English

 

الخميس. ديسمبر. 11, 2003

نماء » فقه وسعي

 
   
روابط من إسلام أون لاين

خطبة فلسطين وسبل التفعيل

ياسر البنا

Image

رغم المعاناة الفلسطينية من عدة مشاكل اقتصادية أبرزها وجود 2.5 مليون فقير فلسطيني (*) فإن ثمة قصورا لاحظه الخبراء في دور خطباء المساجد يكاد يكون صامتا في حل هذه المشاكل.

ويرصد مازن العجلة الخبير الاقتصادي من غزة لـ"إسلام أون لاين.نت" بعضا من هذا القصور حيث يقول: "الخطباء يتناولون بعض الجوانب الاقتصادية.. بطريقة تقليدية، كالدعوة للتكافل الاجتماعي، وإخراج الزكاة، والبعد عن الربا، والتعامل مع البنوك، وهذا إيجابي.. والكثير من الخطباء لا يتناولون الموضوع الاقتصادي بطريقة علمية واضحة ومؤثرة تستطيع إقناع المسلم بتوجيهات القرآن الكريم في الكثير من المجالات".

ويطرح العجلة بعض القضايا التي يغفلها الخطباء، ومنها:

1- الاستهلاك: وهو أحد الأنشطة الاقتصادية الرئيسية ويستوعب حوالي 70% من الدخل القومي، ورغم أهميته لتفعيل الاقتصاد فإنه إذا زاد عن حده من خلال الإسراف ينقلب إلى ضده.. ويقول: "نحن مجتمع استهلاكي وهناك رقم مرتفع للواردات الاستهلاكية"، مشيرا إلى ضرورة تناول الخطباء لهذه المسألة من وجهة نظر اقتصادية وليس شرعية فقط.

2- الإنتاج والتنمية: فهناك قيم إيجابية حض عليها الإسلام، ويجب أن تعزز في نفوس الناس، فمثلا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يجب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه". وهذا مبدأ مهم جدا في الإنتاج طبق في اليابان وحقق نجاحات غير عادية.. على عكس ما يحدث في بلاد المسلمين، ليس فقط بسبب التكنولوجيا، بل بسبب الثقافة التنموية الضعيفة، مضيفا: "نحن لا نحب العمل ولا نحترم الوقت الذي يُعد عنصرا إنتاجيا وثقافيا".

3 - الفساد الإداري والمالي: ويتم تناوله بشكل تجريحي ونقدي للسلطة الفلسطينية من قبل بعض الخطباء، وليس على اعتباره قضية اقتصادية اجتماعية مهمة يجب أن تأخذ منهجا علميا لمحاربتها. ويقول العجلة: "الفساد الذي يهدر الموارد يعالج اليوم في كل العالم بآليات علمية عديدة، ومنها (الشفافية) على سبيل المثال، ودعوة الخطباء لمعالجة الفساد بهذا الإطار تضفي على الخطيب المصداقية وتقنع الفرد بأهمية هذا الموضوع، وتدفعه إلى تبنيه".

4 - الاحتكار: فهناك سلع أساسية محتكرة في المجتمع الفلسطيني مثل الاتصالات والوقود وغيرها وهذا يضر بالاقتصاد، وهو أمر لا يقترب منه الخطباء رغم أن الإسلام لديه جوانب متعددة فيما يتعلق بالاحتكار وتحريمه.

5 - قضية مقاطعة البضائع الإسرائيلية: لا يكون الحديث عنها عشوائيا؛ فالمقاطعة يجب أن يكون الحديث عنها وفق منهج عملي يساعد على عدم خلق ضرر للناس وللاقتصاد بحيث يدعو الجميع لخلق بدائل ذات نوعية وأسعار جيدة.

لو تأثروا..

يتفق د. فريد أبو ضهير أستاذ الصحافة بجامعة النجاح بنابلس في الضفة الغربية مع الرأي القائل بوجود قصور في دور الخطباء، حيث يقول: "لو كانت استجابة المسلمين لدعوات الخطباء للتكافل الاجتماعي على النحو المطلوب، لكان الوضع الاقتصادي في فلسطين أفضل بكثير مما هو عليه الآن؛ نظرا لوجود أغنياء لديهم ثروات ضخمة".

