئيس الفلسطيني، رغم أن نظامه الداخلي يخول لوزير المالية الفلسطيني ترؤّس مجلس إدارته.

والأغرب من ذلك أن رفيق الحسيني مدير ديوان الرئاسة الفلسطينية اعترف -يوم 28/09/2006 في تصريحات لوكالات أنباء وصحف "القدس" و"الأيام" و"الحياة" الجديدة- بأن خزينة رئيس السلطة تحتضن أكثر من ثلاثمائة مليون دولار، وذلك بعد الضجة التي أحدثها تصريح لعاطف عدوان وزير شئون اللاجئين حول قدرات الرئيس المادية.

أزمة مفتعلة

كل ما سبق يكشف عن أن هناك أزمة ساهمت في خلقها حكومة "فتح"، ورغم ذلك فلا تريد المساهمة في حلها، وهو ما يجعلنا نؤكد أنها أزمة مفتعلة في جانب كبير منها، وإلا فما هو التفسير لعدم استغلال أموال "صندوق الاستثمار" المقدرة بمليار دولار تقريبا، وهى وحدها تكفي لصمود الشعب الفلسطيني لأكثر من عام، ناهيك عن الأموال التي توجد في خزينة الرئيس الفلسطيني باعتراف مدير ديوان الرئاسة نفسه.

* صندوق الاستثمار الفلسطيني هو عبارة عن استثمارات خصصتها السلطة من موازنتها للدخول في استثمارات إستراتيجية مختلفة خارج وداخل الوطن، وشراء أسهم شركات وطنية وخارجية، ووضعت له مجلس إدارة بدأ عمله سنة 1999، والسلطة قدمت لهذا المجلس 140 مليون دولار، وحسب القانون يجب أن يكون وزير المالية هو رئيس مجلس الإدارة المشكل من ستة أعضاء، ثلاثة من الحكومة وثلاثة من القطاع الخاص. وقد طلب الدكتور عمر عبد الرازق وزير المالية بحكومة حماس في 14/4/2006 أن يتم تسييل عدد من أصوله المالية، لكن هذا الطلب رفض من مدير الصندوق وادعى أنه يأخذ صلاحيته من الرئيس، وأنه يمر بعجز، وأنه إذا باع الأسهم والأصول فسيشكل ذلك خسارة كبيرة لهذه الأصول.


  كاتب وباحث فلسطيني يمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للصفحة namaa@islam-online.net

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم