|
يسد تقرير التنمية الإنسانية العربية على العرب أي منفذ للهروب، حتى لو كانت نفوسهم مكدودة جدّا، لكي ينهال عليهم التقرير برقم بعد آخر مما يزيد شعورهم بالكدّ والنكد.
من ذلك مثلا ما فعله تقرير عام 2002 من مقارنة الناتج القومي الإجمالي للدول العربية بالناتج القومي الإجمالي لأسبانيا، وقوله: إن مجموع الناتج القومي للاثنتين وعشرين دولة عربية هو أقل من الناتج القومي الإجمالي لدولة واحدة هي أسبانيا.
وهو قول صحيح، ولكن قوله هكذا مجردا من أي تفسير أو توضيح، ومحاطا من كل جانب بالانتقادات وذكر النقائص واحدة بعد الأخرى لا ينطوي على أكثر من عملية إذلال وإهانة للعرب وتقديم سلاح جديد ليستخدمه أعداؤهم للإمعان في إهانتهم وإذلالهم. وهذا هو ما حدث بالفعل، إذ لم يفت أي شخص من المهتمين بالتشهير بالعرب في الغرب -وفي بلادنا على السواء- استخدام هذه المقارنة مع الإشارة إلى أن مصدر هذه المعلومة تقرير كُتب بأيدي عرب مرموقين، ومصادر عن هيئة دولية!!.
لقد اختار كاتبو التقرير أسبانيا بالذات؛ لأنها دولة لا تقترن في الذهن بالتقدم الاقتصادي الباهر، ومن ثم فتفوقها على 22 دولة عربية مجتمعة لا بد أن ينطوي على إذلال أكبر للعرب. ولكن هذا الانطباع المهين ينطوي أيضا على قدر كبير من التضليل.
فكثرة عدد الدول العربية يستخدم هنا للإيحاء بالعجز رغم الكثرة، مع أن سبعا من هذه الدول العربية يقل عدد سكانها مجتمعة عن نصف عدد سكان أسبانيا. وزيادة الناتج القومي الأسباني على الناتج القومي للعرب يستخدم للإيحاء بالقوة والبأس من ناحية أسبانيا، والفشل والضعف من ناحية العرب، مع أن زيادة طفيفة في سعر النفط يمكن أن تجعل هذه المقارنة لصالح العرب.
والعبارة توحي على أي حال بأن هناك شيئا شاذّا في العرب جعل دولة واحدة كأسبانيا تتفوق عليهم جميعا، مع أن نفس المقولة تنطبق أيضا -وبدرجة أشد درامية- على دولة كالهند، إذ إن الناتج القومي لأسبانيا -التي لا يزيد عدد سكانها على 40 مليونا- يزيد على الناتج القومي للهند -التي يبلغ عدد سكانها 25 مرة قدر سكان أسبانيا- ولكن من حسن حظ الهند أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ليس مشغولا في هذه الأيام بالتشهير بالهند، بل يفضل التركيز على العرب.
تضليل بالصحف
هذه العملية من التضليل باستخدام الأرقام استمرت بالطبع في التقرير الثاني في 2003، فيعبر كاتبو التقرير عن حزنهم؛ لأن عدد الصحف في البلاد العربية "أقل من 53 لكل ألف شخص مقارنة بـ285 صحيفة لكل 1000 شخص في الدول المتقدمة"، وكذلك عن حزنهم لانخفاض عدد خطوط الهاتف إلى خُمس نظيره في الدول المتقدمة، ووجود أقل من 18 حاسوبا لكل 1000 شخص في المنطقة العربية مع المتوسط العالمي وهو 378 حاسوب لكل 1000 شخص، واقتصار عدد مستخدمي الإنترنت على 6.1% فقط من سكان الوطن العربي، وأن متوسط عدد الكتب المترجمة لكل مليون من السكان في الوطن العربي في السنوات الخمس الأولى من الثمانينيات 4.4 كتب (أي أقل من كتاب واحد في السنة لكل مليون من السكان)، بينما يبلغ 519 كتابا في المجر و920 كتابا في أسبانيا لكل مليون من السكان.
التقرير مليء بمثل هذه الأرقام والمقارنات، كما أنه يقول: إن فريق التقرير استطلع رأي عينة من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات العربية، في حالة المعرفة في بلادهم «فعبَّر المجيبون بوجه عام عن عدم رضاهم عن حال اكتساب المعرفة في بلادهم (متوسط درجة الرضا 38%)، بل إن رضاهم «عن مدى خدمة اكتساب المعرفة للتنمية الإنسانية» كان أقل قليلا (متوسط درجة الرضا 35%)». واستخلص التقرير من ذلك «استشعار حاجة شديدة لحفز اكتساب المعرفة في البلدان العربية».
كيف نقارن؟
ما القيمة الحقيقية لمثل هذه الأرقام والمقارنات واستطلاعات الرأي؟.. إنه من الممكن أولا توجيه انتقادات كثيرة إليها من الناحية الإحصائية البحتة. فعندما نقارن بين بلدين في استهلاك الصحف فلا تجوز نسبة عدد الصحف إلى السكان جميعا، بما في ذلك الأطفال وصغار السن الذين لا يتوقع منهم أحد قراءة الصحف، ويشكلون نسبة أكبر بكثير في بلادنا منها في "الدول المتقدمة".
وقل مثل ذلك عن استهلاك خطوط الهاتف أو الكتب المترجمة... إلخ. كما أن عدد النسخ المطبوعة أو الأجهزة المنتجة من كل هذه الأشياء لا يكفي للدلالة على عدد مستخدميها، إذ قد يقرأ النسخة أكثر من شخص، ويستخدم الهاتف في مكان بكثافة أكثر من استخدامه في غيره. ولكن كل هذا أقل أهمية من افتراض أن "التقدم" في هذه الأمور يعكس تقدما من الناحية الإنسانية. فما هو الشيء الرائع بالضبط في زيادة عدد قراء الصحف أو عدد المتحدثين من خلال الهاتف أو تضاعف عدد الكتب المترجمة؟.
إن كل هذه الأشياء لا تكاد تقيس إلا نفسها، أو بأقصى تقدير تقيس حجم القوة الشرائية، أما التقدم والتأخر الإنساني فالأفضل أن نقيسه بأشياء أخرى إذا كان من الممكن قياسه على الإطلاق.
أي فضل يجده كتّاب التقرير لشخص يقرأ في كل يوم صحيفة أو صحيفتين بالمقارنة بشخص آخر يفضل قضاء نفس المدة في الحديث مع جاره أو زميله أو فرد من أفراد أسرته؟ وكيف نقيس "التقدم" في استهلاك الصحف بعدد النسخ الصادرة منها بصرف النظر عما إذا كانت من نوع جريدة «الديلي ميرور» الإنجليزية، أو من نوع جريدة «الإندبندنت»، أو «الجارديان» الإنجليزيتين أيضا؟ فلنفرض إذن أن ضاعفت «الديلي ميرور» من عدد النسخ المطبوعة منها وانخفض توزيع الأخريين، بينما بقي توزيع الصحف كلها في البلاد العربية ثابتا على ما هو عليه.
إن هذا سوف يعني في نظر أصحاب تقرير التنمية الإنسانية العربية «تدهورا» في الوضع النسبي لحالة «المعرفة» في البلاد العربية يستدعي الحزن الشديد (بل وربما وجدت الإدارة الأمريكية في هذا سببا يستدعي تدخلا عسكريا من الرئيس بوش!). نعم، هذه بلاد متقدمة عنا في كثير من الأمور المهمة، ولكن هذا التقدم لا يشمل زيادة عدد النسخ المطبوعة من الصحف أو ساعات الإرسال التليفزيوني... إلخ.
والترجمة أيضا
أما عن عدد الكتب المترجمة فالأمر يحتاج إلى بعض التروي.. قد يتساءل القارئ للوهلة الأولى: هل المقصود الترجمة من اللغة العربية إلى لغة أجنبية أم العكس؟ لا بد أن المقصود هو العكس، إذ إن كاتبي التقرير لا شك يؤمنون بأن المحتاج إلى الترجمة هو نحن لا هم، حتى في ترجمته الأعمال الأدبية. فكما أنهم أكثر تقدما منا في العلم فلا بد أنهم أيضا أكثر تقدما منا في الأدب (وهو افتراض ليس صحيحا بالضرورة). ولكن أي لغة أجنبية يا ترى يقصدون؟ لا بد أنهم يقصدون الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية، لا اليابانية أو الصينية أو الكورية، فالأولى فقط هي على الأرجح الجديرة في نظرهم بالترجمة في العلم والأدب على السواء.
ولكن فلنفرض أنهم يقصدون الترجمة من أي لغة من اللغات إلى العربية، أفلا يجدر بنا أن نتروى بعض الشيء للسؤال عن نوع الكتب المترجمة ومضمونها؟.
هل يجب أن نُدخل في حسابنا كل الكتب، بما في ذلك القصص البوليسية وروايات الإثارة والتسلية بصرف النظر عن نفعها، على افتراض أن ترجمة أي كتاب لا بد أن تكون أفضل من عدمها.
وهل يا ترى تحتاج كل الأمم إلى الترجمة بنفس الدرجة؟.
إن التقرير يقارن البلاد العربية في مجال الترجمة بدولتين هما المجر وأسبانيا. ولكن المجر وأسبانيا دولتان أوربيتان تنتميان إلى نفس الأصل الثقافي ونفس الحضارة كسائر الدول الأوربية، ومن ثم فالقارئ المجري أو الأسباني قد ينفعل بروايات وقصص وشعر، بل وبتاريخ دولة أوربية أخرى أكثر مما ينفعل بها العربي.
قد يكون من المفيد أن يترجم كثير من الكتب العلمية بعيدة الصلة بنوع الثقافة والحضارة، ولكن ليس صحيحا أن العدد الأمثل للكتب المترجمة (لكل مليون من السكان) في دولة كالمجر أو أسبانيا هو نفسه العدد الأمثل لدولة عربية.
ولا يجوز أن نطالب القارئ العربي بأن يكون طلبه واستجابته لقراءة رواية فرنسية أو أمريكية بمثل قوة طلب أو استجابة القارئ المجري أو الأسباني.
فالأمر يتوقف على عوامل كثيرة، من بينها مثلا ما إذا كان تعليم المادة التي تنتسب إليها الكتب المترجمة يجري باللغة الأجنبية أو الوطنية، فإذا كان الطالب المجري أو الأسباني مثلا يدرس الطب أو الهندسة بلغته الأم (المجرية أو الأسبانية) بينما يدرس الطالب العربي بالإنجليزية أو الفرنسية فقد تكون حاجة الأول إلى ترجمة الكتب في هذه الموضوعات أكبر من حاجة الطالب العربي.
وكذلك إذا كان الاستعداد الطبيعي لدى القارئ المجري أو الأسباني لقراءة كتاب بلغة أجنبية وفهمه أقل من الاستعداد الطبيعي لدى الطالب العربي.. وهكذا.
لا شك مع كل هذا أن العامل الأساسي وراء انخفاض عدد الكتب المترجمة في البلاد العربية لمقارنة بالدول الأوربية هو عامل اقتصادي، يتعلق بفقر الدولة ككل وبسوء توزيع الدخل. هذا العامل لا يفسر فقط الاختلاف في عدد الكتب المترجمة بل في معظم المؤشرات الأخرى كاستهلاك الصحف والكتب بصفة عامة وجهاز الحاسوب... إلخ. ولكن متى أدركنا هذا أدركنا أيضا أن العيب الحقيقي هو في الفقر، وليس في قلة الكتب المترجمة أو قلة استهلاك الصحف أو التليفزيون... إلخ.
فلماذا لا يقول التقرير ذلك؟ ولماذا لا يُعطى هذا العامل ذو الأهمية الواضحة من التأكيد ما يعطيه هذا التقرير العجيب لأشياء أخرى كالاستبداد السياسي والتطرف الديني؟ هل السبب هو أن المطلوب هو التأكيد على الحماقة والغفلة أكثر من التأكيد على فقدان الاستقلال واستلاب الإرادة؟.
الأرقام والاستطلاعات
نأتي الآن إلى ذلك الجزء المتعلق «باستطلاع رأي بعض المثقفين العرب حول حال المعرفة»، وهو جزء طريف للغاية، ويحتوي على رسوم بيانية ملونة تلوينا جميلا. أما وجه الطرافة فهو أن كاتبي التقرير حاولوا في هذا الجزء دعم وجهة نظرهم في حال المعرفة بالبلاد العربية بالأرقام المستمدة من طريقة الاستبيان، واستطلاع الآراء، فواجهوا صعوبات إحصائية وفكرية جمة كان من شأنها أن تجعل أي عالم اجتماع عاقل يعدل عن هذا التمرين العقيم برمته، ولكن أصحاب التقرير لم يريدوا أن يضيعوا هذا المصدر المهم لإسباغ مظهر العلمية والموضوعية على ما يقولون، مما لا يأتي في نظرهم إلا باستخدام بعض الأرقام.
بدأ كاتبو هذا الجزء بتقديم مختلف الاعتذارات والتبريرات غير المقبولة لاستخدام ما حصلوا عليه من أرقام لا تدل على أي شيء ذي بال، من ذلك مثلا قولهم: إنه وإن كانت «عينة الاستطلاع ليست -للدقة- عينة مختارة بأسلوب احتمال سليم من مجتمع المثقفين العرب يمكِّن من التعميم المباشر إلى مجتمع المثقفين العرب»، وعلى الرغم من أن «آراء كل واحد منهم ذاتية بالقطع»، فإن «القيمة المعرفية للرأي الذاتي تزداد كلما زاد رأس المال المعرفي للفرد المعني، وفي حالة أعضاء هيئات التدريس بالجامعات على وجه التحديد تكتسب آراؤهم أهمية إضافية بسبب قدرتهم على المساهمة في تكوين رأس المال البشري عبر وظيفتهم في التعليم العالي».
إني أعترف للقارئ بأن هذه الفقرة أفادتني فائدة جمة؛ لأنها قدمت لي نموذجا ممتازا لكيفية استخدام الكلمات الضخمة والتعبيرات الفخمة لإخفاء ضحالة الفكرة أو خطئها أو كليهما معا. فالمجهود الذي يحتاجه القارئ لفك طلاسم مثل هذه الفقرة (ومثلها كثير جدّا في هذا التقرير) من شأنه أن يمنعه من أن يكتشف بسهولة أن المعنى المراد توصيله معنى سطحي للغاية وخاطئ في نفس الوقت، وهو الزعم أن مكانة أستاذ الجامعة وتأثيره في التلاميذ من شأنه أن يغفر للإحصائي عدم مراعاة المبادئ الإحصائية المعروفة، وأن يسمح له بأن يعلق أهمية على آراء شخصية قد لا تعبر عن رأي عام.
ما هي النتيجة على أي حال التي يصل إليها هذا القسم الإحصائي؟.
هي باختصار أن المجيبين على الاستبيان «بوجه عام» عبّروا عن «عدم رضاهم عن حال اكتساب المعرفة في بلادهم (متوسط درجة الرضا 38%) بل إن رضـاهم عن مدى خدمة اكتساب المعرفة للتنمية الإنسانية كان أقل قليلا (متوسط درجة الرضا 35%)».
وأنا مثل القارئ بالضبط في حيرة من أمري إزاء عدة أمور تتضمنها هذه الفقرة القصيرة:
1- فما المقصود بالضبط «بحال اكتساب المعرفة»؟.
2- وما معنى «مدى خدمة اكتساب المعرفة للتنمية الإنسانية»؟.
3- وما معنى درجة الرضا؟ وهل 38% تعتبر درجة منخفضة أم مرتفعة للرضا؟ وما هي النسبة التي يمكن أن «يرضى عنها» أصحاب التقرير؟.
4- وهل هناك أي مغزى لانخفاض متوسط درجة الرضا عن «مدى خدمة اكتساب المعرفة للتنمية الإنسانية» بمقدار 3 نقاط مئوية عن «متوسط درجة الرضا عن حال اكتساب المعرفة»..؟!!.
5- لو افترضنا أن سُئل أعضاء في هيئة التدريس في بعض الجامعات الأمريكية عن درجة رضاهم عن حال التليفزيون الأمريكي، ووجدنا أن متوسط درجة رضاهم هو 38% مثلا، فما الذي يمكن أن نستنتجه من هذا عن حالة التليفزيون الأمريكي، ومدى «خدمة اكتساب المعرفة المستمدة منه للتنمية الإنسانية» في المجتمع الأمريكي؟ هل نستنتج أن هذه الحالة جيدة أم سيئة؟.
6- وما هي درجة الرضا يا ترى التي كان يمكن أن يذكرها رجل مثل فولتير في عصر التنوير الأوربي عن حالة «اكتساب المعرفة» في فرنسا، وهل كانت ستختلف عن درجة رضاه عن «مدى خدمة اكتساب المعرفة للتنمية الإنسانية»؟.
7- وأخيرا، هل هذا علم؟ أم شبه علم؟ أم هو أقرب إلى عمل من أعمال الحواة؟ وما هو بالضبط الذي يضطرنا للصبر على قراءة مثل هذا الكلام؟.
تابع في الملف:
مفكر اقتصادي مصري.
*هذا المقال هو مختصر لمقال أكبر نشره الأستاذ الدكتور جلال أمين في مجلة الكتب.. وجهات نظر / مارس 2004.
|