فوفقا لـ"أبو ضهير" فإن خطبة الجمعة هي حديث يسمعه المسلم ويستشعره، وإذا شعر فيه الصدق والتفاعل من قبل الخطيب، وملامسة واقع المواطن، فإنه بالتأكيد سيتأثر به وينفذ ما يقوله الخطيب، وهنا يكمن أهمية دور الخطيب في معالجة مشاكل اقتصادية مستفحلة مثل الفقر، بحث الناس وتبيان طرق العلاج.

وانتقد دعوة الخطباء باستمرار لمحاربة الربا واجتنابه وعدم التعامل معه دون الدعوة إلى إيجاد البدائل الإسلامية مثل مشاريع "القرض الحسن".

في المقابل لا يرى الشيخ أحمد عبد الرازق مدير عام الوعظ والإرشاد بوزارة الأوقاف الفلسطينية قصورا في أداء الخطباء في الجانب الاقتصادي، ويقول: "إن الوزارة تعمم على الخطباء بضرورة تناول المشاكل الاقتصادية مرة كل شهر أو شهرين، وهذا يتم باستمرار ولا نغفل ذلك أبدا.. وندعوهم أن يحثوا الناس على إخراج الزكاة...". ويضيف: "الناس معظمهم تحت خط الفقر، ولولا حث الإسلام الناس على الإيثار لما كنا نستطيع سد حاجة المحتاج في بلادنا، ولولا ذلك لسمعنا أن الناس ماتوا جوعا".

كلام نظري

أحد خطباء مساجد غزة ويدعى د. إسماعيل رضوان أستاذ الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية بغزة يرى أن هناك جهدا لا بأس به للخطباء في حل الأزمات الاقتصادية لكنه ليس المطلوب، ويقول: "ليس هناك رضا كامل، فنحن كخطباء أحيانا نخصص خطبة واحدة كلها للتكافل الاجتماعي وبيان حق الفقراء في أموال الأغنياء، لكن في بقية الخطب قد لا نتعرض لهذا.. هناك جهد لا بأس به في تلمس مشاكل الناس، ولكن ليس هو المطلوب".

غير أن د. رضوان يرى أن "الكلام لا يحل مشاكل المجتمع؛ فالخطباء لا يمكن أن يحلوا مشكلة الفقر والبطالة.. فدورهم يبقى محدودا".

سبل التفعيل

السبل لتفعيل دور الخطباء متعددة، والبعض يؤكد على التدريب الجيد والمتنوع للمهارات في مجالات مختلفة.. فيتساءل العجلة: "لماذا لا يخضع الخطباء لدورات تدريبية وفق منهج يتعلق بمخاطبة الجمهور، وكيفية الإبداع وفق أسس علمية، وفي كيفية تناول الموضوعات واختيارها وتثقيف أنفسهم في المجال الاقتصادي والاجتماعي كي يوظفوا هذه القضايا من خلال القواعد الشرعية...".

فيما يدعو د. رضوان إلى نمط ورش العمل من قبل وزارة الأوقاف للموضوعات الاقتصادية وكيفية طرحها علاجات لها للمجتمع الفلسطيني. أما الدكتور أبو ضهير فيدعو الخطباء إلى الاهتمام بزوايا مهمة في مكافحة الضائقة الاقتصادية مثل الدعوة إلى مكافحة الفساد في السلطة الفلسطينية، حيث يقول: "أعتقد أنه لو تمت توعية المواطنين بهذه القضية وتم التصدي للفساد لكان الوضع الاقتصادي أفضل بكثير. ولكن لا بد من الإشارة إلى أن الخطباء، شأنهم بذلك شأن كل مواطن، يخشون من الدخول في صدام مع السلطة وأجهزتها التي تجد أن هذا الأمر حساس جدا، ومن المحظور الحديث به"، مشيدا في الوقت نفسه بمحاربة خطباء المساجد لظواهر الإسراف والتبذير.

وانتقد أبو ضهير إغفال الخطباء لتوعية الناس بأساليب تساعد الفلسطينيين على التعايش مع ظروف الحصار والإغلاق التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي، حيث يقول: "أدعو الخطباء إلى الحديث عن أساليب عملية، وأن يمارسوا بأنفسهم بعض النشاطات والمشروعات الصغيرة التي تساعد الأسر في التعامل مع الوضع الاقتصادي الخانق. وأعتقد أن المواطن بحاجة إلى توجيه في النواحي العملية، بالأمثلة والنماذج أكثر مما يحتاج إلى النصائح العامة التي لا يستطيع أن يبني عليها ممارسات وسلوكيات".

