|
| فقراء لكن سعداء
|
ليل نهار يحمل محمود عبد الباقي -46 عاما- هموم رزقه هو وأسرته، لكن مع ذلك تجده مبتسما مطمئنا.. منشرح الصدر.. يكفيه من السعادة أن يحصد يوميا حوالي 20 جنيها (الدولار= 6.18 جنيهات مصرية) من عمله كماسح أحذية في ميدان رمسيس في قلب العاصمة القاهرة... ساعتها يشكر ربه على ما رزقه، وينام مستقر البال.
يرى عبد الباقي أن سعادته لن تكتمل إلا بتعليم أطفاله الثلاثة ليعوض فيهم ما حرمته منه الأيام، ويلخص فلسفته عن الحياة وأعبائها الاقتصادية في كلمة واحدة كررها على أذني ثلاث مرات "الستر.. الستر.. الستر".
والستر يعني لماسح الأحذية وكذلك لدى معظم الناس في منطقتنا العربية خاصة في جزئها الفقير.. تلبية الاحتياجات الأساسية لهم من ملبس ومسكن وغذاء وتعليم، وعمل دائم؛ بما لا يجعلهم يمدون أيديهم للغير، وهذا يعادل عند خبراء الاقتصاد الغربي "حد الكفاف"، فمن تجاوز هذا الحد لا يصبح فقيرا.
تجاوز الستر
غير أنه مع ارتفاع الأسقف الاستهلاكية للناس ورضوخهم لضغوط وسائل الإعلام التي ضخمت تطلعاتهم دون قدراتهم، أصبح مفهوم السعادة لا يعني الستر، وأضحت هناك طموحات للأفراد تتجاوز مسألة الاحتياجات الأساسية؛ فأحمد السيد -21 عاما- الطالب بالفرقة الرابعة بكلية التجارة جامعة القاهرة، يرى أن طلب الستر في هذه الأيام يعني أن تسقط في هاوية الفقر، وعدم السعادة.
ويقول: إن السعادة عندي أن "أعمل في وظيفة محترمة براتب متميز بعد التخرج وأتزوج، وأسكن في منطقة مميزة وأشتري عربية آخر موديل وأولادي أدخلهم مدارس لغات وأسافر كل سنة أصيف في الساحل الشمالي...".
الشاب أحمد يرى أن أحلامه مشروعة حتى لو قال له زملاؤه ساخرين منه: "عليك أن تصحو من النوم..." ليذكروه بقسوة الواقع واشتداد حدة البطالة التي يصل معدلها إلى 9.9% خلال عام 2003 وفقا للأرقام الرسمية (أي 2.4 مليون مصري من إجمالي قوة العمل البالغة 18.5 مليون نسمة)، بينما الأرقام المستقلة تقول إن النسبة الحقيقية قد تصل إلى 15%.
إذن يجمل هذا الشاب دون أن يقصد مفهوم السعادة بمعناها الاقتصادي في المال والبنين وخلافه طبعا، ولكنه ربما نسي أن يتحدث عن الباقيات الصالحات التي هي خير عند ربك ثوابا، وخير أملا. وحينما ذكرت أحمد بما نسيه، قال لي: إن هذا النسيان طبيعي "فكل واحد أصبح لا يفكر إلا في نفسه وحياته الصعبة...".
اختراق ثقافي واقتصادي
|
|
د. إبراهيم علوش
|
د. إبراهيم علوش أستاذ الاقتصاد بالأردن يرى أن مفهوم "أحمد" للسعادة يكاد يكون متشابها مع نظرائه في مناطق أخرى في الوطن العربي، ويعتبر أن ذلك المنظور للسعادة هو نتاج لحالة الاختراق الثقافي والاقتصادي التي تتعرض لها أمتنا العربية؛ لأن السعادة بمنطق المنفعة الفردية البحتة ارتبطت في الاقتصاد الغربي بالاستهلاك، فكلما زاد الاستهلاك ازدادت منفعة الفرد، ومن ثم سعادته.
ووفقا لعلوش فإن ارتباط السعادة بالاستهلاك الفردي بدأ يظهر بعدما انتقلت الاقتصاديات الغربية من مرحلة التركيز على العرض إلى الطلب والاستهلاك. ولم يرتبط هنا التركيز على الاستهلاك بعدالة في التوزيع، بل ارتبط بتحقيق الرفاه للفرد، ومنفعته المباشرة.
ومع وصول الاقتصاد الغربي إلى نمط اكتفاء الحاجات الاستهلاكية التي تمت تلبيتها من خلال ما يسمى "بالإنتاج الكبير"، بدأت تحدث مشكلة -كما يقول علوش- وهي أن كل فرد يريد أن يشعر بتميزه وباختلافه عن الآخرين حتى يحقق سعادته، وبناء على ذلك تنوع الطلب، حيث أصبح هناك إنتاج متنوع لإشباع الحاجات المتميزة لكل فرد؛ فالمصانع تنتج ملايين البناطيل مختلفة الأشكال... إلخ.
وهكذا فالسعادة لم تعد مجرد اكتفاء من السلع، وإنما تنوع في الإشباع وتميزه، فلا يكفي أن تأكل طعاما تسد به جوعك.. وإنما نوعية الأكل وربما طريقة تقديمه وأمور أخرى.. وهذا التعريف للسعادة اخترق ثقافتنا العربية والإسلامية منذ عقود، وتعمق مع طوفان العولمة ليخلق أزمات اجتماعية في الأسرة ولدى الفرد الذي أصبح يشعر أنه مقصر وغير قادر على تلبية الاحتياجات الاستهلاكية التي تتدفق يوميا من كل حدب وصوب؛ وهو ما يجعله تعيسا، لا سيما أن الوضع الاجتماعي (البريستيج) أضحى مرتبطا في معظم دول المنطقة بنوعية ما يستهلكه الفرد.
سعادة الفرد أم المجموع؟
ويرى علوش أن رؤيتنا العربية سواء أكانت إسلامية أم اشتراكية أم غيرهما تقوم على أن سعادة الفرد قد تأتي من سعادة المجتمع، أي وجود عدالة مجتمعية. لكن د.أميمة أحمد صحفية بالجزائر ترى أن السعادة مفهوم روحي وفلسفي وهي تتعلق بالرضا عن الذات، أي بما حققه الإنسان من أهداف.
وتعتبر أميمة أن السعادة حتى بالمعنى الاقتصادي تختلف من إنسان إلى آخر، وكذلك من مستوى ثقافي أو اقتصادي إلى آخر؛ فالبعض يراها بمقتنيات الدنيا والبعض يراها في الانصراف للعبادة، وآخر بالانصراف للخمارة أو بيوت الدعارة وآخر بالسياحة، وأنا شخصيا أراها بالرضا عن النفس، والجميع يربطهم خيط البحث عن الحب، أن يشعر الإنسان أنه محبوب من حوله، وقادر على حب الآخرين.
التوازن بين الروح والجسد
الإسلام بدوره وضع مفهوما هو الآخر للسعادة بمعناها الاقتصادي، ويعرفها الدكتور حسين شحاتة الأستاذ بجامعة الأزهر الخبير الاستشاري في المعاملات الشرعية بأنها التوازن بين احتياجات الجسد واحتياجات الروح، وينبغي ألا يطغى كلاهما على الآخر.
ولهذا المفهوم -وفقا للدكتور شحاتة- أدلته العديدة من الكتاب والسنة، نذكر منها على سبيل المثال قول الله عز وجل: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص: 77).
لقد شخّص رسول الله صلى الله عليه وسلم المدلول الحقيقي للسعادة في قوله: "من أصبح منكم معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا" (رواه الترمذي وابن ماجه)، ويشير هذا الحديث إلى ضرورة التوازن بين تحقيق الأمن المعنوي الروحي، وبناء الجسد، وتوفير الطعام.
ساعة سعادة بـ140 دولارًا
وكنتيجة لاختلاف مفهوم السعادة في الثقافة الغربية عن العربية والإسلامية، فقد اختلفت بدورها طريقة العلاج إذا وقعت التعاسة، فعلى سبيل المثال في أستراليا تفتق ذهن شاب عن إنشاء معهد لتعليم الناس التعساء الشعور بالسعادة، بما يساعدهم على إنتاج أفضل في ميادين حياتهم المختلفة. ووفقا لتقرير بثته رويترز فقد رصد الشاب "تيموثي شارب" مؤسس المعهد 140 دولارا أمريكيا كثمن لتعليم ساعة السعادة.
ويقول شارب: "نبدأ مع الناس من الصفر ونحاول أن نضع أفكارا إيجابية في حسابهم ببنك السعادة".. ويحدد شارب السعادة الاقتصادية من وجهة نظره في العناصر التالية: المزاج المعتدل، وطبيعة الحياة، والعلاقات الشخصية.
ومعهد السعادة هو جزء مما يسميه خبير الاقتصاد الأمريكي بول زان بيلزر "ثورة العافية" Wellness Revolution، وفي كتابه الذي يحمل الاسم نفسه يقول بيلزر: إن صناعة التريليون دولار القادمة بعد السيارات وتكنولوجيا المعلومات ستكون في الأعمال الوقائية التي تساعد الناس على الوصول إلى السلام والصحة والسعادة.
ومع أن أغلب الناس في الغرب الآن أفضل ماليا كثيرا مما كان عليه آباؤهم أو أجدادهم فإن مستويات السعادة لم تتغير بما يعكس ذلك. وتظهر الدراسات الغربية أنه بمجرد توفر الاحتياجات الأساسية مثل المأوى والطعام فإن المزيد من المال لا يضيف سوى القليل من السعادة.
