|
يلجأ عدد من المسئولين المصريين إلى التلاعب بأرقام المؤشرات الاقتصادية كوسيلة لتقليل أثر تفاقم تردي تلك المؤشرات خلال السنوات الأخيرة، ويمتد ذلك إلى أرقام البطالة والفقر والتضخم والدين العام المحلي وعجز الموازنة والإيرادات السياحية والاستثمار الأجنبي المباشر والاستثمار المحلي؛ وهو ما أسفر عن فجوة كبيرة بين الواقع الحقيقي للاقتصاد المصري والأرقام الرسمية التي يتم الإعلان عنها.
ولقد ظل البنك المركزي المصري ينشر أرقام الدين العام المحلي خلال السنوات الماضية باعتباره الدين الذي يشمل 3 مكونات هي: الدين الحكومي، ومديونية الهيئات العامة الاقتصادية، وتوظيفات بنك الاستثمار القومي للقطاع العام والخاص والقروض الميسرة التي يقدمها.
إلا أنه مع نمو قيمة الدين العام المحلي بشكل متزايد نتيجة تزايد العجز بالموازنة، وحالة الركود بالسوق المحلية لجأت وزارة المالية إلى وسيلة حسابية لتقليل أرقام الدين المحلي؛ حيث اعتبرته يقتصر على الدين الحكومي فقط.
بينما اعتبرت وزارة التجارة الخارجية الدين العام المحلي مكونا من الدين الحكومي، ومديونية الهيئات الاقتصادية، إلا أن البنك المركزي ظل على نفس منهجه باعتبار الدين العام المحلي مكونا من ديون الحكومة والهيئات الاقتصادية وبنك الاستثمار القومي.
ومن هنا فإنه في نهاية مارس 2004 كانت قيمة الدين المحلي 284.156 مليار جنيه مصري (الدولار= 6.20 جنيهات مصرية) حسب تعريف وزارة المالية له بنسبة 62.1% من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 457.5 مليار جنيه.
وهكذا تبدو نسبة الدين المحلي إلى الناتج أنها في الحدود المقبولة دوليا؛ ومن هنا فإن تلك النسبة كانت هي التي يتم استخدامها في التصريحات الرسمية لرئيس الوزراء السابق عاطف عبيد.
بينما بلغ الدين المحلي 322.388 مليار جنيه حسب تقرير وزارة التجارة الخارجية بنسبة 70.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وحسب البنك المركزي -وهو الرقم الصحيح علميا- 404.555 مليارات جنيه بنسبة 88.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة التي تشير للدخول في مرحلة خطرة، إلا أنها نسبة لا يتم تداولها رسميا.
أسعار ثابتة بمؤشر الأسعار
وفي أواخر يناير 2003 أعلنت الحكومة قرارها الذي أسمته "تحرير سعر الصرف"، وأسفر القرار عن موجة عامة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات بالسوق المصرية كانت مثار شكوى المواطنين، إلا أن مؤشر الأسعار القياسية لأسعار المستهلكين بالمناطق الحضرية الذي يعده الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء -وهو الجهاز الرسمي المسئول عن أي بيانات عامة- لم يعبر عن النسب الحقيقة لما حدث من زيادات بالأسعار؛ حتى إن أعلى رقم شهري لهذا المؤشر كان بنسبة 5.5% بالمقارنة بنفس الشهر من عام 2002.
كما بلغ متوسط الرقم القياسي الذي يعبر عن تغيرات الأسعار لعام 2003 نحو 4.2% فقط، وهو أمر خالف تماما واقع الزيادة السعرية التي تبدو وكأنها لم تستثن سلعة شعبية من الارتفاع؛ مثل الأرز والزيت والمكرونة والسكر واللحوم والدواجن وغيرها؛ حتى اضطرت الحكومة لإضافة 5 سلع إلى البطاقات التموينية التي توزَّع بها سلع مدعمة على حوالي ثلثي عدد السكان.
ويرجع عدم تعبير مؤشر أسعار المستهلكين عن واقع السوق نظرا لاحتواء عينة السلع والخدمات التي يتم احتساب المؤشر عليها على سلع بأسعار غير واقعية، أبرزها السكر والزيت كسلع دائمة الاستخدام، إلا أنه يتم احتساب سعرهما حسب البطاقات التمونية وهو السعر الثابت منذ سنوات، بينما تحركت أسعاره بالسوق لعدة أضعاف هذا السعر التمويني، خاصة أن الكميات التموينية المقررة كميات قليلة لا تكفي احتياجات الأسر؛ وهو ما يضطرها لشراء كميات من السوق لمواجهة احتياجاتها.
مثال آخر: هو دخول أسعار المساكن القديمة ضمن مكونات مؤشر الأسعار، بينما لا يتم أخذ أسعار السوق بالنسبة للشقق الجديدة التي تزيد كثيرا عن أسعار الشقق القديمة.
عدة أنواع لعجز الموازنة
وظل رقم عجز الموازنة حسب قانون الموازنة المصرية يمثل الفارق بين الإيرادات والمصروفات بالموازنة، إلا أنه مع تزايد قيمة العجز بالموازنة الذي بلغت الأرقام التقديرية له 52.356 مليار جنيه بالعام المالي 2004/2005، تمثل أكثر من نسبة 10% من الناتج المحلي.. لجأت وزارة المالية إلى وسيلة فنية لتقلل بها رقم العجز؛ وبالتالي تنخفض نسبته إلى الناتج المحلي. فقد أضافت إلى أرقام إيرادات الموازنة العامة للدولة أرقام بنك الاستثمار القومي، وهيئة السلع التموينية وصناديق المعاشات؛ وهو ما زاد الإيرادات، وبالتالي يقل عجز الموازنة ونسبته إلى الناتج المحلي.
ومن خلال الأرقام الأولية غير الختامية لموازنة العام المالي 2002/2003 كان إجمالي الموارد والمنح بالموازنة العامة 86.484 مليار جنيه، بينما زادت تلك الموارد بعد إضافة بنك الاستثمار وهيئة السلع التموينية وصناديق المعاشات إلى 115.55 مليار جنيه.
وانعكس ذلك على قيمة عجز الموازنة الذي بلغ 25.429 مليار جنيه بنسبة 6.1% من الناتج المحلي؛ حيث انخفض إلى 9.949 مليارات جنيه بنسبة 2.4% من الناتج المحلي، وتلك هي النسبة التي استخدمها وزير المالية السابق مدحت حسنين في تصريحاته الإعلامية.
وسيلة أخرى لجأ إليها مسئولو وزارة المالية بالخروج بتعريفات إضافية للعجز؛ حيث ظل المتعارف عليه هو التعامل مع العجز الكلي للموازنة، إلا أنه خلال السنوات الأخيرة تم التركيز على ذكر العجز الصافي فقط؛ أي العجز الذي يتم تمويله من خلال أذون الخزانة والسندات الحكومية.
وفي العام الحالي جاءت وزارة المالية ببدعة جديدة هي العجز مستبعدا منه الأقساط المطلوب سدادها خلال العام، وفي العام المالي 2004/2005 بلغ العجز الكلي 52.356 مليار جنيه. والعجز بعد استبعاد الأقساط 39.868 مليار جنيه، والعجز الصافي 37.470 مليار جنيه، وهو النوع الذي فضل مسئولو الوزارة استخدامه خلال تصريحاتهم عن عجز الموازنة لانخفاض نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي.
إيرادات السياحة
وعند احتساب الدخل السياحي ظل البنك المركزي يحسبه من خلال حصر المبالغ التي يقوم الأجانب بتغييرها خلال تعاملاتهم مع المنافذ الخاصة بعمليات الصرافة بالمطارات والمواني وأماكن تواجدهم، إلا أن وزارة السياحة -لأسباب خاصة- ابتكرت أسلوبا آخر لحساب الدخل السياحي من خلال تقدير قيمة متوسطة الإنفاق اليومي للسائح، وضرب تلك القيمة في عدد الليالي السياحية التي قضاها السياح بمصر، وهي أرقام لا تلقى قبولا من المتخصصين.
ففي العام المالي 2001/2002 كان متوسط إنفاق السائح الذي حددته الوزارة 120 دولارا يوميا، في الوقت الذي شهد فيه هذا العام أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتأثيراتها السلبية على السياحة؛ وهو ما أدى إلى انتشار ظاهرة حرق الأسعار بالسوق السياحية؛ حتى إن منشآت سياحية انخفضت أسعارها إلى نحو 10 دولارات في الليلة إلى جانب تدني أسعار سياحة الشارتر التي تنتشر في مدن جنوب سيناء والغردقة.
