|
| أسلمة المصارف هل تحل المشاكل؟ |
يعكس تحول بنك الشارقة الوطني بالإمارات من بنك تجارى يصنف على أنه من البنوك الربوية إلى بنك إسلامي ترسيخ التوجه الذي يعيشه القطاع المصرفي الإماراتي لفكرة البنوك الإسلامية والتي يمثلها كل من بنك دبي الإسلامي، أقدم بنك إسلامي ليس في الإمارات فقط بل في المنطقة العربية حيث أنشئ في السبعينيات، ومصرف "أبو ظبي الإسلامي" الذي أنشئ منذ ثلاثة أعوام، وينضم إليهما حديثًا بنك الشارقة الوطني الذي أعلن اعتزامه التحول من بنك ربوي إلى بنك إسلامي.
حقيقة التحول
ومنذ إعلانه في نهاية فبراير 2001 – قرار التحول إلى بنك إسلامي أثار بنك الشارقة العديد من التساؤلات حول حقيقة تحوله المفاجئ خصوصا وأن البنك يمر منذ أكثر من عشر سنوات بصعوبات عديدة، منها أنه ظل لسنوات لا يصدر ميزانيته السنوية لعدم موافقة المصرف المركزي عليها، فهناك ديون ومستحقات مالية صنفت على أنها ديون مشكوك في تحصيلها عجز البنك عن استردادها، الأمر الذي كان يعجز البنك سنويا عن إعداد ميزانيته، وحسب ما أبلغتنا به مصادرنا فإن أكثرية الديون المستحقة للبنك هي على رجال أعمال معروفين وشخصيات مرتبطة بالأسرة الحاكمة في إمارة الشارقة التي تمتلك حكومتها أكثر من 46 % من رأسمال البنك البالغ حاليا 290 مليون درهم.
وفي السنوات الأخيرة نجحت إدارة البنك في استرداد جزء كبير من ديونها المعدومة غير أنه لا تزال هناك مبالغ كبيرة يعجز البنك عن استردادها، حيث يطالب المدينون بإسقاط الفوائد المتراكمة عليهم وسداد أصل الدين فقط، الأمر الذي وضع البنك في مأزق خصوصا وأن المدينين أسماء معروفة، ولذلك فكرت إدارة البنك بالتعاون مع حكومة الشارقة التي تسيطر على الحصة الأكبر من رأسمال البنك في أكثر من سيناريو لإقالة البنك من عثرته منها: سيناريو باندماج البنك مع بنك وطني آخر والصعوبة التي واجهت هذا السيناريو أنه ليس هناك بنك حكومي آخر في إمارة الشارقة يمكن أن يدخل في اندماج مع البنك.
أما السيناريو الأخر الذي فرض نفسه هو التحول من بنك ربوي إلى بنك إسلامي خصوصا وأن هذا التحول يتسق تماما مع توجهات حكومة الشارقة ذات الميول الإسلامية والتي كانت بالفعل تخطط لإنشاء بنك إسلامي غير أن مسارعة إمارة "أبو ظبي" في السنوات الأخيرة بإنشاء بنك "أبو ظبي الإسلامي أجّل الفكرة؛ لذلك حبذت حكومة الشارقة فكرة تحول بنكها التجاري إلى بنك إسلامي وخلال العام المالي المنتهى (2000) سجل بنك الشارقة الذي سيصبح بنكا إسلاميا في الأيام المقبلة أرباحا قدرها 90.9 مليون درهم مقابل 90.3 مليون درهم عام 1999، وسجلت موجوداته نموا بنسبة 19.4 % لتصل إلى 1.855 مليار درهم، وبلغت القروض والسلفيات 1.329 مليار درهم كما بلغت ودائع العملاء 1.152 مليار درهم
ميزانية بنك الشارقة قبل التحول
|
| 1= القروض والسلفيات ، 2= الودائع ، 3= الموجودات، 4= المطلوبات |
ويعتزم البنك في تحوله ليكون بنكا إسلاميا رائدا إدخال ( بيت التمويل الكويتي) بخبرته في مجال البنوك الإسلامية كمساهم بنسبة 20 % من رأسمال البنك الذي سيتم رفعه من 290 مليون درهم إلى 347 مليون درهم، ويؤكد مصرفيون إسلاميون هنا في دبي أن الاستعانة ببيت التمويل الكويتي سوف يضع بنك الشارقة في صدارة البنوك لما يمتلكه بيت التمويل الكويتي من خبرة مكنته من أن يصبح من أكبر البنوك في الكويت اليوم علاوة على مقدرته في إعادة هيكلة البنك من بنك ربوى إلى بنك إسلامي.
تعطش العملاء للبنوك الإسلامية
وأيا كانت الدوافع التي تقف وراء تحول بنك الشارقة الوطني إلى بنك إسلامي إلا أن هناك حقيقة مهمة في الإمارات هي أن هناك تعطشا حقيقيا من جانب الناس للتعامل مع البنوك الإسلامية وبرز ذلك واضحا خلال الأزمة التي مر بها بنك دبي الإسلامي والتي كادت تعصف به وبأي بنك ربوى آخر في ظروف أيام عندما تعرض البنك لعملية نصب في عام 99 أضاعت عليه حوالي 900 مليون درهم، ونجحت حكومة دبي مع ثقة عملاء البنك في تمكين البنك من العبور من أزمته، فلم يسارع العملاء إلى الانقضاض على البنك بسحب أموالهم، كما يحدث عادة في مثل هذه الظروف، بل على العكس من ذلك تصاعدت حجم الودائع في شهور قليلة.
وحسب مصدر مصرفي كبير في البنك فإن حجم الودائع التي تلقاها بنك دبي الإسلامي في شهري يناير وفبراير الماضيين فقط بلغت مليار درهم مما يعطي مؤشرا على مدى نجاح البنوك الإسلامية في الإمارات ومدى إقبال الناس على التعامل معها.
ومع إنشاء مصرف "أبو ظبي الإسلامي" بدأت تترسخ فكرة البنوك الإسلامية في الإمارات فلم يعد هناك بنك إسلامي واحد في الساحة المصرفية، ونجح البنكان الإسلاميان في إيجاد صيغ للتعاون فيما بينهما حيث أقرا إقامة شراكة بينهما في شركة للتمويل الإسلامي وأخرى للتأمين الإسلامي بهدف توسيع صيغ التعاملات الإسلامية بالإضافة إلى التوسع في إمداد العملاء بتمويلات عديدة خصوصا في قطاع السيارات والقطاع العقاري حيث يتميز بنك دبي بأنه من أكثر البنوك فعالية في العمل في مجال التمويل العقاري
ومؤخرا اتفق كل من بنكي دبي ومصرف "أبو ظبي" الإسلاميين على الدخول سويا في شراكه لإقامة أول بنك إسلامي في البوسنة والهرسك مع بنك التنمية الإسلامي
أسباب التدفق في المصارف
ويتوقع المصرفيون أن تشهد الفترة المقبلة زيادة في أعداد البنوك ومؤسسات التمويل الإسلامية لاعتبارات عديدة منها نجاح فكرة البنك الإسلامي والتي مثلها بنجاح على مدى العقدين الماضيين بنك دبي الإسلامي، وكذلك تمسك مجتمع الإمارات مقارنة بغيره بالتعاليم الإسلامية ففي حين لا ينظر مجتمع المال والأعمال في كثير من الدول العربية والإسلامية بحذر إلى مسألة التعامل بالقروض الربوية حيث التعامل بها دون حرج إلا أن الوضع في مجتمع الإمارات يبدو مختلفا إلى حد ما فلا تزال هناك شريحة لا يستهان بها من التجار ورجال الأعمال لا يحبذون التعامل مع البنوك الربوية ناهيك عن تحفظ الإماراتيين أنفسهم إزاء الاقتراض من البنوك الربوية الأمر الذي ساعد على رواج فكرة التعامل مع البنوك الإسلامية ووفر لها أعدادا كبيرة من العملاء ..
النقطة الأكثر أهمية أن البنوك الإسلامية نجحت مقارنة بالبنوك الربوية في الحفاظ على أموال مودعيها ففي السنوات الماضية تعرض أكثر من بنك ربوى لعمليات نصب من كبار التجار الوافدين الذين هربوا بقروض بالملايين على غرار التاجر الهندي (باتيل) الذي هرب مخلفا وراءه أكثر من مليار درهم اقترضها من أربعة بنوك تجارية، وهذه التجارب تعزز ثقة العملاء في التعامل مع البنوك الإسلامية أكثر من البنوك الأخرى.
الأمر الآخر أن البنوك الإسلامية بدأت في السنوات الأخيرة تخصص فروعا مقصورة في تعاملاتها على النساء وهو ما يتلاءم مع طبيعة مجتمع الإمارات الذي لا يحبذ تواجد النساء في الأماكن المزدحمة مع الرجال بالإضافة إلى حرصها أيضا على استقطاب كوادر من المواطنين سواء حديثي التخرج أو من الكوادر المصرفية التي تعمل في بنوك أخرى حيث يتم استقطابها بعد إقناعها بفكرة البنوك الإسلامية، وفى الآونة الأخيرة حدث تحول للعديد من المصرفيين الإماراتيين الذين كانوا يعملون في بنوك تجارية إلى البنوك الإسلامية الأمر الذي سيوفر للبنوك الإسلامية كوادر مواطنة مسلمة، وهذه من القضايا المهمة خصوصا في الإمارات الذي لا يزال القطاع المصرفي فيه يهيمن عليه الأجانب الذين يدينون بديانات غير الإسلام.
ثمة نقطة أخرى هامة تتعلق بأسباب زيادة عدد البنوك الإسلامية وارتفاع أعداد المتعاملين معها ترتبط بتصرفات السلطات الحكومية مع هذه البنوك، ويمكن القول: إن البنوك الإسلامية هنا تحظى بدعم وتأييد من السلطات الحكومية، بل إن حكومة دبي على سبيل المثال أصبحت من أكبر المساهمين في بنك دبي الإسلامي فقد ارتفعت حصتها من 10 % إلى أكثر من 30 % بعد الأزمة التي تعرض لها البنك والأمر ذاته سيكون عليه بنك الشارقة بعد تحوله حيث من المتوقع أن ترتفع فيه حصة الحكومة أيضا، ويكشف ذلك عن توجه حقيقي لدى الحكومات المحلية في الإمارات لدعم البنوك الإسلامية وهو الشيء المفقود في الدول العربية الأخرى.
بالإضافة إلى ذلك فإن القوانين المصرفية الممثلة في قانون مصرف الإمارات المركزي تتضمن نصوصا وبنودا تتعلق بالمصارف ومؤسسات التمويل الإسلامية حيث توجد قوانين خاصة تتواءم مع طبيعة عمل البنوك الإسلامية يراقب بها المصرف المركزي البنوك الإسلامية، ويعتبر ذلك من المزايا الهامة حيث تعانى البنوك الإسلامية في عدد من الدول العربية من عدم توفر بيئة العمل المناسبة للبنوك الإسلامية نتيجة تطبيق نفس القوانين التي تطبق على البنوك الربوية والتي لا تتفق على الإطلاق مع طبيعة عمل المصارف الإسلامية التي لا تقر الفائدة الربوية في تعاملاتها.
وتدرك البنوك الإسلامية في الإمارات حجم التحديات التي تواجهها مع زيادة التعاملات من خلال شبكة الإنترنت لذلك ما زال النقاش جاريا بين بنكي دبي و"أبو ظبي" الإسلاميين للانضمام إلى موقع إسلامي كيو . كوم، وهو موقع شبكي متخصص في طرح المنتجات المالية والاستثمارية الإسلامية وذلك من أجل توسيع شبكة التعاملات مع البنوك الإسلامية من خلال شبكة الإنترنت خصوصا وأن من المتوقع أن يزداد حجم التعامل بالمنتجات الإسلامية من خلال الإنترنت حيث تقدر المصادر حجم المبادلات التجارية الإسلامية بحوالي 150 مليار دولار سنويا بنسبة نمو تصل إلى 30 % كما توقعت أن يصل عدد مستخدمي شبكة الإنترنت من المسلمين إلى 94 مليون مستخدم بحلول العام المقبل (2002).
كاتب صحفي
|