|
لعب علماء المسلمين دورًا بارزًا في تنشيط حملة المقاطعة الاقتصادية للمنتجات الإسرائيلية والأمريكية، وذلك من خلال الفتاوى التي أصدروها وتداولتها الصحف اليومية، ووكالات الأنباء، وغطت عددًا هائلاً من صفحات الإنترنت، وضمت عددًا من الأفكار المبتكرة.
وكانت أبرز هذه الفتاوى لشيخ الجامع الأزهر، والشيخ يوسف القرضاوي، والدكتور حسين شحاته أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، والعلامة اللبناني الشيخ فيصل مولوي، والشيخ عبد الله بن جبير، وهناك غيرها الكثير.
وإذا حاولنا أن نقرأ هذه الفتاوى قراءة متأنية فسنلاحظ العديد من الأمور التي لها دلالاتها على الصعيد الاقتصادي لقضية المقاطعة، وأهمها:
1- الاتفاق على تعريف مبسط وواضح وقاطع لمعنى المقاطعة بصفة عامة والمقاطعة الاقتصادية لإسرائيل وحليفتها بصفة خاصة، حيث اتفقت معظم الفتاوى على أن المقاطعة هي "الامتناع عن دعم اقتصاد العدو لصالح اقتصاديات الدول العربية والإسلامية"، وهذا التعريف يحسم الخلافات في الآراء بين الاقتصاديين وأصحاب الأعمال في الدول العربية والإسلامية حول تحديد المعنى الدقيق للمقاطعة، وبموجب هذا التعريف يتم تحريم أي تصرف (شراء- بيع- استثمار- سفر- اتصال... إلخ) طالما كان هذا التصرف فيه نفع للعدو بشكل مباشر أو غير مباشر.
وتأتي أهمية هذا التعريف من أنه يصدر عن علماء الدين، مستندًا إلى أحكام الكتاب والسُّنة، دون وجود مصلحة شخصية وراء قيام علماء الدين بتحديد هذا التعريف.
2- الاتفاق على فوائد وخسائر المقاطعة الاقتصادية؛ حيث تمثلت الفوائد في تدعيم الصناعات والمنتجات الوطنية وأصحاب أعمال في الدول العربية والإسلامية، وخلق فرص عمل للمسلمين، وهو ما يتفق مع رؤية رجال الاقتصاد.
أما الخسائر فتمثلت في انخفاض الاستثمارات الأجنبية، وتراجع فرص التجارة، وانقطاع المنح والمعونات، وغيرها من الآثار.
ولكن الملاحظ أن علماء الدين أكثر تقبلا وتفهمًا لهذه الخسائر انطلاقًا من أنهم ينظرون إلى المقاطعة الاقتصادية على أنها "حرب اقتصادية" ولا بد لها من خسائر، ويذهبون إلى أن هذه الخسائر في حد ذاتها ستكون دافعًا لتنمية القدرات الاقتصادية الذاتية للبلاد الإسلامية، ودافعًا لكسر طوق التبعية الاقتصادية لدول الغرب. وهنا تتجلى الحقيقة البارزة التي تميز علماء الدين عن رجل الأعمال الذي يغلب عليه طابع "رأس المال الجبان"، وفي هذا السياق يبدد علماء المسلمين مخاوف رجل الأعمال من المقاطعة استنادًا إلى آيات الكتاب وأحكام السُّنة والقصص الإسلامي.
3- اتفاق علماء المسلمين على ضرورة وجود دور أساسي للحكومات والجهات الرسمية الإسلامية في توجيه أعمال المقاطعة الاقتصادية، من حيث تحديد الانتماء الحقيقي للسلع المتداولة في الأسواق الإسلامية (المنشأ) وعدم إخفائها لأسباب اقتصادية مهما كانت. ومع ذلك يتجنب علماء الدين المواجهة مع حكوماتهم، ويشجعون المقاطعة الشعبية حتى ولو رفضت ذلك الحكومات، وفي ذلك يشترطون الإجماع الشعبي على المقاطعة، رغم عدم التقليل من الأفعال الفردية؛ لأن علماء الدين يربطون المقاطعة بالفرد المسلم، لأنه في النهاية هو الذي يبيع ويشتري، وهو الذي يدفع ويقبض، دون إجبار من الحكومات.
4- الاتفاق على عدم تحديد قوائم معينة لسلع يمكن مقاطعتها في الفتاوى، وذلك لعدة أسباب ، أهمها إدراك المفتي كعالم دين أن المعايير التي يتم عليها تحديد هذه القوائم ليست من اختصاصه وليست متوفرة لديه، انطلاقًا من الثقافة الاقتصادية غير المتعمقة لعالم الدين. ومن هنا فإن جميع الفتاوى توسّد هذا الأمر إلى أهله من رجال المال والاقتصاد، ولكن في إطار الالتزام بالتعريف المحدد للمقاطعة والذي اتفق عليه في هذه الفتاوى، وبعيدًا عن المصالح والخلافات وتصفية الحسابات الشخصية بين رجال الاقتصاد والمسلمين أنفسهم.
