English

 

الثلاثاء. ديسمبر. 16, 2003

نماء » فقه وسعي

 

استثمارات "الوقف" التركي..

سعد عبدالمجيد

Image

تلعب مؤسسة الوقف(1) دورا هاما في التنمية الاقتصادية للمجتمع التركي، وذلك رغم العقبات التي واجهتها على مدار تاريخها، خاصة بعد إعلان الجمهورية على يد أتاتورك في عام 1932، حيث ألغيت وزارة الأوقاف عام 1926 وأصبحت تبعية الأوقاف لهيئة يدير شئونها وزير دولة، كما فُرضت قيود على التبرع لهذه المؤسسات، وتم أيضا وقف الدعم الحكومي لهذه الأوقاف، على اعتبار أن الدولة أصبحت علمانية وتم فصلها عن الدين؛ ومن ثم لا ينبغي دعم مؤسسات دينية(2).

إلا أن عام 1976 مثل إحياء جديدا لدور الوقف حينما وافق البرلمان على تعديل في قانون الأوقاف الصادر عام 1935، ليقضي بمنح الحكومة الحق في إعفاء دور الوقف من الضرائب، وفتح باب التبرعات والهبات المالية من الأفراد والمؤسسات للأوقاف. ومنذ ذلك التاريخ نمت الأوقاف التركية، إلى أن وصل عددها حاليا إلى 55.321 ألف وقف.

استثمارات الديانة

و"وقف الديانة" Diyanet Vakfi، هو أحد المؤسسات التابعة لهيئة الشئون الدينية التركية (الرسمية) . ومنذ إنشائه عام 1975م يستثمر هذا الوقف أمواله في شتى المجالات الاقتصادية، بإجازة من القانون وبما يفيد المجتمع(3).

ومن القطاعات التي تستثمر فيها الأوقاف التركية أموالها -ومنها "وقف الديانة"- قطاع البنوك، فعلى سبيل المثال يساهم وقف الديانة بنسبة 1% من أموال البنك الكويتي - التركي التي تقدر في عام 2000 بحوالي 507 ملايين دولار كأصول، علاوة على 423 مليون دولار كودائع، و66 مليون دولار مصادر تمويل ذاتية.

النشر والتوزيع

النشر والتوزيع والطباعة بدوره يحتل مكانة في استثمار أموال الوقف بتركيا؛ حيث يمتلك "وقف الديانة" دارا للطباعة وشركة توزيع وتسويق Divantas، وكذلك سلسلة من مكتبات ومراكز البيع، سواء داخل أو خارج تركيا، فعلى سبيل المثال أقام وقف الديانة التركي مؤسسة نشر كبيرة في النصف الثاني من الثمانينيات أطلق عليها اسم "الموسوعة الإسلامية الجديدة"، وتحول الاسم إلى "مركز الدراسات الإسلامية Isam" فيما بعد. وتقوم هذه المؤسسة بنشر موسوعة تحمل عنوان Yeni islam Ansiklopedisi (الموسوعة الإسلامية الجديدة)، وصدر منها حتى الآن 26 جزءا، وتباع الموسوعة بـ 260 دولارا، بمعدل 10 دولارات لكل جزء، وتصل المبيعات سنويا من هذا الإصدار حوالي 10 ملايين دولار، وفقا لتقديرات غير رسمية.

علاوة على هذا فقد أصدر المركز 9 طبعات من كتاب "عِلمى حَال" Ilmihal- في جزأين - وهو أشهر كتاب في تركيا يختص بشرح العبادات والعقائد والفقه الإسلامي.

كما يقوم أيضا بطبع تقويم سنوي ميلادي/ هجري ويبيعه للناس. ويقول الوقف إنه يوزع عدد 300 ألف نسخة خارج تركيا فقط من هذا التقويم بقيمة دولار واحد للنسخة، أي إن الدخل السنوي يصل إلى 300 ألف دولار من بيع هذا التقويم خارجيا.

كما أن هناك مئات من مكتبات البيع التابعة للوقف منتشرة في المحافظات التركية حيث تقوم ببيع كتب ومجلات الوقف الدورية مثل مجلة الطفل (50 ألف نسخة شهريا) ومجلة الديانة الشهرية (50 ألف نسخة) والمجلة الأوروبية للديانة (10 آلاف نسخة شهريا)، وكذا الكتب التي طبعت من طرف الغير (بنظام عمولات البيع) لكي تربح مداخيل أخرى تصب في حسابات الوقف.

قطاعات التعليم والصحة

وللاستثمارات الاقتصادية ذات الطابع الاجتماعي هي الأخرى نصيب هام في أموال "وقف الديانة"، حيث يمتلك عددا من الكليات والمعاهد والمدارس -مثل كليات الإلهيات ومدارس الأئمة والخطباء- في داخل وخارج تركيا. وتقدم هذه المعاهد تعليما مقابل مصروفات دورية، ويصل عدد المنتفعين من هذه الخدمة داخل تركيا ما يقرب من نصف مليون طالب وطالبة.

كما أن هناك حوالي 15 ألف طالب يدرسون في كليات ومدارس الوقف بجمهوريات روسيا وآسيا الوسطى مثل: أذربيجان وتركمنستان وقازاخستان وقيرغيزستان وأوزباكستان وطاجيكستان، تتارستان، داغستان وباش كردستان، وأوكرانيا (جمهورية القرم) وجورجيا (جمهوريتا آبخازيا وأجاريا) وبلغاريا ورومانيا واليونان وقبرص التركية. ووفقا لموقع وقف الديانة على الإنترنت فقد طبع الوقف وباع 445 ألف كتاب تعليمي على الطلاب بتلك المدارس منذ عام 1996.

ولكي نبين حجم الاستثمار والمداخيل في قطاع التعليم لوقف الديانة خارج تركيا نذكر مثالا في هذا الصدد، وهو أن المدارس التابعة للوقف في أذربيجان فقط عددها 8 مدارس، تضم حوالي ألفي طالب، ويسدد الطالب مبلغ 300 دولار سنويا كمصروفات؛ مما يعني أن إيرادات الوقف تصل إلى 600 ألف دولار سنويا.

خدمات صحية

أما عن المستشفيات ودور العلاج، فيملك الوقف العديد منها، مثل مركز 29 مايو الطبي، ومستشفى إستانبول، حيث يقدما خدمات طبية بمقابل مالي يلائم الشرائح الاجتماعية الفقيرة، فالكشف الطبي يتراوح ما بين 50-100 مليون ليرة (35-70 دولارا) وهو مبلغ ليس كبيرا بالمقارنة بالأسعار المرتفعة للمستشفيات الأخرى.

وبفرض أن مستشفى 29 مايو التابع لوقف الديانة في مدينة ضخمة من حيث عدد السكان مثل إستانبول يزوره يوميا 20 مريضا فقط لتوقيع الكشف الطبي عليهم، فإن دخل اليوم يكون 1400 دولار، أي إن دخل السنة الواحدة من المعاينة الطبية وحدها 511 ألف دولار.

مكاسب العمرة والحج

أما قطاع الخدمات الدينية مثل تنظيم رحلات الحج والعمرة فإن وقف الديانة يحصل على نصيب الأسد من تلك الرحلات. وإذا كان عدد الحجاج والمعتمرين الأتراك يصل سنويا إلى 200 ألف شخص، فإن وقف الديانة وحده يأخذ حوالي 80 ألف شخص منهم، يسددون متوسطا يعادل 1750 دولارا للحج، و600 دولار للعمرة، أي هناك إيراد يصل للوقف يقدر بحوالي 100 مليون دولار سنويا، بحساب نصيب 30 ألف حاج، و50 ألف معتمر.

وهذا يعني أن وقف الديانة يربح عدة ملايين من الدولارات سنويا من موسمي الحج والعمرة، سواء عبر الكسب الناتج عن تنظيم الرحلات، أو ببيع ملابس الحج وكتبه وأشرطة وشرائح فيلمية وأسطوانات "سي دي" تتعلق بأصول وقواعد أداء الحج والعمرة.

إنها قطاعات تستثمر فيها مؤسسة وقف الديانة أموالها لصالح المجتمع، وهو دور يصبح أكثر أهمية مع الأزمة الاقتصادية التي تعانيها تركيا منذ عدة سنوات، وأبرز ملامحها تدهور قيمة العملة المحلية (الليرة)، وارتفاع معدلات البطالة والديون الخارجية.

غير أن ثمة عقبات يواجهها وقف الديانة، ومعه الأوقاف الأهلية والخيرية في تركيا، خاصة في مسألة الاستثمارات، ومنها الرقابة القانونية المشددة على التبرعات الواردة للأوقاف من الجهات والأفراد، وكذلك على حركة الاستثمارات، وعدم السماح -بشكل غير معلن- بالدخول إلى قطاعات أوسع.


  مراسل إسلام أون لاين في تركيا.

 (1) الوقف بمعنى الحبس، هو إعطاء ممتَلك ما لهيئة خيرية، بحيث يبقى أصله كما هو، ويصرف من عوائده لتمويل أعمال خيرية متعددة. وهو بذلك صدقة جارية، بل هو أفضل أنواع الصدقة. وللوقف قيمة اقتصادية راقية؛ حيث يتم الاعتماد عليه في تمويل المشروعات الخيرية والخدمات الاقتصادية للمجتمع. وهو سنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أول من وقف وقفا في الإسلام، وأول من أمر الناس بتحويل صدقاتهم إلى وقف. 

 (2)الأوقاف مترسخة في وجدان المجتمع التركي منذ دخوله الإسلام قبل حوالي ألف سنة، وقد ظهرت الأوقاف بشكل منظم في العصر السلجوقي (1070-1299)، ثم ما لبث أن أصبح له مؤسسات كاملة في العصر العثماني (1300-1923م).

  (3) رغم أن الدساتير التركية لم تتعرض للوقف في موادها، لكن قانون عام 1935 وما أدخل عليه من تعديلات، وكذا القانون المدني يوضحان موقف أموال الأوقاف وتنظيمها داخل المجتمع، فالمادة 12 من هذا القانون تسمح لمجلس إدارة الوقف ببيع الأراضي أو الأملاك ذات الدخل، وأن تستخدم أموال البيع في شراء أو تنمية مصادر دخل الوقف وذلك بالتنسيق مع مديرية الأوقاف.

كما تلزم المادة 13 من نفس القانون مجلس إدارة الوقف بتنمية الأموال المحصلة من عملية البيع حتى يتم إنفاقها على الأوضاع المخصصة لها في وقفية الوقف. وتشير المادة 15 أيضا إلى ضرورة تخصيص نسبة من الأموال للتنمية والاستثمار لصالح الوقف.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم