English

 

الأحد. أبريل. 2, 2000

نماء » بورصات وبنوك » بورصات

 

بورصة الإمارات الجديدة.. عودة الأموال المهاجرة

عبد الرحمن إسماعيل

دبي- تأمل الإمارات من وراء تدشين قاعة التداول الأولى -التي جرى افتتاحها الأحد 26/3/2000 الماضي  في دبي- أن تُعطي بورصة الإمارات للأوراق المالية -كخامس بورصة رسمية في منطقة الخليج- الثقة للمستثمرين في الدولة، خاصة بعد أزمة سوق الأسهم التي ضربت البلاد في صيف عام 1998؛ مخلفة انعكاسات اقتصادية سلبية ما تزال مستمرة حتى الآن؛ وأبرزها ثلاثة مليارات درهم مديونيات بنكية مستحقة للبنوك على الإماراتيين.

وسبقت دبي العاصمة التجارية للإمارات بتدشين مقصورة التعاملات الأولى حيث ستلحقها المقصورة الثانية في "أبو ظبي" بعد شهور، وفى إدراج واحد ومتكامل لأسهم الشركات طبقا للقانون الاتحادي رقم 4 لسنة 2000 بشأن إنشاء هيئة وسوق الإمارات للأوراق المالية والسلع.

ورغم أن بداية انطلاقة بورصة دبي محدودة؛ حيث جرى إدراج أسهم ثمان شركات فقط من إجمالي أكثر من 50 شركة مساهمة لا يزال يجري تداول أسهمها خارج المقصورة في سوق تبلغ القيمة السوقية للأسهم أكثر من مائة مليار درهم- فإن الإمارات تأمل في أن تتسارع وتيرة إدراج الشركات؛ خصوصًا وأن غالبية الشركات أعلنت عن رغبتها في التسجيل في السوق المنظمة.

أطلقت دبي بورصتها من حيث انتهى الآخرون؛ حيث جرى الاستعانة بشركات أجنبية متخصصة في إعداد وتجهيز مقصورة التداول على أحدث نظم التداول الإلكتروني، كما جرى ربط التداول بغرفة المقاصة إلكترونيًا؛ بحيث يتم نقل ملكية الأسهم المشتراة من البائع إلى المشتري فورًا ودون الانتظار يوما أو يومين كما يحدث في غالبية البورصات، ولهذا تُسجل بورصة دبي في المرتبة الثالثة عالميًا من حيث ربط قاعة التداول بغرفة المقاصة إلكترونيًا.

أزمات خليجية وأسيوية وراء التأخير
       ظل إنشاء سوق مال رسمية في الإمارات حلمًا يراود المستثمرين المحليين والأجانب  فقد كان مقررًا تدشينها في بدايات الثمانينيات غير أن أزمة سوق المناخ في الكويت قتلت المشروع في مهده، واستمرت سوق الأسهم المحلية تعمل بدون قوانين وتسير بطريقة الاتصالات الهاتفية بين الوسطاء؛ الأمر الذي جعلها عرضة للذبذبات  باستمرار ..كما طرح مشروع البورصة بقوة مرة ثانية في التسعينيات، خصوصًا مع الازدهار الاقتصادي الذي بدأته الإمارات مع عقد التسعينيات غير أن السلطات ظلت مترددة في اتخاذ الخطوة تحت تأثير الخوف من تكرار أزمة سوق المناخ الكويتية، والتداعيات السلبية لحرب الخليج الثانية  كما جاءت أزمة الاقتصاديات الأسيوية، خصوصًا في ماليزيا وإندونيسيا، لتعطي مبررًا قويًا للسلطات السياسية والاقتصادية للتروي وإعطاء المزيد من الوقت قبل اتخاذ القرار.

غير أن التطورات الدراماتيكية التي شهدتها سوق الأسهم المحلية صيف عام 1998 أجبرت السلطات على ضرورة كسر حالة التردد لإدخال السوق غير المنظم  ضمن أطر تنظيمية وتشريعية، فقد شهدت أسعار الأسهم في هذه الفترات قفزات غير مبررة؛ حيث بلغت نسبة الارتفاعات أكثر من عشرة أضعاف القيمة الاسمية للسهم، ثم فجأة وبدون سابق إنذار انهارت الأسعار مما ترك آثارًا سلبية على الأوضاع الاقتصادية والاستثمارية في الدولة، وعلى صغار المستثمرين الذين دخلوا السوق لجني أرباح سريعة غير أنهم منيوا بخسائر فادحة.

وحسب إحصاءات المصرف المركزي فإن هناك مستحقات للبنوك على المستثمرين الذين اقترضوا بغرض الاستثمار في الأسهم تقدر بحوالي ثلاثة مليارات درهم لا يزالون عاجزين عن سدادها حتى الآن،  بل إن غالبيتهم اضطروا إلى بيع ما لديهم من ممتلكات: عقارات أو أراضي لسداد التزامات البنوك.

والحقيقة أن مؤسسات مالية تمتلك إمكانيات كبيرة غذت عمليات المضاربة التي أشعلها صغار المستثمرين، بل إن هناك تقارير شبه رسمية تحدثت عن دخول رؤوس أموال خليجية وأجنبية أشعلت حدة المضاربة في إشارة إلى أموال خليجية وهندية حيث وجدت الأموال الهندية أن المناخ الاستثماري الإماراتي وقت توتر العلاقات السياسية بين الهند وباكستان حول التجارب النووية من أفضل المنافذ الاستثمارية بحكم التواجد المكثف للجاليتين الهندية والباكستانية  في الإمارات ...وكل هذه العوامل جعلت المضاربة في السوق تخرج عن نطاق السيطرة مما كبد صغار المستثمرين - وبالأخص من لا يملك منهم قوة الانتظار Holding power - خسائر يصعب تغطيتها بقدراتهم الذاتية.

وتمنع القوانين الاقتصادية في الإمارات الوافدين من الاستثمار في الأسهم المحلية لذلك اعتاد العديد من رجال الأعمال الوافدين، خصوصا الهنود والباكستانيين الذين لديهم مشاريع عديدة في الإمارات منذ زمن طويل على خرق هذه القوانين عن طريق الاستثمار في الأسهم بطريق غير مباشر ومن خلال أسماء المواطنين الإماراتيين ..ولعل هذا هو ما دعا  السلطات إلى التفكير حاليا وبعد تدشين البورصة الرسمية في إجراء تعديلات جوهرية على قوانين الشركات بالشكل الذى يسمح للخليجيين أولا وللأجانب بعد فترة دخول البورصة.

عودة الأموال المهاجرة
منذ طفرة الأسعار في صيف عام 1998 لا تزال سوق الأسهم الإماراتية تعاني من ركود حاد فقد هبطت الأسعار بصورة متدنية ..على سبيل المثال انخفض سهم إعمار كبرى شركات العقارات في الإمارات (رأسمالها 2.5 مليار درهم) من 180 درهمًا في صيف 1998  إلى 20 درهمًا، ويباع الآن بسعر 30 درهم،  والقيمة الاسمية للسهم عشرة دراهم،  ويأتي هذا الانخفاض الحاد كنتيجة لفقدان الثقة في السوق وخروج كبار المستثمرين وهروب رؤوس أموال وطنية للاستثمار في بورصات دولية في الخارج.

إزاء هذه الأوضاع يتطلع المسؤولون إلى أن تؤدي البورصة الوليدة إلى إنعاش سوق الأسهم وإعادة رؤوس الأموال التي خرجت تحت وطأة الأزمة السابقة؛ وتقدر الإحصاءات الأموال الإماراتية المستثمرة في الخارج بنحو 74 مليار درهم تأمل السلطات في عودة الجزء الكبير منها للاستثمار في البورصة الجديدة ..وحسب المسؤولين في دائرة التنمية الاقتصادية في دبي فإن مناقشات تجرى حاليا للسماح للخليجيين والأجانب لدخول البورصة في محاولة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، خصوصًا أن دبي دأبت في الآونة الأخيرة على إزالة كافة القيود والمعوقات التي تقف دون اجتذاب رأس المال الأجنبي، بالإضافة إلى أن دبي تسعى إلى أن تكون بورصتها من أنشط البورصات في المنطقة، وتعول كثيرًا على الشركات العالمية المتواجدة في منطقتها الحرة في جبل علي  في التعامل مع البورصة الجديدة.

وكما يقول سماسرة ومتعاملون في بورصة دبي فإن من المتوقع في غضون فترة قصيرة -ربما لا تتجاوز العام وفى حالة السماح للأجانب بالتعامل في البورصة- أن تتدفق رؤوس أموال أجنبية خصوصًا من جنوب شرق آسيا والهند وباكستان لدخول البورصة، كما أنه من المتوقع في حال السماح للمقيمين والوافدين أن يجري استثمار ما لا يقل عن 10-15 مليار درهم في البورصة، وهى إجمالي التحويلات النقدية التي يحولها الوافدون سنويا إلى بلادهم.

ويأخذ المحللون الماليون عدة مآخذ سلبية ربما تواجه البورصة الجديدة أبرزها محدودية الشركات التي ستدرج أسهمها في البورصة وعدم تنوعها ..ففي الوقت الحاضر يهيمن قطاع الخدمات على الشركات المساهمة القائمة فمن 35 مؤسسة يتم تداول أسهمها هناك 17 مصرفًا  تجاريًا و8 شركات تأمين وشركتان تعملان في قطاع العقارات  و8 شركات أخرى تعمل في قطاع الاتصالات والفندقة والخدمات الأخرى.

كما أن قطاع المصارف يستحوذ على 49% من عدد الشركات المساهمة وبنسبة 56% من رؤوس أموال هذه الشركات، كما تستحوذ شركات التأمين على 23% من عدد الشركات المساهمة وعلى 57% من رؤوس الأموال، كما أن مؤسسة الإمارات للاتصالات الشركة الوحيدة المحتكرة للاتصالات تهيمن على ما نسبته 17% من إجمالي رؤوس الأموال. ..لذلك فإن سوق الأوراق المالية في الإمارات تفتقد إلى التنوع الذي عادة ما يميز الشركات القائمة في البوصات الإقليمية والدولية، ويعد ذلك أحد أهم المؤشرات السلبية التى تتيح إمكانيات واسعة أمام التقلبات الحادة والمضاربات.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم