|
| الموجي قهر البطالة
|
لا يصدق أن في مصر مشكلة بطالة، ويرى أن الشباب هو الذي يقول ذلك لأنه يحب "القعدة" في البيت، ويريد أن يجد شماعة يعلق عليها كسله، والدليل أنه يعمل في نفس الوقت 7 أعمال مختلفة: بقال، وجزار، وتاجر ملابس، وموظف، ودفَّاف بالأفراح ، ومشجع كورة، وهتِّيف بالانتخابات.
إنه من هذا المكان العبق، الرائع، أقرب مكان في القاهرة إلى قلبي حسب تعبيري، وهو "نصف مصر" حسب تعبير رزق سعيد الموجي.. ابن بركة الفيل أحد أحياء منطقة السيدة زينب وسط القاهرة.. الذي يتحدى الركود الاقتصادي وأزمة الدولار ومشكلة نقص السيولة بأدواته البسيطة: "الفهلوة"، وأخلاق أولاد البلد.. فضلت أن أتركه تمامًا يتحدث؛ فقد وجدت في كلامه الصدق والبراءة الحقيقيتين.. فاسمعوا منه قصته بنفسه.
الموجي يتحدث
السيدة زينب هي أفضل مكان أستريح فيه نفسيًا، وحين تزوجت كنت سأموت لو سكنت في الخارج.. أجمل ما في هذه المنطقة ناسها، وشبابها رجالة وليسوا "فرافير" ولا "فافي" (كلمتان تطلقان على الشباب الأثرياء في مصر الذين تعولهم أسرهم).
رغم أنهم يظهرون كأنهم ناس شعبيون وغلابة فإن أهم ما يميزهم الأدب والأخلاق.. وأيضا يكرهون قعدة البيت كره العمى؛ فالجميع يعمل.. صغيرًا كان أم كبيرًا.. "ليسوا من بتوع بابا وماما.. إنهم باختصار: الجدعنة.. والشهامة".
أنهيت كل مراحل تعليمي في الأزهر، لكني لم أكمل في الجامعة.. دخلت كلية اللغة العربية، رسبت سنتين ثم تركتها وحولت إلى أصول الدين، لكنني لم أستطع الإكمال ورسبت سنتين أيضًا، بصراحة كنا في كل المراحل نغش في الامتحان، الأساتذة هم الذين كانوا يغششوننا، لكن في الكلية لم يغششنا أحد، وأنا بطبيعتي "لخمة"، فلم أستطع الغش، نجحت في كل المواد ما عدا القرآن والإنجليزي، قررت ترك الدراسة ودخول الجيش لقضاء فترة التجنيد الإجباري، لم يكن قرارًا صعبًا أبدًا.. فببساطة أحسست أني لن أستطيع أن أكمل الدراسة.. ولم أندم أبدًا؛ فأنا معي مؤهل متوسط صحيح لكنني رجل.. وناجح في حياتي والحمد لله.
في الجيش دخلت "سرية رياضية"، فأنا لاعب كرة ممتاز، دخلت للواء سفير نور، وعرفته بنفسي، وكان يعرفني عن طريق جارنا "حمدي مكرونة" مدلك فريق كرة القدم بالنادي الأهلي، وفعلاً قبلني في السرية الرياضية؛ لذلك كنت أرجع بيتنا يوميا تقريبا وكنت أحصل على إجازات كثيرة، فاستطعت أن أمارس أعمالي كلها.
يبيع البلح والزيتون
|
| الموجي يتوسط أبناء منطقته |
أنا أعمل مع أبي من زمان.. منذ مولدي تقريبا.. لكنني لا أتذكر إلا وأنا عمري 4 سنوات.. لدى أبي محل صغير.. أخي يعمل فيه في البراويز والزجاج والمرايات، وأنا أبيع فيه أيضا بلحًا وزيتونًا.. تأتيني البضاعة من العرب في الوادي الجديد الذين ينزلون القاهرة منذ سنوات طويلة، يشترون مواقد الجاز وأشياء تلزم عيشتهم في الوادي، ويعطوننا البلح والزيتون والمشمش المجفف، أبيع البلح في المحل، كما أنني أتعامل مع الأفران المختلفة.
أولا أبدأ أخرج النوى من البلح، ثم أفرمه بمفرمة يدوية.. ولا بد أن تجلس على الأرض وتفرم.. أظل أفرم لمدة 3 ساعات متواصلة.. كل يوم وأنا جالس على "قرافيصي"، شغلانة صعبة وتحتاج إلى صبر، والبلد كلها ليس فيها صبر.
ثم بعد ذلك أبدأ بتوزيعه على الأفران التي تستخدم العجوة في حشو الكعك، الانتقال على الأفران بالدراجة الخاصة بي.. هذه الدراجة ألف بها الدنيا، أجدع من مائة سيارة؛ لأنها لا تكلفني شيئا، أنا أصلحها بنفسي إن تعطلت، ولا تعمل بالبنزين، كما أنها رياضة، أحيانًا أذهب بها مشاوير بعيدة من السيدة لمصر الجديدة مثلاً (25 كم تقريبًا).. أتعامل مع فرنين أو ثلاثة.. فقط لأن شرطة التموين تشترط عليهم وجود تاريخ الصلاحية وبطاقة ضريبية على كل كيلو عجوة.. وهذا ما لا أستطيع أن أفعله، وأحيانا تكون الشرطة "مغلسة"؛ فيضطر صاحب الفرن للاعتذار لي رغم أنه يعرف أن العجوة التي نوردها إليه لا مثيل لها وأرخص كثيرًا، لكن على العموم ربنا يرزقنا سريعا بصاحب فرن آخر لا يشترط الصلاحية.
ليست الأفران وحدها هي زبائني؛ فأنا لي زبائن من المنطقة والمناطق المجاورة أذهب إليهم في البيوت أبيع لهم البلح أو العجوة، وهم يحبونه فيطهونه في الشتاء بالسمن والبيض؛ لذلك فالعمل في الشتاء أجدع من الصيف، زبائني يحبونني لأنني مجتهد وهم يحبون أن يشجعوني، كما أن بضاعتي مضمونة ونظيفة جدًّا، ليس زبائني في السيدة فقط.. في العباسية والعتبة والقطامية ومصر الجديدة.. وفيهم قضاة ومستشارون وضباط وأطباء.. ناس حلوة بصراحة ويثقون في.. لو عرضت عليهم أي حاجة يشترونها لأني أمين ومؤدب.
وفي رمضان يأتيني من الواحات ياميش شعبي (بلح + مشمش + عجوة + سوداني) يقوم عرب الواحات الداخلة بتنشيفها، وأنا أبيعها أيضًا للزبائن.
أجمل شيء في التجارة أنني لا أعمل عند أحد، رغم أنها متعبة وتهلكني ليلا ونهارا، لكن ليس لي رئيس ولا مدير له ميزة علي، أو يقول لي: أين تذهب؟ وماذا تفعل؟ أنا أصلا لا أحب الجلوس أبدًا في المنزل.. ومتعتي في الدنيا العمل، وأن أتعب في أكل العيش.
وجزار أيضًا
من الأشياء التي أتاجر فيها في المحل أيضًا اللحوم؛ فأنا أنزل محافظة الشرقية وأشتري 3 أغنام، وأذبحها في المنزل، وأسلخها وأبيع أيضًا للزبائن الخصوصيين، لا أستطيع أن أذبح في المحل؛ لأن مفتشي الصحة يتابعونني فورا، رغم أني والحمد لله أشتري أفضل الأغنام، ولا يمكن أن أشتري المريضة أبدًا.
من حوالي 5 سنين بدأت أنزل بور سعيد 3 مرات كل شهر.. أول مرة رحت بالصدفة لقيت حاجات جيدة فاشتريت بخمسمائة جنيه (الدولار رسميا يساوي 5.54 جنيهات)، ورجعت لأبيعها لأصحابي، أنا مصاحب طوب الأرض.. أصحابي والحمد لله كثيرون، دائمًا يقولون لي: لو دخلت انتخابات تنجح فورًا، كنت أكسب كثيرًا من بورسعيد، كنت أشتري كل مرة بألف جنيه فأكسب 300 جنيه تقريبًا، لكن للأسف الحكومة "بوظت" (أفسدت) كل حاجة، وقفلت بورسعيد؛ لأنهم فرضوا جمارك أغلى من ثمن البضاعة نفسها.
موظف حكومي!
من ضمن أعمالي أيضًا أنني بعد الجيش وجدت إعلانًا في الجريدة.. يطلبون خريجي الثانوية الأزهرية لمعهد "المحاسبين والصرافة" بالزيتون وهو سنة واحدة، وأهم شيء فيه الحضور، وهو يضمن وظيفة حكومية في وزارة المالية، المشكلة أن الدخول فيه بالواسطة؛ لأن المعهد يضمن وظيفة حكومية محترمة.
المهم كنت في يوم أصلي العشاء في المسجد مع جار وزبون لي، وجدني "زهقان شوية" (متضايق قليلا) فسألني وحكيت له، فقال لي: لا بد أن تدخل الامتحان، وإن شاء الله ستنجح، ولا أدري هل توسط لي أم أنه كان يعطيني الأمل فقط؟ تقدمت بطلب وأجروا لي اختبارًا شفويًا في المعلومات العامة حول وزارة المالية والضرائب، وفوجئت أنني من ضمن المقبولين والحمد لله.. وبدأت الدراسة وأنا أعمل في كل ما سبق أن ذكرته، وفي اختبار الدور الأول رسبت في 3 مواد من 14 مادة.. طبعا أنا اعتبرته إنجازًا؛ لأنني كنت أذاكر آخر يوم فقط لظروف العمل.. لكني خلصت السنة في النهاية.
ظللت بعد النتيجة 7 أشهر ولم أعين فظننت أن الأمر كلام حكومة، وضحك على الذقون، وحين وصلني خطاب التكليف لم أصدق نفسي.. كانت فرصة نادرة.. أبي قال لي: سأذبح خروفًا، لكنني لم آكل منه لأن أبي تقريبًا باعه ولم يذبحه.. وجاء العمل بجوار منزلي، ومهمتي تحصيل الضرائب من أصحاب العقارات.
فرقة أفراح وهتيف
|
| إحياء الأفراح ..وظيفة من وظائفه |
بالمناسبة من ضمن مواهبي كذلك أنني أضرب على آلات الإيقاع جيدًا؛ فأنا أعمل في فرقة أفراح من عام 1993، الموضوع بدأ هواية؛ ففي منطقتنا بدأنا نقيم أفراحًا للشباب بالمجان؛ لأننا نريد أن نفرح الشباب الغلبانين ونسعدهم، ولكن بعد ذلك أصبحنا نتقاضى أجرًا جيدًا.
وأنا أعرف ضرب الدف أساسًا من مدرجات النادي الأهلي، وحبي للنادي الأهلي قديم، أصلاً السيدة زينب هي للنادي الأهلي في الأساس، من عمر 8 سنين وأنا مشجع قديم جدًا، كنت أتمنى أن أكون لاعبًا، وبالفعل ذهبت لاختبارات الكرة، ونجحت في معظم الاختبارات، لكن الواسطة أفسدت الدنيا وأخرجتني.
جلست على كافتيريا النادي الأهلي، فرأيت اللاعبين، فأحببت هذا الجو جدًا، فقلت: إن لم يوفقني الله لأكون لاعبًا فحرام عليّ أترك هذا الجو، فدخلت رابطة المشجعين، وهي رابطة محترمة ومعتمدة وفيها أفضل أصدقائي: جزرة، حربي، حسين، هاني الجرم، أشرف كورة، وخالد شكشاكي، وأحمد أبو طربوش، والحاجة دولت الله يرحمها، والحاج مصطفى أبو مازن...
والحقيقة أن الأمر ليس مجرد حب، لكنني أستفيد كذلك من الانتماء للرابطة؛ فمثلا أحيانا أحصل على فانلات اللاعبين المستعملة، وأبيعها وطبعًا كثيرون يتمنون الحصول على فانلة لاعب مشهور مثل حسام حسن أو وليد صلاح أو هادي خشبة، كما أننا نحصل كذلك على بعض التذاكر المجانية ثمنها 25 جنيهًا؛ لأنها درجة أولى وأقوم أنا ببيعها بحوالي 10 جنيهات أو 15 جنيهًا، فيمكن أن يطلع لي في المباراة 150 جنيهًا.
فأنا أحب الأهلي جدًّا، وأحب قيادة الجماهير، تستطيع وأنت تشاهد أي مباراة تسمع دقة دف رزق وهو "بيهيص" الجماهير كلها، نحن نقسم المدرجات على كبار أعضاء الرابطة؛ بحيث كل مدرج فيه اثنان من الرابطة يقومان بتحميس الجمهور، رغم أن تخصصي في الدرجة الأولى التي يدخلها الناس المستريحة فإنني أستطيع بفضل الله تحميسهم للتشجيع والهتاف زي جماهير الدرجة الثالثة، والحقيقة أنا أترك أي شيء من أجل حضور مباراة الأهلي.
هتيف أيام الانتخابات
|
| مشجع وهتيف أيضا |
الدف كذلك ساعدني في العمل أيام الانتخابات في وظيفة "هتيف"؛ حيث أسير مع المرشحين، وأهتف، وأسخن الجماهير لانتخابهم، الحقيقة أصفي في يوم الانتخابات الواحد 100 جنيه، لكنني لا أعمل إلا مع المرشح الذي يعجبني وأحس أنه لا يكذب على الشعب، أحيانًا حين يعجبني المرشح أعمل معه دون مقابل؛ لأنني أحترمه، وأحيانا كنت أدخل في اللجان كمندوب على الصندوق، وأمنع التزوير تمامًا..
يهيأ لي أن أفضل إنجاز في حياتي أنني تزوجت، الزواج كلفني حوالي 40 ألف جنيه، تعبت كثيرًا في جمعها على مدار سنوات، لكن الحمد لله "الشقا" طعمه حلو، واللقمة الحلال أجمل حاجة في الدنيا، ساعدني كثيرًا جدًا في الزواج أبي وكذلك حماي الحاج عنتر الصولي.
أتمنى أن يبعد عني وعن زوجتي الناس والحسد، وربنا يكرمنا بالذرية الصالحة، وأن يكرمني الله بالحج بعد أن أكرمني بالعمرة مرتين والحمد لله على كل حال.
أرسل لنا تجربتك:
إذا كانت لديك تجربة شخصية أو تجربة لتحدي للبطالة فأرسلها على الإيميلين التاليين:
khaled1972@hotmail.com
namaa@islam-online.net
وسوف ننشرها في صفحة اقتصاد وأعمال ..
محرر بشبكة "إسلام أون لاين.نت"
|