|
| جانب من مظاهرة لمناهضي العولمة في هونج كونج
|
بالنظر إلى أن محادثات منظمة التجارة العالمية التي جرت الأسبوع الماضي في هونج كونج والتي كانت تهدف في الأصل إلى إلغاء كل الحواجز أمام التجارة العالمية بين دول العالم بأسره، فإن نتائج المؤتمر تعتبر هزيلة، وبالكاد يمكن أن تكون قد أنقذت المؤتمر الكبير من الفشل الذريع، إلا أنها أبقت على المعاملة التمييزية التي تحظى بها شركات الدول الغربية الغنية.
فبحسابات المكسب والخسارة، أظهر الاتفاق الهزيل الذي نجم عن لقاءات آلاف من مسئولي التجارة في العالم يمثلون 149 دولة -هم أعضاء المنظمة- أن الدول النامية، والتي تضم دولا عربية وإسلامية، خرجت بالقليل، في حين أبقت الدول الغنية على آمالها العريضة متوهجة وحصلت على موافقة ضمنية على استمرار وضعها المهيمن على الاقتصاد العالمي.
وعود هزيلة
فكل ما حصلت عليه الدول النامية هو وعود بأن تقوم الدول الغنية بإلغاء نوع واحد فقط من الدعم تقدمه لمزارعيها بحلول عام 2013 -ما عدا الدعم المقدم للقطن- علاوة على حفنة من المساعدات لأفقر دول العالم. أما الدعم الذي وافقت على إلغائه الدول الغنية هو "دعم الصادارت" الذي تقوم فيه هذه الدول بتعويض المزارعين وشركات الزراعة العالمية عن تكلفة التصدير، وهو نوع واحد فقط من الدعم وليس كل أنواعه.
والمعروف أن الدعم الغربي عموما للمزارعين يضر بالمزارعين المحليين في أفريقيا والكاريبي وأمريكا اللاتينية وآسيا، حيث يتسبب في تخفيض أسعار السلع بشكل كبير في الأسواق العالمية.
ومن هزالة ما حصلت عليه الدول النامية أن هذه الوعود لن تتحقق إلا في عام 2013، وحينها ستنظر الدول الغنية في أمر "دعم صادراتها"، على الرغم من أن الدول النامية كانت تطالب أن يكون التاريخ هو 2010.
ومما يشكل إضافة إلى مدى ضعف ما قدم للدول الفقيرة أن الدول الغنية لم تتعهد لا من قريب أو بعيد بإلغاء ما يسمى بالدعم الداخلي لمزارعيها ولشركات الزراعة والذي يعتبر أهم نوع من أنواع تخفيض أسعار المنتجات الزراعية الغربية، ثم إغراق أسواق العالم بها كنوع من "خنق" المنافسين، خصوصا أولئك الذين في الدول الفقيرة، مثل: مصر وكينيا والهند والبرازيل ممن لا يقدرون على منافسة أو تلقي دعم مقابل من حكوماتهم.
والمفارقة التي تظهر أيضا مدى خسارة الدول النامية في هذه الجولة في الاقتصاد العالمي هي أن هذا النوع من الإغراق علاوة على دعم الصادرات هو نوع مشوَّه للتجارة -أي نوع من التلاعب التجاري- وذلك حتى وفق لوائح وقوانين منظمة التجارة العالمية نفسها، ومع هذا فلم تستطع الدول النامية إجبار الأغنياء والكبار والأقوياء على التراجع الفوري عنه.
وتقول منظمات مراقبة التجارة إن تأثير الموعد النهائي الجديد سوف يكون ضئيلا للغاية ما دام اللقاء في هونج كونج قد فشل في إلزام الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوربي في إنهاء دعمهم الزراعي المحلي والذي يبلغ بلايين الدولارات سنويّا.
صفقة تنموية
والمكسب الآخر للدول الفقيرة -والذي جاء متواضعا أيضا وموجها لعدد قليل فقط من الدول الأشد فقرا من العالم- هو حصول الدول الأقل تنمية في العالم على صفقة تنموية، ولكن العرض مقرون بقيود قاسية، وهناك شك في أنه لن يؤدي حتى إلى تحسين المستويات الكاسحة للفقر في هذه الدول.
والدول الأقل تنمية في العالم هي مجموعة من 50 دولة بها عدد كبير من الدول الإسلامية تعرضت لتاريخ مأساوي من الاستعمار والاستغلال، وتشمل بنين واليمن وبنجلاديش وأفغانستان والسودان وموريتانيا والمالديف ومالي وتشاد وجزر القمر والصومال. وهذه الدول تقوم غالبا بتصدير المنتجات الزراعية البسيطة مثل الموز والسكر والشاي.
ويعلق ديفيد واسكو من منظمة "أصدقاء الأرض"، وهي واحدة من المنظمات غير الحكومية التي تقوم بمراقبة المحادثات، على هذه الصفقة قائلا: "إنه في الحقيقة نوع من إعطاء الناس أموالا لشراء أكفانهم، بعد أن قمت بالفعل بقتلهم".
وتشمل الصفقة التنموية متعددة الأطراف اقتراحا يشمل إمكانية دخول جميع الدول الـ50 الأقل تنمية إلى أسواق الدول الغنية بشكل "معافى من الحصص ومعافى من الرسوم"، وذلك بحلول عام 2008. وقد قالت بعض الدول النامية الكبرى، مثل البرازيل والصين والهند، إنها سوف توقع هي الأخرى على هذا العرض، ولكنها سوف تقوم بتنفيذه بشكل انتقائي.
ومع هذا، فالعرض ليس كاملا وسيحقق نتائج ضعيفة، فقد أصرت الولايات المتحدة واليابان، على سبيل المثال، على استبعاد بعض المنتجات من صيغة الإعفاء من الحصص والرسوم، خشية على المنتجين المحليين وحماية لصناعتها.
فالولايات المتحدة قالت إنها ستمنع دخول الأنسجة والأقمشة ضمن البرنامج مضرة بذلك بكمبوديا وبنجلاديش وهما دولتان من الدول الأشد فقرا في العالم تصدران المنسوجات، وبالتالي فلن تستفيدا؛ لأن واشنطن وضعت مصلحة مصنعي الأنسجة والملابس الأمريكيين أولا. ونفس الشيء ينطبق على اليابان التي قالت إنها لن تسمح بدخول الأرز ضمن البرنامج.
ويذكر أن هذه الدول الأشد فقرا ليس لها تأثير مطلقا على التجارة العالمية وإعطاؤها بعض المزايا هو نوع من ذر الرماد في العيون ولا يشكل أي تنازل له معنى من قبل الدول الغنية. فمن بين إجمالي التعامل التجاري العالمي البالغ 8.9 تريليونات دولار في عام 2004 كان نصيب الدول الأقل تنمية ضئيلا لدرجة السخرية؛ حيث بلغ 0.64% فقط.
مكاسب الأغنياء
وفي المقابل فعلى ماذا حصلت الدول الغنية في هذه الجولة؟. قالت سوزان شوب نائبة الممثل التجاري الأمريكي في حديثها للصحفيين هنا في آخر يوم من أيام مؤتمر هونج كونج: إن ما قدمته الولايات المتحدة ما هو إلا "مقدم" لاستثمار أمريكي، وإن الفوائد لواشنطن أكبر بكثير، وما على أمريكا وشركاتها إلا العودة لبدء بحث كيفية تحويل مؤتمر هونج كونج إلى أرباح ومكاسب طويلة المدى.
وهذا الأمر جاء بعد أن حصلت أوربا واليابان والولايات المتحدة على تعهدات لإلزام الدول النامية الكبيرة ذات الأسواق المربحة -مثل مصر والسعودية في العالم العربي والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا- بأهم هدف تسعى وراءه الشركات الغربية الكبيرة -مثل نستله ومايكروسوفت وجنرال موتورز وغيرها- وهو تحويل العالم كله إلى سوق كبيرة مفتوحة للمنتجات الأمريكية والغربية والقضاء على المنافسين المحليين.
وقد اضطرت الدول النامية إلى الالتزام بمفاوضات شاملة لفتح أسواقها بشكل إضافي أمام شركات الخدمات الأمريكية والأوربية مثل: الصناعة المصرفية والتأمين، وحتى المرافق العامة والاتصالات والبريد السريع وغيرها من الخدمات، وهو ما يمكن أن يشير إلى موجة أخرى من الخصخصة وإلغاء الضوابط المحلية مثل تلك التي تساندها المؤسسات المالية الدولية، مثل: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما حدث في دول مثل مصر في بداية التسعينيات.
مخاوف الفقراء
وتخشى جماعات محاربة الفقر ومنظمات التجارة العادلة من أن دخول الشركات الأمريكية والأوربية القوية والمكتظة بالأموال سوف يسحق العمالة المحلية، ويقضي على الشركات القومية تماما، ويفرض تبعية مستقبلية قد تستمر لعقود على الدول النامية تذكر تماما بعهود الاستعمار السابقة والتي كان فيها رجال الأعمال الغربيون وشركاتهم يعملون في الدول المستعمرة بحرية مطلقة ويقومون باستغلال الموارد البشرية والطبيعية في الدول المحتلة لصالح إثراء الدول المستعمرة الكبيرة كبريطانيا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال.
وكانت مجموعة التسعين، مكونة من 90 دولة فقيرة ونامية، قد احتجت في المؤتمر على إلزامها بفتح أسواق للخدمات الغربية خصوصا في مجالات حساسة للغاية مثل توزيع المياه والكهرباء والتعليم والرعاية الصحية غير أن اعتراضها ذهب أدراج الرياح مع هيمنة الدول الغنية على المحادثات.
والفارق هذه المرة عن الفترة الاستعمارية أن هذا الاستغلال يتم تكريسه عن طريق المنظمات الدولية كمنظمة التجارة الدولية، وصندوق النقد، والبنك الدولي، والأمم المتحدة وتحت غطاء الشرعية الدولية، وبموافقة حكومات الدول لنامية وبمباركة رجال الأعمال المحليين الذين يستفيدون من صلات خاصة بهم كوكلاء وعملاء للشركات الغربية.
ويمكن للقارئ العربي أن يتخيل مثلا أن كل شركات بيع المصنوعات المصرية أو محلات صيدناوي الشهيرة تتحول إلى "شركة وول مارت الأمريكية" أو محلات "كارفور" الفرنسية كما يحدث وحدث في أمريكا اللاتينية.
ومثال أبسط وأوقع ولا يخلو من طرافة وهو ما يمكن أن يحدث لمحلات العصير الطازجة والمعروفة في أنحاء الدول العربية والمعروفة في مصر باسم "محلات عصير القصب" مع التوسع في العصائر والمشروبات الغازية الأمريكية من كوكاكولا وبيبسي ونستله وشويبس وسارا لي.
وهذه الأمثلة ملحوظة حاليا بالفعل، فعلاوة على خنق المنتج المحلي وتشريد العمال بها ينتقل الفائض المالي الداخلي إلى جيب الأجانب والشركات الأجنبية، ولا يعاد تدويره أو استثماره في البلد الأصلي، مما ينتج عنه انهيار عملة البلد الأصلي على المدى الطويل.
وللقارئ العربي أن يتخيل أيضا النتائج الاجتماعية -وليست الاقتصادية فقط- إذ كيف سيكون المجال التعليمي مفتوحا أمام شركات أجنبية وشركائهم من رجال الأعمال المحليين، وما يمكن أن تكون عليه طبيعة التعليم وأعمدته وأفكاره تحت قيادة أجانب لا يشتركون مع الدول النامية في الثقافة والدين، وكل هذا برضا الحكومات العربية التي وافقت على هذه الاتفاقات العالمية التي تتزعم الترويج لها أمريكا وأوربا.
موقف العرب
وقد يتساءل البعض كيف تسمح الدول العربية والدول النامية الأخرى بهذا، ولماذا لا يقفون بقوة أكثر ضد محاولات الاختراق وإعادة فرض الهيمنة الغربية.
الإجابة على ذلك شائكة، ولك أن تعلم أن بعض الدول الفقيرة مثل مالاوي حاولت الاعتراض على الاتفاق في هونج كونج فما كان من المفاوضين الأمريكيين إلا أن اتصلوا بواشنطن التي اتصلت بدورها بالعاصمة المالاوية التي اتصلت بدورها بالمفاوضين الفقراء في هونج كونج وأجبروهم على تغيير موقفهم خضوعا للقوة السياسية للولايات المتحدة.
إذن للسياسة دور كبير، وكثير من الدول تعتمد في ميزانيتها على معونات من واشنطن ومن أوربا، ومنها أكبر دولة عربية هي مصر. وثاني الأسباب أن الضغوط التي تخضع لها الدول النامية هائلة، فمؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي -التي تدعي الصبغة الدولية- ما هي إلا وسائل ضغط تم تأسيسها وتمويلها على يد الأمريكيين والأوربيين بعد الحرب العالمية الثانية لتمرير السياسات الاقتصادية الغربية في مرحلة ما بعد الاستعمار.
وتقوم هذه المؤسسات المالية ذات الموارد الكبيرة بالضغط على الدول النامية عن طريقين: الأول هو طريق القروض المصحوبة بشروط تنص على فتح الأسواق وتفضيل الشركات الأجنبية وإعطائهم معاملات امتيازية، والطريق الثاني هو طريق المعلومات الفنية التي يتم التلاعب بها لتناسب أجندة الشركات الغربية، ثم يتم تقديمها للدول النامية -المنبطحة والخالية من الفكر الاقتصادي المستقل- على أنها معلومات اقتصادية ونصائح مخلصة في السياسة الاقتصادية مجردة.
وسبب آخر هو أن الدول الغربية الغنية والمهيمنة استطاعت إيجاد طابور خامس من رجال الأعمال ومن رجال السياسية المستفيدين من علاقات مع شركات غربية في الدول النامية. فكثير من الوكلاء للشركات الأجنبية هم من الطبقة الحاكمة في الدول العربية ولهم صلات قوية بهم، وأكبر مثال على ذلك هو أن وزير التجارة المصري رشيد محمد رشيد والذي ترأس وفد مصر لاجتماعات منظمة التجارة العالمية في هونج كونج هو رجل أعمال يعمل كوكيل لمنتجات شركة يونيليفر العالمية في مصر التي تنتج صابون "دف" ومزيل عرق "أكس" وشاي "ليبتون" و"فازلين".
كما أن كثيرا من رجال الأعمال في الدول العربية قد صنعوا أموالهم من الارتباط بشركات غربية أو مشاريع مرتبطة بالمعونات الأوربية أو الأمريكية، مثل معونات "هيئة المعونة الأمريكية" في مصر.
ومع كل هذا فإن المؤتمر لم يخلُ من بريق أمل. فعلى الرغم من بُعد هونج كونج وارتفاع كلفة السفر إليها فقد تدفق حوالي 10 آلاف معارض للاتفاقات من العمال والفلاحين والطلاب ومناهضي العولمة ممن تظاهروا ضد تحرير التجارة وتحملوا القنابل المسيلة للدموع والاعتقالات، وكان شعارهم "سنسقط منظمة التجارة العالمية"، ورغم أنها مهمة صعبة فإنها ليست مستحيلة.
|