English

 

الخميس. مايو. 10, 2001

نماء » بورصات وبنوك » بورصات

 
   
روابط من إسلام أون لاين

البورصات العربية.. وصفة للعلاج!! *

سليمان المنذري

Image

يمكن تلخيص واقع البورصات العربية في كونها ما زالت تعاني من تفاوت في مستويات التطور والنمو والأولوية في البرامج والسياسات الاقتصادية العربية؛ وربما تعزى أسباب ذلك إلى حداثة نشأة معظم هذه الأسواق أو للتطورات التاريخية التي شهدتها الأسواق العربية لا سيما البورصتين المصرية واللبنانية.

تضافرت جملة عوامل حالت دون قيام البورصات بمهامها المأمولة محليا وإقليما؛ الأمر الذي شكل سمات مشتركة لهذه البورصات تتمثل في كونها أسواقًا صغيرة الحجم؛ تعاني من ارتفاع درجة تركز التداول؛ وضعف الفرصة المتاحة للتنويع؛ وضعف سيولة الأسواق؛ والتقلبات الشديدة في أسعار الأوراق المالية.

وهذه السمات لا تتيح للبورصات العربية الوصول لمرحلة النضوج والوقوف على قدم المساواة مع البورصات الناضجة في العالم؛ بل وحتى الناشئة منها؛ كما يلاحظ أن الهياكل التنظيمية والتشريعية والمؤسسية للبورصات العربية يعتريها الضعف؛ وأن عدد المؤسسات الممارسة لعمليات التداول قليلة ومعظمها محدود الخبرة؛ بالإضافة إلى محدودية الأدوات المالية المستخدمة واقتصارها على الأسهم والسندات القليلة.

في ظل هذا الواقع الذي تتميز به البورصات يأتي التحرير المالي في العالم ليشكل تحديا تواجهه البورصات العربية من قبل التكتلات المالية الدولية وفروعها وشركاتها التابعة والعاملة في الأسواق المالية العربية؛ وتشكل الأموال الساخنة بالذات خطرا حقيقيا على استقرار البورصات وحتى الاقتصاديات العربية.

لقد شهدت أسواق رأس المال العربية خلال العقد الأخير تطورت هامة في نمو رأسمال السوق وحجم التداول في أعقاب الإصلاحات القانونية والمؤسسية والتنظيمية التي أدخلتها الدول العربية على أسواقها، وقد تلازمت هذه الإصلاحات مع جهود إصلاح البنى الأساسية للأسواق وتطوير أنظمة التداول ـ أصبحت آلية في معظمها ـ باستخدام تسهيلات الاتصالات الحديثة لنشر المعلومات والبيانات والتأكيد على مبدأ الشفافية وتحسين مستوى أداء خدمات السوق والوسطاء.

البورصة مجال الكسب السريع

ومع ذلك، فقد ظل ينظر إلى البورصات كمجال للكسب السريع، وبدلا من أن تساعد على تحقيق شيء من الديمقراطية الاقتصادية؛ حسب تعبير رئيس صندوق النقد العربي؛ من خلال توسيع قاعدة الملكية، أصبحت في حالات عدة تساعد على تركيز الملكية.

وشاهدنا ممارسات ارتفعت فيها أسعار الأوراق المالية وانخفضت في أخرى إلى مستويات غير مبررة اتصفت بالمضاربة أكثر منها بالاستثمار المدروس؛ ولم تساعد حداثة قوانين هذه المؤسسات في تجنب بعض الممارسات غير المرغوبة، مثل الاستفادة من المعلومات الداخلية لصالح بعض المتعاملين.

ونتج عن هذه الممارسات أن اغتنى بعض المحظوظين في غمضة عين؛ في الوقت الذي خسر البعض الآخر؛ خاصة اللذين لم يحظوا بالفرص نفسها أو الذين انجرفوا وراء سراب الربح السريع دون دراسة أو إلمام.

ومن جهة أخرى، كشف هذا المناخ الاستثماري غير الصحي أنه لا بد من ترشيد الاستثمار في البورصات؛ بحيث تتجه هذه الأسواق نحو المفهوم الاستثماري وليس الجري وراء الربح السريع؛ فالأرباح الرأسمالية السريعة الناتجة من بيع وشراء الأوراق المالية هي في الحقيقة صورة من صور عشوائية الكسب؛ حيث إنه من عيوب هذا النظام الذي يسمح بانتصار المال على الإنتاج ويشجع الدخل غير المكتسب على الدخل المكتسب، وهو ما أسماه الاقتصادي البريطاني جون مينادر كينز بـ (المستثمر العاطل)، أي إيجاد هذا النوع من الملكية التي لا تتحمل أية مسئولية.

دستة توصيات للتطوير

هناك عدة توصيات يمكن الأخذ بها لتطوير البورصات العربية، وتعزيز التفاعل بينها، واقتراح الضوابط العربية، وتعزيز التفاعل بينها، واقتراح الضوابط التي يمكن وضعها على تعاملات الأجانب من أجل أن يتوافق دورها مع مصالح الاقتصاديات العربية، وذلك على النحو الآتي:

أولا: العمل على تحديث البورصات وتطويرها من الناحيتين الفنية والتنظيمية بما يساعد على زيادة حجمها وقدرتها الاستيعابية؛ وتعزيز دورها في اجتذاب رؤوس الأموال؛ وإعادة تدويرها لتمويل مشروعات التنمية الاقتصادية؛ وهذا يتطلب استكمال الأطر التشريعية والمؤسسية؛ والتوسع في توفير المؤسسات المالية المتخصصة لتسهيل عمليات التداول كالمصارف الاستثمارية وشركات المقاصة والحفظ المركزي وصانعي السوق وبيوت الوساطة والتحليل المالي، إضافة إلى التوسع في طرح الأدوات الاستثمارية، وتنويعها بما يتناسب واحتياجات المستثمرين، مثل: صناديق الاستثمار، والسندات القابلة للتحويل، وغيرها.

ثانيا: العمل على تحديث قوانين الشركات، ووضع حوافز لإنشاء شركات مساهمة، وتسهيل عمليات تحويل الشركات المغلقة إلى شركات مساهمة يتم إدراج وتداول أسهمها من خلال البورصة.

ثالثا: أن مواجهة مشكلة صغر حجم البورصات يحتاج إلى حزمة من الحلول تتضمن معالجة صغر متوسط رأس المال السوقي بوضع حد أدني للحجم كشرط لقيد الشركات في البورصة؛ كما يمكن مواجهته بالدعوة لإدماج الشركات الصغيرة وفتح الشركات المغلقة العائلية.

رابعا: أما مواجهة مشكلة انخفاض عدد الأسهم الجيدة، فيمكن معالجته من خلال الإسراع بربط الأسواق العربية، وجذب المستثمر الإستراتيجي الذي لديه القدرة على تحسين أداء الشركة إذا تمكن من حيازة حصة ملائمة من رأسمال الشركة.

خامسا: لتحسين سيولة السوق يوصي الخبراء باتباع إستراتيجيات تستهدف خفض القيمة السوقية للأوراق المقيدة؛ مثل إستراتيجية تقسيم الأسهم ذات القيمة الكبيرة إلى أسهم صغيرة القيمة وإستراتيجية التوزيعات في صورة أسهم؛ كما يمكن تحسين سيولة السوق بتشجيع إنشاء صناديق الاستثمار وتشجيع المؤسسات المالية الأخرى للاستثمار في الأوراق المالية كذلك يؤدى خفض فترة تسوية الصفقات إلى تحسين السيولة.

سادسا: يقترح لضبط حركة الأسعار إنشاء مؤسسات صناعة السوق لدورها الهام في امتصاص الخلل في آلية العرض والطلب بالشراء لكل من يرغب في البيع، والبيع لكل من يرغب في الشراء بأسعار عادلة من شأنها أن تضع قيودا على التقلبات السعرية في حالة الخلل بين العرض والطلب.

سابعا: لمعالجة نقص المعرفة والمهارات الاستثمارية لدى المستثمرين، يقترح الاهتمام بالوعي التوظيفي لهم، وتثقيفهم من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة.

ثامنا: مواجهة تحديات العولمة المالية تتطلب وضع ضوابط على التدفقات الرأسمالية تتوافق مع آليات السوق؛ وضوابط تحكمية تفرضها المصلحة العامة؛ حتى لا تتحول البورصة لدى تغير التعاملات فيها إلى مسرح للمضاربات ومحترفي ثقافة الخبطة؛ وتبتعد عن الدور المنشود لها كآلية لتمويل الاستثمارات الجديدة أو التوسعات في المشاريع القائمة.

تاسعا: تنفيذ برامج ربط البورصات يتطلب دعم وتعزيز جهود اتحاد البورصات وهيئات أسواق المال العربية في هذا الخصوص؛ لا سيما إنشاء المؤسسة العربية للتقاص (تقوم بتسليم المشتري صك السهم بعد دفع قيمته والبائع الثمن )؛ ومشروع شبكة المعلومات وإزالة المعوقات البيروقراطية أمام الربط بين البورصات.

عاشرا: لا بد من تنظيم نشاط السمسرة ورفع كفاءة العاملين فيها وتحسين خدماتها؛ وهذا يتطلب تنظيم دورات تدريبية لرفع مستوى أداء هؤلاء مهنيا؛ ولعل التطورات الحديثة التي شهدتها أنظمة التداول الإلكتروني تحتم إعادة النظر في مهام الوسطاء وتحديث وتنويع اختصاصاتهم كإدارة المحافظ الاستثمارية.

حادي عشر: نمو وتطور البورصات يتوقف على تحسين مناخ الاستثمار المحلي ونجاح برامج وطنية للإصلاح الاقتصادي؛ حيث أبرزت التجربة أن تواجد أسواق مالية كفؤة يساعد على تنفيذ برامج الإصلاح بأقل تكلفة دون تراجع في النمو الاقتصادي.

ثاني عشر: تعميق الوعي الادخاري والوظيفي بمختلف وسائل التوعية والاتصال ربما يكون البداية الصحيحة في اتجاه تشجيع وتنمية البورصات؛ ولعل التركيز على المناهج التربوية والتعليمية للنشء الجديد يمثل إحدى الوسائل الضرورية لغرس مفاهيم الادخار والاستثمار الطويل الأجل، مع الحد من غلاء انتشار الأنماط الاستهلاكية الجديدة التي تستحوذ على أكبر قدر من دخول المواطنين.


** تقرير"الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية" - مركز الأهرام للدراسات السياسية 2001.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم