|
| الأدوات المنزلية أكثر السلع التي ينصب عليها التقسيط
|
القاهرة- إذا أسرف فيه الناس أصبح عدوا، أما إذا تعاملوا معه باعتدال أصبح صديقا لهم.. إنه "التقسيط" الذي يعد من الظواهر الاقتصادية الهامة في المجتمع المصري؛ خاصة مع تدني دخول الأفراد وارتفاع الأسعار، وفي الوقت نفسه ارتفاع الأسقف الاستهلاكية للناس والرغبة في اقتناء سلع لا يستطيعون أن يدفعوا ثمنها دفعة واحدة فيقسطونها على عدة أشهر ويستفيد البائع من الفارق بين الثمن الفوري والثمن المؤجل.
وحتى وقت قريب كان التقسيط يقتصر على شراء بعض السلع المعمرة، ولكننا نجد مؤخرا أنه انضم إلى هذه القائمة التعليم الخاص، والدروس الخصوصية وقروض الزواج والعقارات، بالإضافة إلى السلع التقليدية مثل الملابس والأحذية والأثاث وعمليات الصيانة بالمنازل، بل إن أداء فريضة الحج دخل نظام التقسيط.
وتؤكد الدراسات التي أجرتها الغرفة التجارية بالقاهرة والمراكز الاقتصادية خلال السنوات الثلاث الماضية أن أكثر من 50% من المجتمع المصري من ذوي الدخول المنخفضة أو المحدودة أجبرتهم ظاهرة ارتفاع الأسعار على التعامل بالتقسيط في كل شئون حياتهم. بل إن اللافت للنظر أن البيع بالتقسيط لم يعد مقصورا على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، بل أصبح شيئا عاديا ومتعارفا عليه بين أبناء الطبقة الغنية، ولكن نوعيات السلع هنا مختلفة بكل تأكيد.
فوائد.. فوائد
ولنظام التقسيط فوائد اقتصادية عديدة، يشرحها الدكتور محسن خضيرى الخبير الاقتصادي المصري بقوله: إن هذا النظام يعمل على زيادة فرص الاستهلاك وتوسيع مداه وتعميق أثره على الاقتصاد القومي، بحيث إن كل ما ينتج يباع بمعدلات سريعة، كما أنه يعمل على إيجاد نوع من الارتباط التعاقدي طويل المدى مع المستهلكين.
كما يعمل أيضا على إيجاد وسائل تنشيطية تمويلية لضخ وسائل دفع متنوعة تزيد من المعروض النقدي وتحقق الانتعاشة الدائمة والرواج المستمر وتغطية الآثار السلبية للدورة الاقتصادية، خاصة في أوقات الانكماش، والارتقاء بمستوى معيشة المواطن، ويحقق التوظيف الدائم لقوى الإنتاج بشرط أن تكون الأقساط مناسبة لدخل الفرد المصري (1300 دولار سنويا بأسعار صرف عام 2002 -وفقا لتقديرات دولية).
الركود والتقسيط
ولجأ التجار المصريون إلى البيع بنظام التقسيط منذ فترة الانفتاح في السبعينيات للاستفادة من الموجة الاستهلاكية التي نشأت جراء الانفتاح على الغرب، وتوسع هذا النظام بشكل كبير في عقدي الثمانينيات والتسعينيات.
وفي السنوات الأربع الماضية، وجد هؤلاء التجار في التقسيط فرصة هامة للتغلب على نقص المبيعات في السوق المصري، ومواجهة أزمة السيولة والركود. وكما يقول الدكتور محمد عبدالحليم عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، فإنه لا سبيل أمام الناس لشراء احتياجاتهم أو أمام التجار لتصريف إنتاجهم سوى البيع بالتقسيط.
ونظرا لأهميته الاقتصادية، فقد أباح الإسلام البيع التقسيط بشروط. يقول الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي مصر:
إن جمهور الفقهاء أباح هذا النظام، وأباح أن يكون الثمن المؤجل أعلى من الثمن المدفوع فورا، وذلك لأن الثمن المدفوع فورا يمكن الانتفاع به في معاملات تجارية أخرى، أما الثمن المؤجل فإنه لا يتأتى فيه ذلك، وهذا النوع من المعاملات ليس داخلا في نطاق (الربا) المحرم، ومع ذلك فإنه يجب مراعاة أن تكون المعاملات التي من هذا النوع معاملات سليمة مبنية على الصدق والأخلاق، فلا يجوز أن تستغل حاجة المشتري للسلعة بأن يرفع البائع الثمن كما يريد مضاعفا الكسب أضعافا مضاعفة، فإن ذلك -فضلا عن كونه إثما من وجهة النظر الأخلاقية- لا يجوز شرعا، وإن التاجر الذي يراعي حق الله تعالى ويراعي واجبات الخلق الكريم ينعم بالبشرى التي أعلنها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله "التاجر الصادق يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء"، والبيع بالتقسيط جائز في جميع السلع التي أحلها الله تعالى، لا فرق بين سلعة وأخرى. (لمزيد التفصيل انظر: فتاوى حول التقسيط).