اقتراحات عملية

يقترح د.علاء الدين الرفاتي رئيس قسم الاقتصاد والعلوم السياسية بالجامعة الإسلامية بغزة، مجموعة موضوعات اقتصادية يرى ضرورة أن يدرسها الخطيب ويتعمق فيها كي يتسع أفقه ويتمكن من معالجة المشاكل الاقتصادية للناس بشكل علمي وبناء.

ويرى الرفاتي أن هذه الموضوعات يمكن أن تشكل مفردات لمساق علمي مختص، يمكن أن يدرّس للخطباء في دورات خاصة. ومن هذه الموضوعات:

  1. أهمية العمل في الإسلام (إتقانه- وربطه بالعبادة).
  2. دراسة فريضة الزكاة وقواعد جبايتها وتوزيعها (توزعها الدولة في مكان جبايتها ولا تنقل إلى العاصمة) ودورها في التنمية والاستهلاك، وكونها أساس النظام المالي والاجتماعي في الإسلام.
  3. دراسة خطط عملية لاستثمار أموال الزكاة في محاربة الفقر، وبيان دورها المتمثل في تحويل الفقراء إلى منتجين يدفعون الزكاة، وحكم المتهرب من دفعها.
  4. محاربة التضخم.
  5. تحقيق الاكتفاء الذاتي (دعوة مقاطعة البضائع الإسرائيلية، ودعم المنتج المحلي).
  6. المعاملات المصرفية:

أ. ضرورة الوعي المصرفي وأهميته في تعبئة موارد الأمة.

ب. دور المصارف في عملية التنمية.

ج. التصدي لظاهرة هروب الأموال.

د. البنوك الإسلامية كبديل للبنوك الربوية.

هـ. أنواع المعاملات المصرفية (المضاربة والشركة والمرابحة والمزارعة... إلخ).

  1. الأسواق المالية، ودورها في عملية التداول وتسريع حركة الدوران الاقتصادي.
  2. أنواع البيوع المحرمة، والحكمة من تحريمها (الاحتكار– الغرر– الغش...).
  3. النقود.. وظيفتها في الحياة الاقتصادية، ومواصفاتها، غلاء الأسعار، وانخفاض القوة الشرائية للنقود وتعويم العملة.
  4. ضوابط الإنفاق العام، وقواعده (مستويات إشباع الحاجات حسب المنظور الإسلامي).
  5. الرقابة على المال العام، وسبل مكافحة الفساد الإداري والمالي:

أ. المواصفات المتحققة في رجل الدولة (الشروط).

ب. مبدأ الوقاية من الفساد بدلا من معالجته.

ج. منهج الإسلام في توزيع الثروة ومحاربة تركز الثروة في أيدي فئة قليلة.

  1. أهمية الزراعة: إحياء الأرض الموات (وربط هذا بحماية الأرض الفلسطينية من طمع المستوطنين والإسرائيليين، ودور ربات البيوت في الزراعة المنزلية، وتوفير متطلبات الأسرة).
  2. أهمية المياه، ومصادرها، وخطورة هدرها والإسراف فيها.
  3. الصناعة، وتعلم فنونها، ومهاراتها، وحث الإسلام على ذلك، أهمية الحرف الصغيرة والصناعات اليدوية والتجارة ودورها في التنمية وأهميتها.
  4. تنمية الموارد البشرية مثل، إدارة الوقت، وأهميته في حياة الإنسان المسلم، وشرح كونه عنصرا من عناصر الإنتاج.

إنها قضايا مقترحة.. وقد يكون هناك غيرها الكثير.. لكنها قد تساهم في تنمية الوعي للخطباء بما ينعكس بدوره على حل مشكلات الناس وهمومهم الاقتصادية.

تابع في هذا الملف


  صحفي فلسطيني.

(**) أعلن الجهاز المركزي للإحصاء في السلطة الفلسطينية في تقرير له عام 2003 أن حوالي 2.5 مليون فلسطيني (من أصل 3.6 ملايين يسكنون الضفة الغربية وقطاع غزة) يعانون من الفقر، وأن 264 ألف أسرة فلسطينية قد فقدت أكثر من نصف دخلها منذ بداية الانتفاضة قبل 3 أعوام.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم