|
| سعوديان يتابعان حركة الأسهم في البورصة
|
مثّل عام 2005 لكافة بورصات الدول العربية بصورة عامة ودول الخليج العربي بصورة خاصة -بلا استثناء تقريبا- عامَ التحول الدرامي ليس فقط على نطاق ومؤشرات التعامل بمقياس الأسعار أو قيم التعامل أو عدد الشركات المتداولة، ولكن على مستوى عدد المتعاملين واختلاف أنماطهم ومستوياتهم الثقافية والاجتماعية والمالية.
فلقد شهدت البورصات الخليجية خلال العام المنصرم تقلبات ما بين الصعود والهبوط، حتى احتارت معها التحليلات، وكأن ما يحدث ألغاز غير قابلة للفك، خاصة عند الإجابة على سؤال: ما هي العناصر والمتغيرات التي تحكم حدود النمو والانخفاض السعري للأسهم في تلك البورصات؟.
وتساعد الإجابة هنا على بناء إطار يحدد الفرص المتوقعة من الاستثمار في تلك الأسواق. ويمكن مناقشة ذلك الأمر من خلال المحاور التالية التي تسعى لتحديد معالم وخصائص طبيعة التعاملات في بورصات الخليج، كما تحاول عمل توصيات للمتعاملين مع هذه الأسواق المالية.
أولا: الاتفاق على انطلاق البورصات الخليجية دون حدود متوقعة:
تكاد أغلب التحليلات التي تحاول وضع حدود لإمكانية نشاط بورصات الخليج العربي تتفق على أن تلك البورصات تتوافر حولها كافة عوامل الانطلاق والنشاط السعري، دون أن تنتهي تلك التحليلات إلى وضع سقف نهائي لمدى وحدود هذا الانطلاق، أو بمعنى أدق: متى يمكن القول بأن تلك البورصات عند المستويات السعرية بمقياس "كذا" تكون قد وصلت إلى استيعاب عوامل الارتفاع ومن ثم فهناك توقع أن يحدث انخفاض وتراجع في الأسعار والنشاط.
وتقوم أغلب تلك التحليلات على استقراءات لمؤشرات اقتصادية كلية مثل: تعدد الظواهر الإيجابية لاقتصاديات دول الخليج العربي والتي تعود بصورة أساسية إلى ارتفاع أسعار البترول، وأثر ذلك على تحسن معدلات النمو الاقتصادي لتلك الدول، وانخفاض العجز في الموازنات العامة للكثير منها بل وتحقيق أغلبها لفوائض بعد سنوات من العجز المتراكم في ميزانياتها العامة، وما لذلك من آثار على تحسن مستويات الدخل القومي، ومن ثم زيادة معدلات الاستهلاك والادخار.
وهذا التحسن في مؤشرات الاقتصاد الكلي يؤدي إلى تحسن المؤشرات الجزئية للشركات والمؤسسات الإنتاجية التي تقدم أنشطة ومنتجات وخدمات داخل تلك الدول مثل: زيادة إيراداتها وأرباحها، ومن ثم فإن تلك المؤسسات والشركات التي تتداول أسهمها في البورصة الخليجية يتوقع أن ترتفع أرباح أسهمها، وهو ما يجعل هناك توقعات أكيدة بضرورة ارتفاع أسعار أسهم تلك الشركات، وارتفاع الطلب عليها، مما يدفع إلى نشاط بورصات الخليج بشكل منطقي.
ولا خلاف على صحة ما تقدم من رؤية وتحليل، ولكن السؤال: "ما هو المستوى المناسب والموضوعي لأسعار أهم الشركات في البورصة، والذي يتواءم، ويتجانس، ويعبر بعدالة وموضوعية عن الأوضاع الاقتصادية الإيجابية للدولة"؟.
هذا السؤال لا تجد من يحاول أو يتجرأ للبحث عن إجابة واضحة عليه، بل تجد من يزيد الأمر التباسا بالادعاء أن ذلك أمر نسبي ليفتح الباب على مصراعيه لحدود التوقعات، وبما يؤدي إلى عدم وجود إطار موضوعي يمكن من خلاله بناء توقعات للتحركات السعرية لأسعار الأسهم في بورصات الخليج العربي.
ثانيا: تناقضات الاستثمار والمضاربة وارتفاع حرارة الأموال المتدفقة للبورصة
رغم أن الأصل -النظري بالطبع- لبورصات الأوراق المالية أنها أحد مصادر الأموال منخفضة التكلفة لتمويل المشروعات، سواء من خلال طرح الأسهم التي تمول رءوس أموال الشركات أو من خلال طرح وسائل التمويل الأخرى، مثل صكوك التمويل أو السندات، ومن ثم فإن طبيعة قرار الاستثمار في البورصة من المفترض أن تسود فيه الرغبة في الاستثمار متوسط وطويل الأجل وأن تكون دواعي الاستثمار قصير الأجل مرتبطة أساسا بعوامل ضغوط واحتياجات السيولة النقدية للمستثمر.
ولكن الواقع العملي في أغلب بورصات العالم يؤكد أن أغلب قرارات الاستثمار تقوم على معدلات الدوران العالية، وفترات الاستثمار قصيرة الأجل فيما يعرف بالمضاربة، وقد بلغت هذه الظاهرة من العمق والحضور والانتشار في بورصات الخليج بحيث أصبحت هي الأصل وليست الاستثناء.
ويترتب على ذلك من الناحية الفنية تشويه عملية اتخاذ قرار الاستثمار وعدم صلاحية استخدام أي نماذج موضوعية لتقييم قرار الاستثمار، حيث تتعرض تلك البورصات لدورات سعرية متلاحقة وسريعة وقصيرة الأجل من الارتفاعات والانخفاضات المتوالية، والتي لا تتجاوز في بعض الأحيان اليوم الواحد والجلسة الواحدة.
كما أن سيادة تلك الظاهرة قد تؤدي أيضا إلى دخول تلك البورصات في دورات سعرية -نحو الارتفاع أو الانخفاض- طويلة بصورة كبيرة، رغم عدم وجود أية مبررات موضوعية، ومن ثم انعدام الوسطية في التحركات السعرية للأسهم، وهو ما يجعل طبيعة الاستثمار أقرب إلى المقامرة، ويمكن الجزم بأن تلك الظاهرة تمثل أكثر المحددات الإستراتيجية التي تشخص طبيعة وخصائص بورصات الخليج العربي في الوقت الحالي.
ثالثا: انخفاض عدد الشركات المتداولة وحدوث ظاهرة "الانفصام العضوي للأسهم"
رغم التطور غير العادي الذي حدث لبورصات الخليج خلال السنوات الخمسة الماضية فإن أغلب تلك البورصات مازالت -بمقياس عدد الشركات المقيدة فيها والمتاحة للاستثمار في أسهمها- بورصات صغيرة إلى حد كبير حيث إن الشركات التي يمكن التعامل عليها كشركات نشطة لا يتجاوز في أحيان كثيرة الـ50 شركة.
وهناك بعض البورصات تقل عن ذلك كثيرا، وهذا العدد يعتبر منخفضا للغاية، مقارنة بحجم التدفقات النقدية التي حدثت لتلك البورصات في العامين الأخيرين على أكثر تقدير، ومن ثم فإن انعكاس ذلك هو حدوث تضخم غير عادي في الأسعار لعدم وجود تجانس بين حجم الطلب والعرض، وهو ما يترتب عليه بصورة عامة أن تحدث عمليات تسعير للأسهم المتداولة قد تفتقد الموضوعية والمنطقية.
وفى نفس الوقت يؤدي ذلك إلى حدوث "انفصام عضوي" بين السهم كمجرد أداة استثمار، والشركة المصدرة له كأصل الاستثمار الفعلي والحقيقي وهذه الظاهرة السارية تحدث تخديرا للعقول، حيث تجد أن أغلب المستثمرين يتساءل عن سهم معين دون أن يعلم ما هو غرض تلك الشركة أو طبيعة نشاطها.
ولا شك أن تلك الظاهرة تنعكس بصورة كبيرة في طبيعة التعاملات، بحيث تزيد معدلات التقلب بين الأسهم المتداولة بعضها البعض بصورة كبيرة، فعلى سبيل المثال قد تفاجأ في أسبوع معين أن أسهم البنوك هي التي جاء عليها الدور للارتفاع، والأسبوع التالي أسهم شركات البتروكيماويات، وهكذا دون وجود مبررات موضوعية كالعادة.
رابعا: المغالاة وعدم التحديد في تحليل الأخبار:
من الظواهر اللافتة أيضا اتساع حدود التصورات الخاصة بتحليل الأخبار الاقتصادية تحديدا وأثر ذلك على أسعار الأسهم، دون وجود تحليلات عميقة أو تفصيلية، ويتم استغلال ذلك مع منظومة الظواهر الأخرى في تحريك الأسعار مثل المضاربات.
وعلى سبيل المثال فقد يعلن عن شركة خبر اقتصادي أو إنتاجي أو مالي مثل قيامها بفتح فرع جديد أو الاستحواذ على شركة مثيلة، فتجد ظهور طلبات على سهم تلك الشركة بالبورصة، وذلك طبيعي، ولكن غير الطبيعي أن تكون تلك الطلبات بالحجم والكميات والأسعار غير المفسرة أو السابق عليها إجراءات عملية أو تقييم مالي متكامل. والأغرب من ذلك أنه لا يكاد تمر فترة زمنية قصيرة حتى يحدث انخفاض مفاجئ في سعر هذا السهم كما لو أن هذا الخبر قد طواه النسيان في أقل من أيام، والعكس يحدث بالطبع!!.
خامسا: ظاهرة الشركات العائلية:
من الملاحظ أيضا أن أغلب الشركات المتداولة هي في الأصل شركات عائلية تمتلك رءوس أموالها أسرة واحدة، ورغم أن ذلك يعتبر في ذاته أمرا عاديا -فتلك الظاهرة تتواجد في أغلب دول العالم بل من المؤكد أن أقوى شركات أثرت بورصات العالم المتقدم كانت في أصلها شركات عائلية- فإننا نريد أن ننوه إليه هو ادعاء البعض وجود نوع من أنواع التلاعب المقصود في أسعار أسهم تلك الشركات، وبما يسمح بتحقيق وتعظيم المنافع والأرباح لتلك الشركات.
حيث إن تلك الأسر بالتعاون مع منظومة متشابكة من رجال الأعمال وكبار المستثمرين يمكن أن تتلاعب بأسهم الشركة، وتستغل باقي الظواهر الأخرى مثل: المغالاة في تحليل الأخبار وسيادة روح المضاربة في توجيه السوق بصورة متعمدة وغير مباشرة، وبما يؤدي إلى تحركات سعرية غير موضوعية أو مبررة.
سادسا: الاستفادة من توقيتات الأطروحات الجديدة:
تعبر فترات طرح أسهم شركة بالبورصة -سواء أكانت في الأصل قائمة أو شركة جديدة مؤسسة حديثا- من الأوقات التي تؤثر بصورة لافتة على تعاملات أسواق الخليج، حيث يلاحظ أن قيام شركة معينة بطرح أسهمها تحدث معه تحركات سعرية مناقضة في سوق المال ما بين الارتفاع والانخفاض، بما يؤثر بصورة كبيرة على الشركة المطروحة للاكتتاب.
وإذا كانت الشركة المطروحة تتصف ببعض المزايا الخاصة فإن البورصة يحدث بها انخفاض مفاجئ في الأسعار، بما ينعكس بصورة تلقائية على سعر أسهم الشركة التي طرحت والعكس بالطبع قد يحدث، ومن ثم فإن تتبع توقيتات طرح شركات جديدة يؤثر بصورة كبيرة على توقعات أداء أسواق رأس المال بدول الخليج العربي.
سابعا: ضعف الوعي:
ليس من باب التكرار أن نشير إلى أن ضعف الوعي السائد لدى المستثمرين بأسواق رأس المال بدول الخليج وحداثة عهد أغلبهم بتلك البورصات يؤثر بصورة كبيرة على موضوعية التحركات السعرية السائدة.
وهذا الأمر تم التحدث عنه في أكثر من تحليل ومقالة وتشخيص لأحوال البورصات العربية بصورة عامة، ولكن ما يهمنا هنا هو التأكيد على أن شيوع تلك الظاهرة يعزز من عدم القدرة على إيجاد توقعات مؤكدة لاحتمالات التحركات السعرية لبورصات الخليج العربي في الأجل المتوسط والقصير.
محددات للفهم والتنبؤ
بعد تحديد معالم وخصائص طبيعة التعاملات في أسواق الخليج، كيف يمكن وضح محددات الاستعانة بها في التنبؤ بالتحركات السعرية لتلك البورصات، مع ضرورة التأكيد أن مجال تلك المقالة ليس فيه اقتراح العلاج أو توصيات الإصلاح، ولكنها تسعى إلى محاولة وضع إطار نظري قد يساعد على تفهم كيفية التعامل مع تلك البورصات.
إن كل مستثمر أو محلل يرغب في توقع اتجاهات بورصات الخليج العربي -وفقا للخصائص السارية الآن والسابق بيانها- يجب عليه أن يقوم بالآتي:
1- عليك أن تراقب أسواق الخليج لفترات زمنية مناسبة قبل أن تتخذ قرار الاستثمار أو التوقع.
2- تتبع دائما التحركات السعرية الجماعية ولا تنشغل بالفردية.
3- تابع الأخبار وترجم انعكاساتها على الأسعار وفقا لسابق فهمك لأثرها.
4- اخرج عند أول مكسب، وإياك أن تنتظر عائدا إضافيا.
5- اخرج عند أول خسارة، ولا تتمنى توقعات الارتفاع.
6- إذا أردت أن تشتري سهما وتبتعد عن البورصة قليلا فاشتر ذلك السهم الذي تشعر بأن الجميع يحب أن يضارب فيه من وقت إلى آخر. وفى النهاية عليك أن تكون على يقين بأن لحظات التصحيح قادمة قادمة.
محلل مالي واقتصادي.
|