|
دبي- حتى مارس من العام 2000 لم يكن في الإمارات بورصة رسمية منظمة، بل عبارة عن سوق للأسهم غير نظامية، لا تخضع لأية رقابة أو إشراف من السلطات النقدية والمالية الرسمية.
استمر هذا الحال لسنوات طويلة.. سوق غير منظمة، ترتفع فيها الأسعار وتهبط دون مؤشر للقياس، ووسطاء وسماسرة مرخصون وغير مرخصين، إلى أن جاءت "أزمة سوق الأسهم" في صيف عام 1998 والتي كبدت صغار المستثمرين خسائر باهظة تقدر - حسب العديد من المصادر - بأكثر من 4 مليارات درهم، هي جملة القروض التي اقترضوها من البنوك للاستثمار في الأسهم؛ حيث أغرتهم الارتفاعات غير المبررة، والتي قفزت بقيمة العديد من أسهم الشركات إلى أكثر من 18 ضعف القيمة الاسمية، على سبيل المثال؛ فإن سعر سهم شركة إعمار العقارية التي كانت حديثة العهد بالسوق قفز من 10 دراهم سعر القيمة الدفترية إلى 180 درهما كقيمة سوقية.
ظل سوق الأسهم على هذه الحالة - طوال شهور الصيف - ساخنًا كحرارة الطقس في الإمارات.. ورغم مرور ما يقرب من 3 سنوات على أزمة سوق الأسهم في الإمارات؛ فإن السوق لا تزال تحت سيطرة التأثيرات السلبية لها، فقد فَقَدَ المستثمرون الثقة في السوق، وهرب الكبار إلى أسواق المال الغربية، في محاولة لتعويض الخسائر التي تكبدوها.
إزاء هذا الوضع رأت الحكومة أن تستجيب للآراء التي دعت إلى سرعة إقامة بورصة رسمية؛ فأقامت إمارة دبي سوقًا رسمية نظامية جرى تدشينها في مارس 2000، كما فتحت إمارة أبوظبى بورصتها بعد ذلك بشهور في نوفمبر 2000، وبذلك أصبح هناك بورصتان إلى جانب سوق الأسهم القديمة غير النظامية، بمعنى أن هناك 3 تداولات في اليوم.
ولم تفلح البورصتان في إعادة الانتعاش للسوق التي تراجعت بقوة بعد الارتفاع الحاد في الأسعار؛ حيث انخفضت الأسعار بشكل حاد. على سبيل المثال؛ سهم إعمار العقارية الذي بلغ 180 درهمًا عاد ليباع بـ 20 درهمًا.. وأصبح السؤال: كيف يمكن إعادة الانتعاش لسوق الأوراق المالية المتعددة في الإمارات؟
24 شركة مدرجة
يبلغ عدد الشركات المدرجة في بورصتي دبي وأبوظبى غير المربوطتين إلكترونيًّا 24 شركة فقط من بين 45 شركة مساهمة عامة، تتداول أسهمها في السوق النظامية وغير النظامية (18 في قطاع البنوك و15 في الخدمات و12 في التأمين)، ويتراوح حجم التداول يوميًّا بين 3 و4 ملايين درهم، وتستأثر بورصة دبي بما يتراوح بين 36 – 40 % من حجم التداول اليومي، في حين تستأثر بورصة أبوظبى بـ 8 – 10 %، أما نصيب الأسد من حجم التداول فمن نصيب السوق غير النظامية؛ حيث تتراوح بين 50 – 56 %.
وتضم بورصة دبي 12 شركة مدرجة، غير أن التداول عادة لا يتم إلا على أسهم خمس شركات كبرى، هي: أسهم إعمار العقارية، وبنك دبي الإسلامي، وبنك الإمارات الدولي، وشركة دبي للاستثمار، والاتحاد العقارية.. وإن كان سهم إعمار العقارية هو السهم الذي يقود السوق، والذي يحظى بنصيب الأسد من حركة التداول التي تستمر يوميًّا لمدة ساعتين فقط.
ولا يختلف الوضع كثيرًا في بورصة أبوظبي التي تضم هي الأخرى 12 شركة يجري التداول على أسهم القليل منها، وإن كان التدوال فيها أضعف كثيرًا من حجم التداول في بورصة دبي.
100 مليار درهم انخفاضًا في القيمة
فقدَتْ القيمة السوقية للأسهم في بورصات الإمارات الكثير من قيمتها بسبب تداعيات أزمة صيف 1998؛ حيث تقدر القيمة حاليًا بـ 84.2 مليار درهم مقارنة بأكثر من 180 مليار درهم في يوليو 1998.
وتصل مساهمة الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية في الشركات المساهمة العامة المدرجة في البورصة إلى 40 % من القيمة السوقية الإجمالية للأسهم المتداولة (40 مليار درهم)، ويعني ذلك أن هناك احتكارًا حكوميًّا للسوق على اعتبار أن النسبة العظمى من أسهم الشركات والتي تزيد عن 80 % من أسهم الشركات المساهمة العامة، هي في حقيقة الأمر خارج نطاق سوق التداول، وهو ما تؤكده حركة التداول اليومية التي تتسم بالضعف.
وربما يصل هذا الضعف إلى حدّ كونه مزمنًا في بورصة أبوظبي؛ حيث يحوز جهاز أبوظبي للاستثمار – المملوك بالكامل لحكومة أبوظبي – نسبة عالية من أسهم الشركات والبنوك التي تتداول أسهمها في بورصة أبوظبي، على سبيل المثال؛ فإن الجهاز يمتلك نسبة تزيد عن 80 % من أسهم بنك أبوظبي الوطني أنشط الأسهم وأقواها في البورصة، وبما أن الجهاز طرف غير فاعل في حركة التداول؛ فإن حجم التداول يبدو ضعيفًا للغاية.
للإماراتيين فقط!
رغم أن قانون الشركات يسمح للأجنبي بامتلاك نسبة 49% من رأسمال الشركة مقابل 51 % للمواطن؛ فإن النظام الأساسي لشركات المساهمة العامة والبنوك لا يعطي للأجنبي الحق في امتلاك أية نسبة من أسهم شركات المساهمة؛ غير أن شركة "إعمار" (رأسمالها 4 مليارات درهم) قررت تعديل نظامها العام 2000؛ ليسمح للأجانب بتملك 20 % من أسهمها، ورغم ذلك لم تُفلح في استقطاب المستثمرين الأجانب بسبب فقدان الثقة في السوق.
وباستثناء "إعمار"؛ فإن تواجد الاستثمارات الأجنبية لا يذكر في السوق المالية، وحتى الخليجيين الذين يسمح لهم بالتملك الكامل لكافة المشاريع والشركات لم يدخلوا السوق أيضًا؛ لذلك يعتبر التداول مقصورًا على الإماراتيين فقط، وإن كانت هناك منذ سنوات ظاهرة اختراق المقيمين للسوق عبر الاستثمار غير المباشر باستعارة أسماء الإماراتيين.
توقف الإصدارات الجديدة
أدى هذا الوضع غير المبرر إلى توقف حركة الإصدارات الجديدة؛ حيث كانت الحكومة تعتزم إنشاء أكبر شركة مساهمة في مجال الصناعة باسم (صناعات) برأسمال يتجاوز المليار درهم، غير أنها اضطرت لتجميد الاكتتاب في رأسمالها بسبب تراجع السوق وانعدام السيولة النقدية.
ولم تخرج منذ يوليو 1998 أية شركة جديدة للنور، ولا يبدو في الأفق أية بوادر حول إمكانية تحقيق ذلك في القريب العاجل في ظل الأوضاع التي تمر بها السوق؛ مما جعل إدارة بورصة دبي تقرر عدم منح تراخيص جديدة لمكاتب الوساطة والسماسرة.
ولا يتجاوز عدد الوسطاء المسموح لهم بأعمال الوساطة في البورصتين 12 وسيطًا (وسيط لكل شركتين) في حين يصل عدد السماسرة الذين يمتلكون مكاتب للوساطة خارج السوق الرسمية أكثر من 50 وسيطًا، بينما عدد الشركات المدرجة للتداول 45 شركة فقط.
والحقيقة أن بعض مكاتب الوساطة المرخصة، وبعض الوسطاء غير المرخصين لعبوا دور "إشعال" السوق خلال أزمة 98 (نشر الإشاعات؛ والمتاجرة في الأسهم لحسابهم الخاص)، وهو ما أعطى مبررًا لإدارة البورصتين لعدم منح تراخيص جديدة لمكاتب الوساطة.
السندات غائبة
لا توجد سندات مدرجة في السوق الرسمية أو غير الرسمية؛ فمنذ نشأة سوق الأسهم الإماراتية لا يعرف المستثمرون سوى الاستثمار في الأسهم فقط لاعتبارات عديدة، أبرزها: أن السندات عادة ما تُطرح من جانب الحكومة للحصول على تمويل محلي بأرخص الأسعار من السوق المحلية لتمويل مشاريعها التنموية، غير أن هذا الوضع لا ينطبق على الإمارات التي تتمتع بوضع مالي جيد، ناهيك عن تفضيل "الشركات الخاصة" اللجوء للبنوك للحصول على حاجتها من التمويل لمشاريعها، بدلاً من اللجوء للأفراد خصوصًا؛ ولهذا السبب فإن بورصة الإمارات تصنّف على أنها بورصة للأسهم فقط، رغم أن هناك شركات كبيرة – مثل شركة طيران الإمارات المملوكة لحكومة دبي - تلجأ لطرح سندات في السوق الدولية للحصول على تمويل لشراء طائرات جديدة لأسطولها الجوي، وتفعل شركة "دوبال" المملوكة أيضًا لحكومة دبي الأمر ذاته؛ لتمويل خطوط إنتاجها من الألمنيوم.
مقترحات للخروج من الأزمة
منذ أزمة سوق الأسهم في صيف 1998 تسعى الحكومة ومعها القطاع المصرفي؛ لإيجاد الحلول.. ومع أن الحكومة دشنت بورصة رسمية في محاولة لضبط السوق غير أن المحللين يرون أن تعدد التداول في البورصات الرسمية وخارجها لم يضبط السوق، الأمر الذي يتعين معه ضرورة الإسراع في دمج وربط البورصتين في بورصة واحدة، ووقف التداول غير الرسمي نهائيًّا.
وجاءت خطوة وزارة الاقتصاد بالسماح للشركات المساهمة المدرجة في البورصة بالاستثمار في 25% من أسهمها خطوة لإنعاش السوق؛ وإن كان المحللون يرون أن مهمة إعادة الثقة في السوق تتطلب خطوة حكومية أعمق بكثير، تتمثل في أن يقوم جهاز أبوظبي للاستثمار المملوك للحكومة ببيع جزء من ممتلكاته بسعر الطلب المتوافر في السوق؛ لإعطاء الفرصة لأكبر عدد من الإماراتيين لتمَلّك حصة من تلك الأسهم.
وكذلك يمكن أن يقوم جهاز أبوظبي للاستثمار بتأسيس صندوق استثماري بقيمة لا تقل عن ملياري دولار؛ لشراء المعروض من الأسهم؛ حتى تصل تلك الأسعار إلى مستوياتها العادلة.
وحسب المحللين في سوق الأوراق المالية؛ فإن السوق بحاجة إلى سيولة تتراوح بين (3 – 5) مليارات درهم لإعادة الثقة، ويقترح المحللون أن تقوم البنوك وشركات التأمين – التي تستحوذ على 30 شركة من بين 45 شركة مدرجة في التداول – باتخاذ خطوة مهمة تتمثل في تأسيس محفظة استثمارية في الأسهم بقيمة مليار درهم أو أكثر تُدار من قِبَل لجنة محددة.
وتفتقد السوق للشركات صانعة السوق والمحافظ الاستثمارية التي تنشئها المؤسسات والبنوك لقيادة السوق في أوقات الطفرة والكساد؛ ذلك أن الشركات الصانعة للسوق تلعب دورًا محوريًّا في قيادة السوق بمختلف أوضاعه؛ حيث تقوم بتشجيع المستثمرين في فترات ركود السوق على الشراء، على اعتبار أن مثل هذه الفترات من أفضل أوقات شراء الأسهم، كما أنها تعمل على تهدئة السوق في حالة الارتفاع غير المبرر.
الدمج قادم
نتيجة لهذا الوضع لم تنضم بورصة الإمارات التي لا تزال تحت التأسيس إلى اتحاد البورصات العربية، على اعتبار أنه لا توجد سوق مال واحدة في الإمارات.. ومع ذلك فهناك إجماع على أن بورصة الإمارات الرسمية الموحّدة سوف ترى النور خلال العام الحالي (2001)، بعدما أدركت السلطات الرسمية حتمية دمج البورصتين في بورصة واحدة باسم بورصة الإمارات للأوراق المالية والسلع. وهناك تفكير جدي لربط السوق في بدايته مع البورصات الخليجية في البداية، خصوصا مع بورصة مسقط والكويت؛ وذلك لتوسيع عدد الشركات المدرجة وحجم التداول.
وبدءًا من بداية شهر مايو 2001، ومع اشتداد حرارة الطقس، تدخل الأسهم الإماراتية مرحلة البيات الصيفي وليس الشتوي كعادتها دومًا مع شهور الصيف، وفي انتظار من يعيد إليها الانتعاش من جديد!!.
كاتب صحفي
|