تنظيم قانوني
ويحدد القانون المصري عددا من الضوابط لنظام البيع بالتقسيط، منها: أنه إذا لم يدفع المشتري أحد الأقساط المتفق عليها، فلا يجوز الحكم بفسخ البيع إذا تبين أنه قام بتنفيذ 75% من التزاماته. وأيضا إذا احتفظ البائع بملكية البيع حتى أداء أقساط الثمن كلها اكتسب المشتري هذه الملكية بأداء القسط الأخير، ويتحمل المشتري تبعة هلاك البيع من وقت تسليمه إليه، كما لا يجوز للمشتري التصرف في السلعة قبل أداء الأقساط جميعها إلا بإذن مكتوب من البائع. ويعاقب المشتري عند مخالفة هذه القوانين بالحبس مدة لا تتجاوز 6 أشهر وبغرامة 500 جنيه (الدولار= 6.20 جنيهات بالأسعار الرسمية) أو بإحدى هاتين العقوبتين.. وتأمر النيابة بوقف تنفيذ العقوبة إذا تم الصلح أثناء تنفيذها ولو بعد صدور الحكم باتا.
مشكلات.. مشكلات
غير أن هناك عدة مشكلات بدت في نظام التقسيط عند تطبيقه في المجتمع المصرى، أبـرزها -وفقا للدكتور محمد عبدالحليم عمر- أنه لا توجد معايير واضحة ومحددة للمبالغ التي يضيفها التاجر على السلعة التي يتم تقسيط ثمنها. كما أن توقف عدد كبير من البنوك عن تمويل وإقامة معارض السلع المعمرة وغيرها من السلع التي يحتاجها عدد كبير من المواطنين أدى إلى زيادة حالة الكساد والركود، والأسوأ من ذلك أن بعض المواطنين يشتري السلعة بالتقسيط ثم يقوم ببيعها بسعر يقل كثيرا عن قيمتها الحقيقية، وهي ظاهرة نطلق عليها "حرق السلع".
ويوضح مصطفى زكي -رئيس شعبة المستوردين باتحاد الغرف التجارية- نظام حرق الأسعار بقوله: إن البعض يستغل نظام التقسيط ليس بهدف اقتناء السلعة والانتفاع بها وإنما لإعادة بيعها مرة أخرى بيعا فوريا ونقدا أو ما نطلق عليه أسلوب الحرق.. فمثلا يشتري المواطن ثلاجة بالقسط فيدفع 100 جنيه مقدما على أن يدفع بعد ذلك 50 جنيها شهريا لمدة 20 شهرا، وبعد حصوله على الثلاجة يبيعها نقدا بمبلغ 700 جنيه فقط.
ولا تقتصر سلبيات التقسيط على ذلك، بل تمتد أيضا إلى تحصيل الأقساط نفسها. يقول محمد إسماعيل -رئيس شعبة الآلات والمستلزمات الطبية باتحاد الغرف التجارية بالقاهرة: إنه مع زيادة عمليات البيع بالتقسيط بشكل غير طبيعي -يفوق أحيانا كثيرة دخل المواطن- بدأت تظهر صعوبات التحصيل؛ وهو ما دفع التجار إلى أخذ ضمانات على المستهك مثل الكمبيالة أو الشيك. غير أن هذه الضمانات نفسها بدت بها ثغرات قانونية استغلها كثير من الناس خاصة في مسألة الشيكات.
الإسراف والغش
ويتفق معظم الخبراء على أن ثمة حالة من الإسراف في شراء السلع بالتقسيط في المجتمع أدت إلى اهتزاز ميزانية الأسر المصرية، خاصة أن البعض تحولت لديه هذه الظاهرة من تلبية احتياجاته الأساسية إلى شكل من أشكال المظهرية دون تقدير لدخله الحقيقي، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى تعمق القيم الاستهلاكية في المجتمع؛ حيث أضحى استهلاك معين يرتبط بالمكانة الاجتماعية للشخص نفسه.
الغش هو الآخر أصبح إحدى سلبيات نظام التقسيط. يشير الدكتور عبد المنعم عوض الله -الأستاذ بكلية تجارة جامعة القاهرة- إلى ضرورة تطبيق قوانين الغش التجاري في نظام البيع بالتقسيط، حتى لا يصبح وسيلة غير شرعية أو بابا خلفيا لترويج المنتجات الراكدة.
ويؤكد أن المحدد الرئيسي في البيع بهذا النظام يجب أن يكون هو الفرق ما بين الفائدة المحملة على القسط وفائدة الاقتراض من البنوك التجارية للقروض قصيرة الأجل، فإذا كانت هذه الفائدة قريبة من فائدة التقسيط فليس هناك ما يمنع تشجيعه، ولكن إذا كانت فائدة عالية فسوف يصبح القسط ضررا للتاجر؛ لأنه لن يتمكن من تصريف بضاعته.
ويطالب د. عبد المنعم بضرورة الإفصاح عن كل ما يرتبط بالسلعة كالفرق بين سعر بيعها الفوري أو بالتقسيط، ومميزاتها وخواصها التي تحدد مدى قدرة السلعة على البقاء والمنافسة في السوق.
البنوك بريئة
ورغم انتشار ظاهرة التقسيط فإن معظم البنوك المصرية فضلت الابتعاد عن هذا النظام إلا من خلال القروض التي تعطيها للمستهلك مباشرة وبضمانات محددة. يقول أحد مديري الائتمان ببنك ناصر الاجتماعي: لقد ظهرت عدة سلبيات مع تعميم نظام منح القروض للنقابات والهيئات، منها أن عددا من إدارات شئون العاملين والإدارات العليا أكدت أنها لا تعلم شيئا عن هذه القروض التي تأخذها الجهات النقابية التابعة لها، وبالتالي ظهرت مشاكل التعثر في السداد، كما أن بعض هذه الجهات كانت تعاني من عدم وجود سيولة للسداد لأنها كانت تقوم بخصم الأقساط من موظفيها ولا توردها للبنك، واكتشفنا أنه في حالات عديدة يتم حرق السلع وبيعها بالخسارة.
ويتابع مدير الائتمان قائلا: "بالتالي قرر البنك الاعتماد على الأسلوب الفردي.. بمعنى أن كل من يحتاج لسلعة معمرة.. نعطيها له ويخصم القسط المستحق من مرتبه مباشرة، ويحول إلى البنك بشرط وجود زميل ضامن له، وفي حالة الأعمال الخاصة يشترط وجود ضامن من جهة حكومية، وهكذا لم تعد هناك مشاكل في التحصيل أو الضمانات".
حل مشكلات التقسيط
ولحل هذه المشكلات، يقترح رئيس شعبة الآلات والمستلزمات الطبية باتحاد الغرف التجارية بالقاهرة، إنشاء هيئة اقتصادية مستقلة تكون لها فروع في مختلف محافظات الجمهورية على غرار هيئة البريد، تقوم هذه الهيئة بتحديد نسبة معينة من دخل الفرد -كل فرد على حسب دخله- بحيث لا تتجاوز الأقساط التي سيدفعها الفرد هذه النسبة شهريا، وتصدر هذه الهيئة كمبيالة تكون لها أحكام تضمن حقوق التاجر وتنظم العملية بأكملها، وبذلك يتم التحكم في عمليات البيع والشراء بالتقسيط بشكل علمي وبضوابط يصعب التحايل عليها.
بينما يشترط الدكتور محسن خضيري لضمان نجاح نظام البيع بالتقسيط وجود هيكل متكامل من المؤسسات لكل منها وظيفة متكاملة مع الأخرى، وأهم هذه المؤسسات هي مؤسسات منح بطاقات الائتمان والدفع والشراء بالسداد المؤجل، ومؤسسات تقوم بعمليات تصنيف وترتيب للمديونيات على الشركات المانحة للائتمان والبيع بالتقسيط، ومؤسسات الخصم وإعادته للأوراق المتداولة في هذه العمليات ذات الطبيعة الخاصة التي من خلالها نستطيع إيجاد الثقة وضخ وسائل دفع جديدة للشركات المختلفة.
وبشكل عام فإن التقسيط من الوسائل التي لا يمكن تجاهلها في أي اقتصاد، وهنا ينبغي أن ننادي بضرورة وجود وسيلة تحمي الائتمان الذي يمنحه البائع للمستهلك.
صحفي اقتصادي .
|