ابتكارات الفتاوى
على صعيد آخر اشتملت فتاوى المقاطعة على العديد من التوضيحات الجديدة التي غابت عن فكر رجال الاقتصاد بطبيعة طريقتهم في تقييم الأمور الاقتصادية، كما ضمت العديد من الأفكار المبتكرة لتفعيل المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل والدول التي تدعمها، وأهم هذه الأمور ما يلي:
1- توضيح شمولية أسباب المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل والدول التي تدعمها، وليس مجرد الاكتفاء بالأسباب والحسابات الاقتصادية؛ حيث يرى علماء الدين أن من أهم إيجابيات المقاطعة الاقتصادية وتأثيراتها: بناء الذات الإسلامية، والحفاظ على الهوية الخاصة للمسلم، وعدم الانسياق وراء الثقافات التي لا تراعي التقاليد والمعتقدات الإسلامية، وهو المدخل الذي ينطلق منه عالم الدين في ضرورة الإيمان بعدم إخضاع المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل أو أمريكا لمنطق الحسابات الاقتصادية التقليدية؛ لأن أسبابها وآثارها أشمل وأوسع من ذلك.
ومن هنا يلوح في الأفق مدى قصر نظر رجل الأعمال في بعض الأحيان ومدى شمول ومنطقية رؤية عالم الدين عند تناول القضايا الاقتصادية من الناحية العمومية وليس التفصيلية؛ لأن الأخيرة تتجاوز بكثير الثقافة الاقتصادية لعالم الدين.
2- إضافة اقتراحات ونماذج مبتكرة للمقاطعة الاقتصادية: مثل مقاطعة العملة، أو مقاطعة الإعلام للأخبار والأمور والقضايا التي تهم إسرائيل وأمريكا (تجاهل إعلامي)، أو مقاطعة عمال الشحن والتفريغ والتسهيلات للسفن والطائرات الأمريكية والإسرائيلية والجهات المتعاونة معهما، والمقاطعة عن طريق عدم السفر إلى هذه الدول… وغيرها من الأمور، وهو ما يوسع دائرة المقاطعة ويخرجها عن مجرد مقاطعة للسلع والبضائع، وذلك بما يزيد من تأثير وفاعلية المقاطعة ونجاحها في جعل إسرائيل وأمريكا تشعران بأنهما في وضع "المنبوذ" اقتصاديًا وثقافيًا ودوليًا، وهو شعور رادع في حد ذاته.
3- تركيز الفتاوى على وضع رجال الأعمال والتجار أمام ضمائرهم، حتى وإن تمكنوا من اختراق الأسواق الإسلامية بالسلع الإسرائيلية والأمريكية دون أن يكتشفهم أحد، وتحذيرهم وترهيبهم من حرمة هذا العمل من خلال الآيات القرآنية التي تحض على عدم موالاة الكافرين، والتي تطمئن المسلمين من عدم العوز بسبب المقاطعة للأعداء، وقد كان أخطر ما قيل في هذا السياق وتعليقًا على بعض المتخوفين من المقاطعة: "لا تشرب دم أخيك".
وبعد كل هذه النقاط المضيئة في التجربة العربية والإسلامية الخاصة بتوظيف الدين لتعبئة المسلمين من أجل تنشيط وتفعيل المقاطعة، وحتى نكون أقرب إلى الموضوعية -نطرح هنا سؤالاً هاما، وهو: أين رأي علماء الدين من موقف الحكومات العربية والإسلامية وخاصة الحكومات التي اتخذت مواقف سلبية أو مضادة للمقاطعة العربية؟ وإذا كانت المقاطعة وفقًا لهذه الفتاوى فرض عين على كل مسلم.. فهل الحكومات العربية والإسلامية التي لا تدعم المقاطعة تعتبر آثمة شرعًا؟ وإذا كانت الفتاوى ترى فيمن يتعامل في السلع الأمريكية والسلع الإسرائيلية خائنا لله ورسوله وخائنا الأمانة وآثمًا ومظاهرًا.. فهل هذا ينطبق على تلك الحكومات؟ وإذا كان كذلك فلم لم تجاهر الفتاوى بذلك صراحة؟ هل هناك خطوط لاقتراب علماء الدين من هذه الأمور التي تتعلق بالحكومات؟ أم أن علماء الدين يرون أن الحكومات العربية التي لا تناصر المقاطعة ضد إسرائيل وأمريكا في موقف "المضطر"؟.. أفيدونا يرحمكم الله.
باحث اقتصادي
|