ويتفق مع هذه الرؤية الدكتور محمد يحيى اليماني أستاذ الاقتصاد بجامعة الإمام محمد بن سعود في مقال له بصحيفة الجزيرة، حيث يقول: إن ربط السعادة بالمال أمر غير حقيقي.. فلو صح أنه يمكن شراء السعادة بالمال لكان الأثرياء والأغنياء هم أكثر الناس سعادة وراحة، ولكان الفقراء هم أتعس من يعيش على الأرض، وينسحب المنطق نفسه على المجتمعات؛ فالغنية منها ستكون أسعد المجتمعات والفقيرة ستكون على النقيض، لكن الواقع لا يؤيد ذلك، فقد تنمو ثروات مجتمع ما، لكن هذه الزيادة لا تجلب مزيدا من السعادة ما لم تكن مصحوبة بعدالة في التوزيع.
ويرى اليماني أن هناك العديد من العوامل التي تشكل في مجموعها بالإضافة إلى الدخل والثروة ونمط توزيعها مقياسا للسعادة، منها الإيمان وطبيعته ومدى اقتناع الإنسان بما يؤمن به وتأثير ذلك على حياته اليومية، وهذا المعيار أدرك أهميته المسلمون وغيرهم، وكذلك وضوح الهدف من الحياة لدى الإنسان؛ إذ إن وضوح الهدف يجنبه التردد والإحباط الذي يشعر به مَن هدفه غير واضح في هذه الحياة.
وصايا إسلامية
ونظرا لاختلاف المعيار الإسلامي للسعادة الاقتصادية، فإن طريقة العلاج بدورها لأسباب فقدان السعادة تبدو مختلفة؛ فعادل الأنصاري صحفي مصري يرى أن السعادة الاقتصادية تتحقق للإنسان إذا أحب عمله وأحب الدور الذي يقوم به، ويزداد إحساسه بالسعادة عمقا إذا كان ناجحا في أداء رسالته التي قد تعوضه عن قلة المردود المادي أو ضعفه؛ فالإنسان يشعر بقيمته عندما ينجز أو يتميز في صنعته أو حرفته.
ويضيف أن السعادة تتعمق لدى الإنسان إذا ظهرت نتيجة العمل بصورة ملموسة؛ لذلك تجد الملمح النبوي الشريف الذي يتجلى في المطالبة بإتمام سعادة الإنسان عندما يأمر صاحب العمل أن يدفع الأجر المادي عقب الفراغ من العمل مباشرة: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه"، وذلك حتى تتضاعف مساحة السعادة التي تجمع بين الفرحة بالمال والفرحة بالإنجاز والنجاح في أداء المهمة.
وحتى المال الذي يربطه الناس بالسعادة، فإن الأنصاري يرى أن فكرة الرزق نفسها عند المسلم تتعدى فكرة الأرقام المالية إلى مفهوم البركة، كما تتعدى جلب النفع إلى دفع الضر عن الناس، بل إنها تتعدى أيضا كثيرا الوفرة المادية إلى وفرة الصحة وتوارد الفكرة.
فيما يرى الدكتور حسين شحاتة أن غاية من غايات المعاملات الاقتصادية هي تحقيق الإشباع المادي والمعنوي طبقا لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، وتفعيل هذا المفهوم الإسلامي للسعادة الاقتصادية في التطبيق العملي يتم وفق مجموعة من الوصايا الإيمانية والأخلاقية والشرعية التي إن التزم المسلم بها تحققت له سعادة الدنيا والآخرة.. وأهم هذه الوصايا هي:
- الإيمان الراسخ بأن المال ملك لله عز وجل، ويجب تسخيره لعبادة الله حتى تسعد به في الدنيا وفي الآخرة.
- الإيمان الراسخ بأن الله سبحانه وتعالى قد كفل الأرزاق لعبادة ويجب السعي في الحصول عليه بالطرق والأساليب المشروعة حتى يبارك الله لك فيه.
- الالتزام بالأخلاق الفاضلة، فإنها من موجبات تحقيق البركة في الأرزاق؛ فالأخلاق الحسنة من موجبات الأرزاق الطيبة.
- الأخذ بالأسباب مع حسن التوكل على الله، وحسن التعامل مع الناس، فهذا من الواجبات الدينية.
- إن تحقيق السعادة والأمن الاقتصادي يكمن في التعامل في الحلال الطيب، وإن الشقاء والحياة الضنك تكون بسبب التعامل في الحرام الخبيث.
- التفقه في الدين؛ تعرف الحلال فتتبعه، وتعرف الحرام فتتجنبه، من يُرد الله به خيرا يفقه في الدين.
- تجنب المعاملات الربوية حتى لا ندخل في حرب مع الله ورسوله فتنزع البركات وتمحق الأرزاق.
- الاعتدال في الإنفاق دون إسراف أو تقتير.
- أداء زكاة مالك فهي ركن وعبادة، وطهر وتنمية.
- تطهير القلوب، وإصلاح النفوس، وتهذيب السلوك مع كثرة التوبة والاستغفار فهذا كله موجبات السعادة الربانية.
باحث وصحفي
|