|
أصبحت الإضرابات في المغرب ظاهرة تقلق المسئولين المغاربة وتنذر بعواقب وخيمة على الاقتصاد؛ وهو ما دفع السلطات إلى السعي إلى تقييده؛ فالمغرب الذي اختار سياسة الانفتاح الاقتصادي، ووقّع العديد من الاتفاقيات التجارية مع دول ذات اقتصاديات متطورة مثل الولايات المتحدة الأمريكية.. بات يعيش على هاجس حماية اقتصاده الوطني، وتطوير بنياته الإنتاجية، وتسوية العلاقات بين العمال وأرباب العمل؛ أملا في تأهيل اقتصادي يمكنه من جني ثمار الانفتاح.
وإذا كان التوافق الذي رعته الحكومة المغربية بين النقابات وأرباب العمل قد أثمر صدور مدونة الشغل الجديدة في العام الماضي؛ فإن ممارسة حق الإضراب الذي يضمنه الدستور المغربي ظل هاجسًا يقض مضجع السلطات؛ حيث تشير إحصائيات وزارة التشغيل المغربية إلى أن عدد ساعات العمل الضائعة في سنة 2003 وحدها قد بلغ 78328 ساعة؛ وهو ما يشكل إحدى إعاقات نمو الاقتصاد الوطني.
الحق مكفول بالدستور
منذ سنة 1962 (تاريخ وضع أول دستور مغربي) تم النص بشكل صريح على أن "الإضراب حق مشروع"، ويضيف الدستور مؤكدًا: "وسيبين قانون تنظيمي الكيفية التي يمارس بها هذا الحق".
وبقدر ما اعتبر ضمان حق الإضراب في الدستور بمثابة انتصار للحريات؛ فإن عدم صدور القانون المنظم للإضراب إلى الآن اعتبر بمثابة ثغرة قانونية، لكن النقابات المغربية لم تنتظر إلى أن يصدر هذا القانون لتمارس حقها في الإضراب؛ بل وجدت أن من مصلحتها عدم ظهور هذا القانون ما دامت تمارس هذا الحق الدستوري كلما أرادت ذلك، ودون التقيد بأي شروط.
ومنذ بداية التسعينيات حيث استفحلت الأزمة الاقتصادية وكثرت الإضرابات العمالية التي شلت الحركة الاقتصادية والإدارية، بدأت الحكومة في التفكير في إصدار قانون ينظم حق الإضراب، ويضع الشروط المقيدة لهذا الحق.. ومنذ ذلك الحين تم إعداد العديد من مسودات القوانين دون التمكن من الوصول إلى توافق حولها بين النقابات من جهة، والدولة وأرباب العمل من جهة أخرى.
آخر مسودة للإضراب
وتجري حاليًّا مشاورات حول آخر مسودة أعدتها لجنة حكومية وسط تجاهل وتحرج واضح من النقابات عكسه رئيس قسم التشريع والمنظمات الدولية بوزارة التشغيل السيد الهادي شاطر، حين قال بوضوح في يوم دراسي نظمه الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب في يناير 2005 بالرباط: "إن معظم الناس في النقابات لا يريدون أن يناقشوا معنا تنظيم حق الإضراب؛ فهم يقولون إنهم يمارسونه دون شروط، ويريدون أن يبقى الوضع على ما هو عليه".
الندوة التي نظمتها هذه النقابة أظهرت حجم القلق الذي أبداه المتدخلون، وهم في معظمهم خبراء في قوانين الشغل، من الإجراءات التي حملتها مسودة القانون والتي تسير في اتجاه التضييق على حق العمال في ممارسة الإضراب.
ويبدو أن الهاجس الذي حكم مُعدِّي المسودة المذكورة هو ضمان التوازن بين الحق في الإضراب والحقوق الأخرى التي تتداخل معه مثل حق الملكية والمبادرة والحق في العمل، ومن هنا فقد وصل الأمر إلى حد النص على عقوبات بالسجن في حالة سعي العمال المضربين إلى عرقلة حق العمل بالنسبة للعمال الذين لا يرغبون في خوض الإضراب، واعتبار أن الإضراب يوقف عقد العمل ولا ينهيه إلا في حالة ارتكاب الأجير لخطأ جسيم كالسرقة والسُّكْر العلني أو استعمال العنف أو إلحاق أضرار بالتجهيزات أو الآلات عمدًا أو نتيجة إهمال فادح.
وبالمقابل فقد أقرت المسودة أنه لا يجوز معاقبة أي شخص بسبب مشاركته في إضراب مشروع، وأنه يكون باطلا بقوة القانون كل شرط أو التزام يقضي بتنازل الأجير عن ممارسة حق الإضراب، ومنع المشغل من اتخاذ أي إجراء بهدف إفشال الإضراب.
محاباة لصالح المشغل
لكن وكما لاحظت الدكتورة فريدة المحمودي (من جامعة مدينة مكناس) فإن المشرع مارس نوعًا من المحابات لصالح حماية الحق في العمل، ويظهر ذلك من خلال حجم العقوبات المقررة ضد المساس بالحق في حرية العمل والتي تتراوح بين 1500 درهم و50000، في حين أن العقوبات المقررة في حق المشغل الذي يعاقب العامل بسبب ممارسته للإضراب، تتراوح فقط بين 500 درهم و1200 درهم، وهي تتعدد بتعدد الإجراء، شرط ألا تصل في مجموعها إلى 100000 درهم (الدولار الأمريكي يساوي 9 دراهم مغربية).
تقييد حق الإضراب لا يقتصر فقط -حسب المسودة- على ضرورة احترام الإجراءات الشكلية لممارسته والمتمثلة أساسًا في ضرورة تمكين المشغل من مهلة إخطار لا تقل عن 10 أيام، تبدأ من تبليغه بقرار الإضراب مع إبلاغ ممثل السلطات المحلية، بل إنه يحق للوزير الأول التدخل لوقف الإضراب أو منعه عند حدوث أزمة وطنية حادة، وهو ما انتقده المحامي مصطفى الرميد، معتبرًا أنه يشكل محاولة للحد من حق الإضراب، وعبّر الرميد عن تخوفه من أن تسعى الحكومة إلى استعمال هذا التقييد، خاصة في مواجهة الإضرابات الوطنية تحت ذريعة أن البلاد تمر بأزمة وطنية.
ويبدو أن التشريع المغربي في مجال الشغل -كما في مجالات أخرى- يظل متأثرًا بشكل كبير بالتشريع الفرنسي؛ حيث تؤكد الدكتورة فريدة المحمودي أن الدولة الوحيدة في أوربا التي جرمت المس بحق العمل هي فرنسا، منتقدة نزوع المشرع المغربي إلى تقليد فرنسا في هذا المجال؛ حيث يشدد القانون الجنائي المغربي العقوبات في حق كل من منع العمال غير المضربين من ممارسة عملهم.
الحق في الحياة الكريمة
ويؤكد الدكتور سعيد خالد الحسن الأمين العام للاتحاد الإسلامي الدولي للعمل أنه من تحصيل الحاصل تكريس حق العامل في الإضراب، باعتبار أن هذا الحق تضمنه المواثيق الدولية، لكنه اعتبر أن التحديات التي تواجه المجتمعات العربية باتت تتجاوز حقوق العامل لتمس الحق في الحياة الكريمة دون تبعية للآخر.
وأشار إلى أن القوى المحلية لم تَعُد وحدها تتحكم في فرص العمل، إنما أيضًا الرأسمالية العالمية التي سماها "رأسمالية الرأسمالية". وأضاف الحسن أن المشكل الذي يواجه العمال ليس فقط هو حق الإضراب إنما هو عدم وجود فرص العمل، داعيًا النقابات في العالم العربي والإسلامي إلى التحالف دوليًّا مع مناهضي العولمة في الغرب من أجل فرض مطالبها العادلة.
وتؤكد مثل هذه الدعوات على أن التحديات المطروحة أصبحت تتجاوز النضال النقابي التقليدي؛ ففي ظل ارتفاع حدة المنافسة الاقتصادية على المستوى الدولي فإن العمال أرباب العمل والدولة على السواء أصبحوا أمام حقيقة ضرورة الحوار والتوافق حول الحلول التي تساهم في وقف الاحتقان الذي لن يؤدي إلا إلى تعطيل الإنتاج.
صحفي مغربي
|