English

 

الأحد. مارس. 28, 2004

نماء » فقه وسعي

 
   
روابط من إسلام أون لاين

عشور الأقباط.. وتنمية المجتمع

إسماعيل عمر

تمثل أموال "العشور" لدى المسيحيين مدخلا اقتصاديا لدعم ومساعدة للفقراء في مختلف أنحاء العالم، وتقوم فلسفة دفع هذه الأموال على توجيه من الله للمسيحيين بقوله: "هاتوا جميع العشور إلى الخزنة.. وجربوني بهذا..."، كما ورد بالكتاب المقدس توجيه السيد المسيح لتلاميذه بقوله: "أعطوهم أنتم ليأكلوا... إنني أشفق على الجميع".

وتعني العشور إخراج عشر المال أو 10% من النتاج في الأموال والغلال والزروع والإبل والرواتب وغيرها. وقد عرفت الشعوب القديمة كالفراعنة والفرس واليونان والرومان هذه الضريبة. فكانت تلك الشعوب قبل الإسلام -وبخاصة الرومان- يجبونها على حدود المناطق المتعددة من الدولة الواحدة وكانوا يتقاضونها في العام الواحد مرات عديدة بعدد مرورهم على العاشر (أو الجمركي إذا جاز التعبير).

ولم تأخذ العشور في الديانة المسيحية حكم الفرض على غرار الشريعة الإسلامية؛ فالمسيحي يخرجها بشكل اختياري، كما أنها ليس لها تقنين واضح مثل المسلمين، حيث حددت بالعشر، وأحيانا نصف العشر، حسب حالة الشيء المزكى.

(لمزيد من التفاصيل المهمة حول فكرة العشور عن المسلمين انظر: مصطفى الرافعي، الإسلام والعدالة )

ويدفع المسيحيون هذه الضريبة لأي إنسان محتاج أو معدم أو فقير أيا كان لونه أو جنسه أو دينه تحقيقا للمأثور الذي ورد على لسان السيد المسيح "كل من سألك فأعطه"، بل زاد على العشور قائلا: "من له ثوبان فليعط من لا ثوب له"، أي بمعدل النصف (50%) وليس (10%)، إنما العشر الحد الأدنى، والخير ليس فيه نسب، وهذه هي فلسفة العطاء في المسيحية.

وهناك جهات متعددة تجمع أموال العشور، منها الكنيسة أو الأديرة أو الجمعيات الخيرية الأهلية أو مؤسسات النفع العام كالمدارس والمستشفيات، أو يتم دفعها إلى المحتاجين مباشرة بلا واسطة. وتقوم المؤسسات التي تتلقى هذه الأموال باستثمار العشور في قطاعات اقتصادية تفيد المسيحيين وغيرهم.

عشور الأقباط

ومن النماذج المهمة في استثمار العشور المسيحية أقباط مصر الذين يلتزمون بدفع هذه الأموال. ومن الصعوبة بمكان إحصاء ما تقوم بجمعه الكنيسة القبطية سنويا من الأموال المجباة من العشور بسبب عدم وجود أرقام رسمية معلنة.

لكن الدكتور مكاري أرمانيوس سرور الكاتب بجريدة وطني المصرية يقول لـ"إسلام أون لاين.نت": إن الأموال العشورية المجباة من الأقباط داخل مصر تقدر بـ50 مليون جنيه مصري سنويا. يضاف إلى هذا أموال العشور التي يدفعها أقباط المهجر وتقدر بحوالي 60 مليون دولار سنويا، وفقا للدكتور مكاري. ويقوم هؤلاء بدفع جزء من عشورهم إلى الكنيسة القبطية في مصر بالعملة الصعبة وذلك كنوع من المساهمة منهم في تعمير الكنائس والأديرة ومساعدة المصريين والمحتاجين من فقراء الأقباط في مصر. وتشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أن عدد المسيحيين في مصر يقدر بـ 8 ملايين نسمة من إجمالي السكان البالغ 68.6 مليون نسمة.

كما أن بعض الأقباط في الخارج يشترون بجزء من عشورهم بعض الأجهزة الصناعية البسيطة مثل ماكينات الحياكة وبعض أجهزة الكمبيوتر، ويرسلونها إلى الكنيسة القبطية لتوزيعها بمعرفتها على المحتاجين والفقراء لتكون مصدر رزق لهم عند تشغيلها.

أديرة منتجة

وبعض الأقباط قد يدفعون عشورهم للأديرة ومجالس إدارتها، وتقوم هذه الأديرة باستثمار هذه العشور في بعض المشروعات الاستثمارية مثل استصلاح الأراضي المحيطة بالدير؛ لأنه غالبا ما تكون هذه الأديرة في أماكن صحراوية أو جبلية، أو استثمارها في تربية الماشية والدواجن ومنتجات الألبان وعسل النحل. وحاليا إذا ذهبت إلى أي دير وجدت منتجاته، ومن أشهر الأديرة إنتاجا في مصر دير أبي مقار في الصحراء الغربية بمصر؛ حيث يصدر صناعات غذائية إلى الخارج.

وهناك مشروعات أخرى مثل الصور والأيقونات والميداليات والحليات وتفصيل الملابس. وتمول هذه المشروعات عادة من أموال العشور؛ حيث تباع في الكنائس والمكتبات لحساب هذه المشروعات وتوزع أرباحها على المشتغلين فيها من الفقراء والمساكين.

دور الجمعيات القبطية

ساهمت أيضا أموال العشور في تطوير العمل الخيري القبطي؛ حيث تتلقى أيضا الجمعيات القبطية هذه الأموال من الأقباط في الداخل والخارج لتمويل خدماتها الاقتصادية التي تقدمها للمجتمع المصري بصفة عامة، كإنشاء ملاجئ للأيتام ومشروعات صناعية تلحق بهذا الفقراء نظير أجر مثل المشاغل حيث أعمال الإبرة والتريكو والمغازل والنسيج... إلخ.

وقد كان العمل الخيري القبطي من خلال جمعياته منحصرا في فكرة دعم الفقراء والمحتاجين على اعتبار أنه عمل إغاثي فقط، وساهم في عدم تطوره تغول الدولة المصرية في الحقبة الناصرية، حيث أصدرت القانون رقم 32 لعام 1964 الذي بمقتضاه تشرف الدولة كاملا على نشاط هذه الجمعيات.

لكن فترة السبعينيات شهدت تحولا في العمل الخيري القبطي من مجرد دعم الفقراء إلى تحفيزهم لأن يكونوا أناسا منتجين يشاركون في التنمية الاقتصادية، وتعمق هذا الدور الاقتصادي في عقدي الثمانينيات والتسعينيات مع تخلي الدولة عن دورها إثر عمليات الإصلاح الاقتصادي التي بدأت عام 1991، حيث أصبحت هناك فئات مهمشة أضيرت من هذا الإصلاح تحاول هذه الجمعيات مساعدتها اقتصاديا. ووصل عدد الجمعيات القبطية في عام 1995 إلى 176 جمعية بالقاهرة، 45 بالإسكندرية، 43 بسوهاج، 33 بأسيوط والمنيا، 32 بقنا، 29 بالغربية، 1 بكفر الشيخ، وذلك طبقا لتقرير الحالة الدينية الصادر عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام عام 1996.

وأصبح نشاط هذه الجمعيات لا يضم فقط خدمات تعليمية وصحية بل أيضا أنشطة التدريب المهني والقروض الصغيرة للمشروعات، كما دخلت مؤسسة الكنيسة بثقلها في العمل الأهلي. (لمزيد من التفاصيل حول العمل الخيري القبطي اقرأ: أقباط يكفلون مسلمين).

وتستثمر بعض الجمعيات القبطية أموال العشور في قطاع المدارس مثل "جمعية التوفيق"، وهي أقدم جمعية خيرية في مصر حيث أنشئت في أواخر القرن التاسع عشر وما زالت موجودة إلى الآن بمقرها بالفجالة وسط العاصمة القاهرة، ويتبعها عدة مدارس عربية وأجنبية ولغات للبنين والبنات.

والبعض الآخر من الجمعيات يستثمر أموال العشور في بناء المستشفيات مثل جمعيتي "العذراء" و"المستشفى القبطي" بالقاهرة؛ حيث هناك مستشفيات على مستوى جيد لعلاج جميع الأمراض لجميع الناس؛ وهو ما يعود بالنفع على المواطنين جميعا من أموال العشور.

كما تطبق جمعيات أخرى نظام المشاركة في المشروعات مع الفقراء؛ فالهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية التي بدأ عملها عام 1952 تقوم بتسليم الفلاحين الفقراء "جاموسة" على أساس الإنتاج، ويسدد المربي المسيحي ثمن الجاموسة بالتقسيط المريح بدون فوائد بنكية من خلال بيع ألبان الجاموسة ومنتجاتها.

ولا يقتصر نشاط الهيئة الإنجيلية على ذلك فهي تعمل في عدة مجالات أخرى؛ ففيها مثلا أقسام لحل مشكلة الإسكان في الأحياء العشوائية، وقسم آخر لتقديم القروض الميسرة لشباب الخريجين، كما أن للهيئة السبق في مشروع قديم لتدريب الفلاح المصري على تنظيف بيئته ومساعدته على إنشاء منازل صحيةن وتخصيص برنامج شامل لمحو الأمية في الريف، وخصوصا بين المرأة المصرية.

وقامت الهيئة أيضا باستصلاح عشرات الأفدنة من الأراضي الزراعية في محافظة المنيا بصعيد مصر، وتم تسليمها للمحافظة التي تولت توزيعها على المواطنين.

وللتدريب أيضا

وتمثل الأسقفية العامة للخدمات الاجتماعية علامة أيضا في هذا الاتجاه؛ حيث قامت بإنشاء برنامج لدعم المزارع الصغير وتعليمه تربية الأرانب وبرنامج للقروض الصغيرة، وكذلك دعم الأفراد كمجموعات في مشروعات صغيرة وإعداد دراسات الجدوى.

وتملك الأسقفية مراكز تدريب على مستوى القاهرة والأقاليم لتدريب الشباب على بعض الأعمال اليدوية لحرفة السباكة والنجارة وتعليم الكمبيوتر والإنترنت ومشاغل للبنات... إلخ.

هذه نماذج من استثمار أموال العشور التي يدفعها الأقباط في مصر وخارجها. ويظل التحدي في توسيع نطاق القطاعات الاقتصادية التي تضخ فيها هذه الأموال وإدارتها بشكل يجلب ربحا يجعلها تتواصل في دعم الخير.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم