|
ارتبطت نشأة معظم المساجد في دول أوربا الغربية على وجه التحديد، بتطور الوجود الإسلامي المهاجر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد أخذت المساجد منذ البداية الشكل القانوني للمؤسسات الدينية التي كانت قائمة من قبل، مثل الكنائس المسيحية والمعابد اليهودية، وهو ما جعلها غير قادرة على تجاوز الأطر التشريعية المحددة لصلاحيات مثل هذه المؤسسات.
كما حكم على أي دور اقتصادي يمكن أن تلعبه المساجد في حياة الأقليات المسلمة الناشئة بأن يكون دورا ثانويا بالضرورة، يحل في المرتبة الثالثة بعد الدور الديني-الروحي والدور التربوي-الاجتماعي، اللذين ما يزالان يتصدران سلم الوظائف المتاحة للمساجد. وللدلالة على ذلك يمكن فحص نموذج مسلمي هولندا.
التمويل الذاتي
لقد وصل عدد المساجد والمصليات في هولندا على سبيل المثال إلى ما يزيد عن الثلاثمائة مسجد، لأقلية مسلمة بلغت هذا العام في تعدادها مليون نسمة، أي بمعدل مسجد لكل ثلاثة آلاف وخمسمائة شخص تقريبا. وقد تأسست المساجد في هولندا -وفي جل الدول الأوربية- بفضل تبرعات المحسنين من أبناء الأقليات المسلمة، أو مساعدات حكومية وغير حكومية قدمت من بعض الدول الإسلامية، على نحو جعل جوامع المسلمين مؤسسات استهلاكية، تعيش بالدرجة الأولى على صدقات ومنح المصلين، في الإنفاق على أنشطتها وتوفير رواتب العاملين بها، ومن ضمنهم الأئمة والخطباء والمدرسون في المدارس الملحقة بها.
إن الطبيعة الاستهلاكية لمساجد هولندا جعلتها تعيش باستمرار في "وضعية الكفاف" في أغلب الأحوال، بل في وضعية عجز أحيانا، عادة ما تجبر الهيئات الإدارية على طلب المزيد من المساعدات من المصلين، خصوصا في المناسبات الخاصة كشهر رمضان المبارك، الذي تزيد فيه نفقات المساجد في ارتباط بتزايد الأنشطة الدعوية والخيرية، والتزام إدارة المسجد بدفع مستحقات مالية للوعاظ والأئمة، خاصة أولئك الذين يستقدمون من الدول الإسلامية.
ولمواجهة الاحتياجات المالية الدائمة، فقد عملت الكثير من الهيئات المسيرة للمساجد، خصوصا في حالة المساجد المدارة من قبل المسلمين من أصول تركية، على إحداث أوقاف صغيرة ملحقة، قادرة على توفير عائدات مالية ثابتة بمقدورها أن تساعد على تغطية التكاليف الأساسية، مثل أجور الأئمة ونفقات الماء والكهرباء والنظافة إلى جانب نفقات إدارية أخرى متنوعة لا يمكن الاستغناء عنها.
إن المتأمل في مساجد مدينة روتردام الهولندية، وبالتحديد ما يعرف بالمساجد التركية منها، من أمثال "آيا صوفيا" و"إسكندر باشا" و"بيرلك"، سيلاحظ أنها قد تحولت مع الوقت إلى ما يشبه المؤسسات الشاملة التي تجمع إلى جانب الديني الاجتماعي والاقتصادي أيضا، ففي هذه المساجد عادة ما يوجد سوبر ماركت صغير ومحل حلاقة ومقهى ومطعم، كلها تدر عائدات مالية على المسجد يضمن اضطلاعه بأدواره الرئيسية دون خوف من العسر وأزمة الحاجة.
وإذا كانت هذه المؤسسات الاقتصادية الملحقة متواضعة في حجم معاملاتها، فإنها نجحت إلى حد ما، وفي كثير من الحالات في منح المساجد حالة من الاستقرار، وقدرة على ممارسة دورها، دون مخاوف تعتري مسيريها أو مشاكل مزمنة قد تؤثر على مصداقيتها.
تطوير التجربة الوقفية
لقد فتحت تجربة المؤسسات الاقتصادية الصغيرة الملحقة بالمساجد مع مرور الزمن أعين مسيريها على مشاريع أخرى أكثر أهمية، وقادرة على توفير عائدات مالية أكبر، مما قاد بعض هذه المساجد إلى تطوير تجارب وقفية خاصة تتلاءم مع ما تسمح به القوانين السائدة، ولا تؤثر على الطبيعة غير الربحية التي تميز المؤسسات الدينية والثقافية والخيرية عن غيرها.
ففي مدينة روتردام مثلا، تمكن القائمون على مسجد "النصر" -وهو أكبر المساجد المسيرة من قبل مسلمين من أصل مغربي- من تعمير قطعة أرضية كانت ملحقة بالمسجد، وإقامة شقق سكنية ومحلات تجارية تخصص عائدات إيجارها لدعم ميزانية المسجد، وتُمكِّن القائمين عليه من الاستجابة للمصاريف الثابتة.
وفي المدينة نفسها، استطاع القائمون على إدارة مسجد "إسكندر باشا" -وهم من أصل تركي- في بناء "قسم داخلي" بتكلفة قاربت الثلاثة ملايين يورو، يحتوي على غرف وفصول دراسية وقاعات عروض واجتماعات، لإيواء طلبة المدارس الثانوية، ويعتمد القسم في تمويله على ما يجنيه من الأقساط المالية التي يقوم أولياء أمور الطلبة بدفعها.
في السياق نفسه، قامت الهيئة الإدارية لمسجد "غول تبه" ببناء مركز تربوي، يشمل قاعة عروض متعددة الاختصاصات، يجري تأجيرها للجمعيات والمنظمات والهيئات للقيام بأنشطة متنوعة، مثلما يجري تأجيرها للأفراد والعائلات لإحياء مناسبات خاصة، هذا فضلا عن توفر المسجد على سوبر ماركت صغير يقدم خدمات تجارية للمصلين، ومقهى ومطعم.
قاعدة للمشاريع التعاونية
لقد أثبتت تجربة بعض المساجد في هولندا، أن المؤسسة الدينية الإسلامية قادرة على لعب دور اقتصادي كبير وبطريقة غير مباشرة في حياة الأقلية المسلمة، إلى جانب الدور الاقتصادي المحدود الذي تلعبه حاليا من خلال المؤسسات التجارية الصغيرة الملحقة بها، وذلك انطلاقا من أنها تشكل المؤسسة الأكثر شعبية ومصداقية ضمن الوجود الإسلامي.
إن عدد المصلين الذي يصل إلى الآلاف في حالة بعض المساجد دفع بعض النشطاء الاقتصاديين المسلمين إلى استغلال التجمعات البشرية الكبيرة التي تتوفر عليها المؤسسات الدينية الإسلامية لاقتراح مشاريع تعاونية يقوم رأسمالها على مساهمة عدد كبير من الأشخاص، وتعود فوائدها على المساهمين وعلى جمهور المسلمين بشكل عام.
وحول أهداف هذه المشاريع يقول محمد مهرية -وهو رجل أعمال مسلم من أصل مغربي-: "إن المشاريع التعاونية تهدف بالدرجة الأولى إلى استغلال الطاقات المالية المهدرة التي تتوفر عليها الجاليات المسلمة من جهة، وتعتبر وسيلة فعالة للإفلات من ربقة المعاملات الربوية التي تقدمها البنوك من جهة ثانية".
ويضيف مهرية -وهو صاحب مجموعة من المخابز الناجحة في مدينة روتردام-: "إن مسجد النصر مثلا، الذي يؤمه آلاف المصلين، يمكن أن يشكل قاعدة تعاونية ضخمة قادرة على إنشاء سوبر ماركت إسلامي كبير، يعود بربح وفير على المساهمين في رأس المال من جانب، ويقدم خدمات تجارية مضمونة لجمهور المسلمين، تتفق مع ثوابت الحلال والحرام مثلما تنص عليها الشريعة الإسلامية".
ويضرب الناشط الاقتصادي المسلم مثلا بقوله: إن خمسمائة من رواد مسجد من مساجد روتردام، قادرون على جمع رأسمال لا يقل عن مليون يورو، قادر على إنشاء سوبر ماركت ومخبز ومحل لبيع اللحم الحلال، ستكون فائدته مزدوجة وربحه مضمونا، فمساهمة كل واحد من الخمسمائة بألفي يورو في رأسمال المشروع، تقل بلا شك عن مجموع ما تنفقه أي عائلة مسلمة سنويا على مشترياتها من المواد الغذائية، وتنجز اختلافا معنويا على الأقل، فحواه أن كل شخص سيشتري حاجياته من محله.
تجارب ناجحة
وإذا كان الحديث عن تحويل المسجد إلى قاعدة تعاونية، ما يزال جنينيا ونظريا إلى حد كبير في حالة المسلمين من أصل مغربي، فإن بعض التجارب التي خيضت من قبل مسلمين من أصل تركي أثبتت أن تحقيق الرؤية التعاونية ممكن، وأن الصلات الروحية والدينية التي تصنعها المساجد يمكن أن تثمر علاقات ومشاريع اقتصادية فاعلة.
وفي هذا الصدد يقول "علي سلفي" -وهو ناشط مسلم من أصل تركي-: "لقد أقنعت عشرة من الإخوة، كنت أعطيهم دروسا في قواعد الشريعة والدين الإسلامي في مسجد "بيرلك" (التوحيد) في الضاحية الجنوبية لمدينة روتردام، بأهمية تأسيس شركة تعاونية ينشأ رأسمالها من مساهمة كل واحد من العشرة بمبلغ يقارب الثلاثة آلاف دولار".
ويضيف سلفي -الذي درس في دمشق اللغة العربية-: "لقد أسست الشركة مع الإخوة العشرة برأسمال متواضع، واستطعنا من خلال نشاط اقتصادي حثيث في مجال صناعة الأثاث وتسويقه مضاعفةَ رأسمال الشركة عشر مرات في ظرف لا يتجاوز السنوات الثلاث، حيث أصبحنا نملك مصنعين لصنع الصالونات، واحدا في هولندا والآخر في تركيا، فضلا عن محلين لبيع الأثاث، أحدهما في ضاحية روتردام الجنوبية والآخر في الضاحية الشمالية، كما أصبحت علامة الشركة علامة جودة مميزة ومسجلة".
ويؤكد الناشط المسلم التركي "أن وعي المسلمين المتدينين بأهمية الجانب التعاوني، يمكن أن يقلب معادلات اقتصادية كثيرة، جعلت من المسلم مثالا في تدني الطموح وقلة الهمة، وهو ما يخالف في جوهره قيم الإسلام التي تحث على ضرورة أن يكون المسلم يدا عليا، وأن تكون طموحاته وعزته وهمته عالية".
برجان إسلاميان
من جانبه، يقترح قاسم الناعس رئيس مدرسة ابن خلدون الثانوية الإسلامية في روتردام صيغة تعاونية اقتصادية جماعية، يلتقي فيها المسجد مع مؤسسات ومنظمات إسلامية أخرى ذات طابع تجاري واجتماعي وثقافي، وتقود إلى تأسيس تجربة وقفية حديثة تجمع بين القيم التي أفرزها تراث المؤسسات الوقفية الإسلامية من جهة، وبين القيم الاقتصادية الغربية الحديثة التي تثبت أن المسلمين أصبحوا جزءا أصيلا داخل المجتمعات الغربية.
ويقترح الناعس -وهو ناشط مسلم من أصل تونسي- إنشاء مجموعة تعاونية تجمع بين مدرسة ابن خلدون الثانوية ومسجد النصر ومؤسسة البرنامج الثقافي العربي واتحاد المسنين ومؤسسة الختان ومؤسسات ومنظمات إسلامية أخرى، تشرف على بناء مركز تجاري إسلامي ضخم على ضفاف نهر "الماس" الذي يشق مدينة روتردام إلى شطرين، بحيث يتوسطه مسجد، ويحتوي على مرافق ومؤسسات تجارية وخدمية متعددة الاختصاصات.
ويقول الناعس: "إن توسط المسجد المركز التجاري الإسلامي، سيعيد للمسجد دوره الوسطي، عمرانيا ومعنويا ووظيفيا في حياة المسلمين، على نحو يذكر جميع النشطاء الاقتصاديين والاجتماعيين والثقافيين بمرجعيتهم الدينية وقيمهم الأخلاقية السامية، التي عليهم أن يلتزموها في جميع معاملاتهم".
ويذكر الناعس أن مشروع المركز التجاري المقترح سيكون من الناحية المعمارية عبارة عن برجين عاليين تتوسطهما قبة ضخمة، في تأثر واضح بفن العمارة الإسلامية ورموز الدين الإسلامي الرئيسية، وسيكون بمثابة الرد الحضاري من قبل مسلمي الغرب على كارثة الحادي عشر من سبتمبر، كما سيكون إعلانا عن مرحلة تاريخية جديدة في حياة أبناء الأقليات المسلمة، يحتل فيها الطموح الاقتصادي الرفيع مكانة سامية.
ويتطلع الناشط المسلم إلى تحمس البنوك الإسلامية لتمويل المشروع، خصوصا البنك الإسلامي الذي نشأ في بريطانيا مؤخرا، والذي يطمح القائمون عليه على توسيع تجربته لتشمل بلدانا أوربية وغربية أخرى..
إن الأمة تتطلع إلى شيء ترفع نحوه رأسها، هكذا تكلم ذات مرة محاضير محمد رائد النهضة الماليزية الحديثة.
كاتب وباحث تونسي مقيم في هولندا
|