ومن ناحية أخرى لا يجد هذا المتوسط قبولا من خلال نوعية السياح الداخلين لمصر؛ حيث يتم اعتبار كل أجنبي تزيد فترة إقامته عن الأربع والعشرين ساعة سائحا؛ وهو ما يعني اعتبار شرائح فقيرة من الباحثين عن عمل من الأفارقة سياحا بينما يقومون ببيع بعض السلع التقليدية على أرصفة الميادين الرئيسية بعواصم المدن الرئيسية. ونفس الأمر للسودانيين الذين يحضرون لزيارة أقاربهم والإقامة لديهم، وكلها فئات ذات إنفاق محدود؛ بل إنها تمثل عبئا على الاستهلاك المحلي باستهلاك الخبز المدعم والمواصلات العامة المدعمة.
الصادرات والواردات غير صحيحة
وترتبط مسألة عدم دقة أرقام الدخل السياحي بالتأثير على دقة أرقام ميزان المدفوعات؛ ففي عام 2002/2003 كان متوسط إنفاق السائح اليومي 115 دولارا ليصل الدخل السياحي إلى 3.796 مليار دولار. وفى الربع الأول من العام المالي 2003/2004 انخفض متوسط الإنفاق للسائح إلى 75 دولارا دون حدوث تغييرات جوهرية على الساحة السياحية الداخلية أو العربية أو الدولية ما بين شهري يونيو 2003 وسبتمبر 2003.
وهكذا.. ففي حالة تطبيق رقم 75 دولارا للسائح على العام المالي 2002/2003 فإن هذا يعني انخفاض الدخل السياحي لمصر بنحو 1.320 مليار دولار في ذلك العام الذي حقق ميزان المدفوعات خلاله فائضا بلغ 546 مليون دولار؛ أي أنه مع احتساب الدخل السياحي بعد تخفيضه سيتحول الفائض بالميزان الكلي للمدفوعات إلى عجز يبلغ 774 مليون دولار.
وداخل بنود ميزان المدفوعات فإن مسألة عدم الدقة لا ترتبط فقط بأرقام الدخل السياحي، ولكن أيضا بالأرقام الواردة عن دخل الصادرات السلعية ومدفوعات الواردات.
ففي ظل الاتجاه الحكومي لإلزام المصدرين بتوريد نسبة 75% من حصيلة الصادرات بالعملة الأجنبية للبنوك؛ فقد اتجه المصدرون إلى خفض قيمة تلك السلع التي يتم تصديرها بالفواتير لتفادي توريد تلك النسبة من الحصيلة، ومن هنا فإن الأرقام الحقيقة للصادرات تزيد عن الأرقام المعلنة.
وعلى الجانب الآخر فإنه لأغراض دفع جمارك أقل يلجأ المستوردون إلى خفض قيمة السلع المستوردة في الفواتير؛ وهو ما يعني أن القيمة الحقيقية للواردات ليست هي الأرقام المعلنة. ويؤكد ذلك تضارب أرقام التجارة الخارجية التي تعلنها مصر، ويعلنها كل من الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة عن تجارة مصر مع كل منهما.
ففي عام 2003 كان رقم الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة الأمريكية حسب البيانات المصرية 527 مليون دولار، وحسب المصادر الأمريكية 1.144 مليار دولار. كما بلغ رقم الواردات المصرية من الولايات المتحدة حسب المصادر المصرية 1.270 مليار دولار وحسب المصادر الأمريكية 2.660 مليار دولار.
وفى عام 2002 كانت قيمة الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد الأوربي 1.535 مليار دولار حسب البيانات المصرية، و2.872 مليار دولار حسب المصادر الأوربية. كما بلغت قيمة الواردات المصرية من دول الاتحاد الأوربي حسب البيانات المصرية 2.096 مليار دولار، وحسب البيانات الأوربية 4.841 مليار دولار.
تراجع الاستثمارات الأجنبية
أيضا مع تراجع قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر خلال السنوات الأربع الأخيرة لا يتم الإعلان عما تتضمنه تلك الأرقام من استثمارات بالبورصة المصرية؛ وهو ما يجعلها أرقاما غير دقيقة؛ حيث انخفض صافي تدفقات الاستثمارات المباشرة (أي في صورة مشروعات) في مصر من 1.656 مليار دولار عام 99/2000 إلى 509 ملايين بالعام التالي، ثم إلى 428 مليونًا عام 2001/2002 ليرتفع الرقم إلى 701 مليون دولار عام 2002/2003.
إلا أن تحليل رقم العام المالي الأخير يشير إلى احتوائه على تعاملات للأجانب في البورصة المصرية على أسهم شركات مصرية بنسبة تزيد عن نسبة 10% من أسهم تلك الشركات؛ وهو ما يضع تلك التعاملات في خانة الاستثمارات المباشرة حسب تعريفات صندوق النقد الدولي.
وأشارت أرقام البنك المركزي إلى أن مشتريات الأجانب بثلاث شركات بالبورصة ينطبق عليها ذلك بلغت 345 مليون دولار؛ أي أن صافي الاستثمارات المباشرة الحقيقية بلغت 356 مليون دولار فقط.
والغريب أن أرقام تعاملات الأجانب بالبورصة التي تزداد نسبتها عن الـ 10% حسب بيانات الهيئة العامة لسوق المال تزيد عن رقم الأربعمائة مليون دولار، لكنها لا تعلن تلك الأرقام خشية التصادم مع الجهات الأخرى.
والمحلية أيضا
وشهدت الاستثمارات المحلية تناقصا في عدد الشركات التي يتم تأسيسها سنويا والتي استمر معدل انخفاضها منذ عام 1998 وحتى العام الأخير؛ حيث بلغ عدد الشركات الجديدة عام 1998 نحو 4156 شركة لتنخفض إلى 3894 شركة بالعام التالي، ثم إلى 3258 شركة عام 2000، ثم تستمر في التراجع إلى 2772 بالعام التالي، وتواصل انخفاضها إلى 2286 عام 2002، ثم تصل إلى 2628 بالعام الماضي.
وارتبط ذلك بتراجع رءوس الأموال للشركات التي تم تأسيسها؛ حيث انخفضت رءوس أموال الشركات التي تم تأسيسها طبقا لقانون الاستثمار من 25.314 مليار جنيه مصري عام 1998 إلى 20.583 مليار جنيه بالعام التالي، ثم إلى 9.302 مليارات جنيه عام 2000، واستمر المعدل في التراجع إلى 6.899 مليارات جنيه بالعام التالي، وبلغ 6.911 مليارات جنيه في عام 2002 لينخفض إلى 5.840 مليارات جنيه بالعام الماضي.
إلا أن الهيئة العامة للاستثمار -لأغراض تجميل الصورة- لجأت خلال العام الماضي إلى إضافة قيمة زيادات الأموال وتوسعات الشركات خلال العام الماضي البالغة 8.583 مليارات جنيه إلى الرقم الأصلي البالغ 5.840 مليارات جنيه ليصل الرقم التجميلي 14.693 مليار جنيه؛ ليبدو وكأن هناك طفرة قد تحققت خلال العام الأخير، رغم أن الصورة الحقيقية تشير إلى استمرار التراجع خلال السنوات الست الأخيرة، كما أن قيمة الجنيه التي يتم احتساب رءوس الأموال بها تدهورت إلى حوالي النصف خلال تلك الفترة بما يشير لحدة التراجع في الاستثمارات المحلية.
وهكذا امتدت عمليات التجميل الحكومية إلى أرقام البطالة؛ لتصل إلى مليوني عاطل خلال العام المالي 2002/2003؛ أى بنسبة 9.9% من قوة العمل، وهي أرقام لا تلقى قبولا من أحد في ظل أزمة البطالة الخانقة بالاقتصاد المصري مع تزايد الطاقات العاطلة بالمصانع، وتزايد أعداد المصانع التي أغلقت أبوابها، ونفس الأمر لمعدلات الفقر المعلنة التي أشار وزير التخطيط إلى انخفاضها مؤخرا، رغم ما حدث من زيادة كبيرة في الأسعار زادت من عدد الفقراء.
ولقد احتوى تقرير لجنة الشئون المالية والاقتصادية بمجلس الشورى المصري حول موازنة خطة عام 4004/2005 على العديد من التحفظات حول ما يتم إعلانه من أرقام تخص أداء الخطة، ومعدل النمو والمبالغة في حجم الاستثمارات المتوقعة، وخاصة عدم تحقيق القطاع الخاص لما تم تحديده من أرقام لاستثماراته.
وفى ظل تلك الأرقام التي لا ترتبط بواقع الناس انصرف الناس عنها، وزادت فجوة الثقة بينهم وبين وزراء المجموعة الاقتصادية في وزارة د.عاطف عبيد؛ لأن الاقتصاد الذي يعيشونه يختلف كثيرا عن الصورة الوردية التي تحلمها أرقام تصريحات المسئولين.
تابع في الملف:
صحفي اقتصادي، نائب رئيس تحرير صحيفة الأهرام المصرية للشئون الاقتصادية، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بصفحة نماء namaa@iolteam.com
|