English

 

الأربعاء. ديسمبر. 17, 2003

نماء » فقه وسعي

 
   
روابط من إسلام أون لاين

مصر.. "الجات" لأجل المصلين!

صبحي مجاهد

Image

لا يختلف اثنان على أهمية خطبة الجمعة في نفوس المسلمين لحل المشكلات المستعصية، وللخروج من كثير من الأزمات، خصوصا في الجانب الاقتصادي، ولكن هل أدركت وزارة الأوقاف المصرية هذه الأهمية، خاصة أن هناك أزمة اقتصادية تعتري البلاد منذ سنوات، أبرز ملامحها تدهور قيمة الجنيه المصري أمام الدولار وتدني الصادرات، فشعب يقترب من السبعين مليون نسمة يصدر فقط ما قيمته 6.6 مليارات دولار ويستورد ما قيمته 14.6 مليارا في عام 2001/ 2002 وفق بيانات رسمية، أي أن هناك عجزا كبيرا في الميزان التجاري، وهو مستمر منذ عدة سنوات.

يقول الشيخ شوقي عبد اللطيف وكيل وزارة الأوقاف للدعوة والإرشاد الديني: إن الوزارة تنبهت منذ فترة إلى ضرورة تناول الأزمات الاقتصادية وكيفية معالجتها من خلال الدعوة، ولذلك فهي تنظم دورات للأئمة كل ثلاثة أشهر في مسجد النور بالعباسية (شرق القاهرة)، ويتم خلالها عرض القضايا الاقتصادية على الدعاة، وكيفية معالجتها بشكل مقبول لدى الناس، وذلك من خلال أساتذة متخصصين في الاقتصاد الإسلامي.

وأشار إلى أنه يتم استدعاء الأئمة المتميزين في كل محافظة من محافظات مصر حتى يتلقوا التدريب اللازم للتعرف على القضايا الاقتصادية، وكيفية معالجتها ثم يقوم هؤلاء الدعاة بتدريب غيرهم من الأئمة المتواجدين معهم بالمحافظة، وتقوم الوزارة من وقت لآخر بمتابعة ذلك من خلال لجان التفتيش التابعة لها في كل محافظة.

دورات تدريبية

وأوضح الشيخ شوقي أن وزارة الأوقاف تتخير الموضوعات الاقتصادية المهمة والملحة لتتناولها الدورات التدريبية للدعاة، حيث تم مؤخرا عقد دورة لمدة أسبوع عن مشكلة الزيادة السكانية وآثارها الاقتصادية، وذلك بسبب ما يعانيه المجتمع المصري اقتصاديا من هذه المشكلة، موضحا أن وزارة الأوقاف تقوم أيضا بتوزيع نشرات على الدعاة عن المشكلات الاقتصادية الملحة التي يجب تناولها على منابر المساجد حتى يشارك في حلها المواطنون بصورة إيجابية، ولذلك تصدر توجيهات من الوزارة إلى المديريات التابعة لها في جميع المحافظات من وقت لآخر للحديث عن مشكلة اقتصادية معينة في خطبة الجمعة، وهو ما حدث بالنسبة لأزمة ارتفاع الأسعار، والغش التجاري والزيادة السكانية والمنتج الوطني.

وعن آخر الدورات الاقتصادية التي نظمتها وزارة الأوقاف للدعاة، أشار كمال موسى مدير عام تدريب الدعاة بالوزارة إلى أن آخر دورة تم عقدها للدعاة تناولت عددا من المحاضرات عن أهم القضايا الاقتصادية، كان آخرها عن اتفاقية الجات، وآثارها السلبية، وكذلك عن تفاقم "المديونيات" الاقتصادية بسبب الزيادة السكانية.

ليست كافية

لكن الدكتور محمد شامة مستشار وزير الأوقاف المصري يرى أن أخذ محاضرات عن الاقتصاد في دورات تدريبية تنظمها الوزارة لا يعد كافيا لأن يواجه الداعية المشكلات الاقتصادية في المجتمع من خلال خطبة الجمعة، وذلك لعدة أسباب، أهمها: أن هذه الدورات وقتها قصير، فلا يستطيع الداعية أن يستوعب القضية الاقتصادية بشكل دقيق، هذا بالإضافة إلى أن منهج هذه الدورات هو نفس المنهج الذي يتم ترديده في الكليات، مشيرا إلى أن الأمر بحاجة إلى التواصل المستمر بين الدعاة والمجتمع، وكذلك إيمان الداعية بأهمية التعرف على المشكلات والأزمات الاقتصادية وأسبابها، وتقديم حلول لها في خطب الجمعة من خلال القرآن والسنة.

ولا يوافق الدكتور شامة على استدعاء خبراء اقتصاديين وتدريبهم على خطبة الجمعة؛ لأن الناس لا تريد توجيهات لحل مشاكلهم الاقتصادية بشكل متخصص، وإنما تريد الإجابة الدينية بشكل متعمق عن هذه المشكلات وغيرها.

أما الدكتور عبد الله بركات وكيل كلية الدعوة الإسلامية التابعة لجامعة الأزهر فيرى أن الدعاة يدرسون بالفعل النظام الاقتصادي، والمشكلات التي يمكن أن تعتريه، وكيف واجهها الإسلام، وعليه فلا ينقص الدعاة الدراية بالمشكلات والأزمات الاقتصادية وكيفية تناولها إسلاميا، وإنما ينقصهم الإحساس بالأزمات الاقتصادية والإخلاص في عملهم حتى يمكنهم تناول هذه الأزمات في خطبهم.

رؤية الخطباء

أما الخطباء المنوط بهم المشاركة في هموم الناس الاقتصادية، فيقول ياسر مغاوري عبد الحميد عمر إمام وخطيب مسجد الحسين: إن معالجتنا للأزمات الاقتصادية في خطب الجمعة تتم من خلال الكتاب والسنة، ويضرب مثلا لمعالجته لأزمة مثل المنتج الوطني، حيث يشير إلى أن معالجتها تمت عن طريق توضيح موقف الإسلام من تشجيع المنتج الوطني، على اعتبار أن ذلك يعد تدعيما لاقتصاد الأمة وهو أمر واجب شرعا، هذا بالإضافة إلى الاسترشاد في تناول هذه الأزمة بخبرات المتخصصين وأقوالهم فيها، وتطويعها للكتاب والسنة باعتبارهما الحكم الأقرب إلى قلوب وعقول المسلمين.

ويتفق الشيخ عيد عبد الحميد موسى إمام الجامع الأزهر مع الشيخ ياسر في ضرورة تناول الأزمات الاقتصادية في خطبة الجمعة من خلال الآيات القرآنية، والسنة النبوية.

ويشير إلى أنه يجب على الخطيب أن يتناول في خطبته الحالة الاقتصادية التي تمر بها البلاد بشكل دعوي مقبول لدى الناس، بحيث إذا ما طرح عليهم ضوابط وأمورا لحل أزمة اقتصادية بعينها تقبلها الناس، موضحا أنه يقوم بالتأكيد على المبادئ الاقتصادية في الإسلام لمعالجة المشكلات الاقتصادية، كتوضيح مبدأ عدم التواكل والكسل في مواجهة الفقر والبطالة.

شروط دعوية

الدكتور شوقي دنيا أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر يرى أن هناك شروطا لكي يدلي الخطباء برأي اقتصادي في خطبة الجمعة، منها أن تتضمن مناهج الدراسة في الكليات التي تخرج الدعاة والوعاظ علوما اقتصادية كافية يبصر بها الداعية ويتعرف عليها وعلى أسسها وعلاقتها بالجانب الإسلامي وهدي الإسلام فيها، خاصة أن ذلك يعد مدخلا مبدئيا لتعويد الدعاة على الحديث عن القضايا الاقتصادية ومعالجتها. ويؤكد أستاذ الاقتصاد الإسلامي على أهمية الدورات في توعية الخطباء وتثقيفهم اقتصاديا.

الشكل المطلوب

أما الشكل المطلوب اتباعه في خطبة الجمعة إذا أراد الداعية تناول القضايا الاقتصادية، فيقول عنه الدكتور دنيا: أنا لو كنت خطيبا وخصصت إحدى خطبي لموضوع اقتصادي مثل قضية الاستهلاك وتأثيراتها المعروفة اليوم في عمليات التضخم، والركود وحماية المستهلك، فأتصور أن يطرح هذا الموضوع من منطلق موقف الإسلام من عملية الاستهلاك والضوابط الإسلامية لها، والآثار الاقتصادية بالغة الخطورة على انتهاك هذه الضوابط، وعليّ في ذلك أن أشير إلى قوله تعالى: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا" فأوضح للناس معنى "الإسراف" والأبعاد الاقتصادية الخطيرة للإسراف على مستوى الأسرة وعلى مستوى المؤسسة، ومستوى الدولة، وما يجره من "مديونية" ومن تضخم في النفقات، وارتفاع في الأسعار، وغيرها من الآثار السلبية التي جاءت نتيجة لعدم التزامنا بقوله عز وجل: "ولا تسرفوا".

ويضيف أن الخطيب يمكن أن يكون مدخله لمعالجة الأزمات الاقتصادية في خطبة الجمعة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وذلك حتى لا يقول الناس: ما لنا ومال هذا الكلام؟! إذا رأوا أن الخطبة تتحدث في الأزمات الاقتصادية بشكل فني دون ربطها بالدين.

مركز الأزهر للاقتصاد

أما الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر فيقول: إن من أهم أهداف المركز نشر المعرفة الاقتصادية من منظور إسلامي، ولذلك فإنه لجأ منذ زمن إلى عقد دورات تدريبية مستمرة للدعاة تحت عنوان: القضايا الاقتصادية المعاصرة من منظور إسلامي، بالاتفاق مع كل من إدارة الوعظ بالأزهر الشريف، ووزارة الأوقاف المصرية، بهدف تعميق المعرفة الاقتصادية للدعاة حتى يتسنى لهم تناول الأزمات والقضايا الاقتصادية ومعالجتها بشكل دعوي من خلال خطبة الجمعة وغيرها.

وأشار إلى أن هناك دورات مماثلة تقام أيضا كل ثلاثة أشهر يعقدها المركز للدعاة من جميع أنحاء العالم الإسلامي لإعطائهم المعرفة الاقتصادية الضرورية لهم، وأنه في نهاية كل دورة يتم إعطاء الدعاة مجموعة من الكتب عن القضايا الاقتصادية المعاصرة، وكيفية مواجهتها إسلاميا.

وأوضح الدكتور محمد عبد الحليم عمر أن هناك خطة لتدريب الدعاة على تناول القضايا الاقتصادية في خطبهم داخل مركز الاقتصاد الإسلامي، وتتمثل هذه الخطة في برنامج تدريبي يقوم أولا على تعريف الداعية بالاقتصاد الإسلامي، ثم يناقش القضايا الاقتصادية المعاصرة، مثل العولمة واتفاقية الجات والتكتلات الاقتصادية والتجارة الدولية والمنافسة والاحتكارات والبورصة وقضايا العمالة، وغالبا ما يتم تغطية هذه القضايا بأكملها لأن الدورة الاقتصادية تستمر ثلاثة أيام في الأسبوع لمدة شهر، ويحاضر فيها مجموعة ممتازة من أساتذة الاقتصاد الإسلامي في مصر.

وأشار إلى أنه يتم أيضا تنظيم محاضرات للدعاة من قبل المركز عن الاقتصاد وقضاياه التي تمر بها المجتمعات الإسلامية وكيفية معالجتها، وذلك في إدارات الوعظ المختلفة المنتشرة بمحافظات مصر.


  صحفي مصري

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم