|
| الحريات السياسية تنعكس إيجابًا على أداء البورصات
|
مع التوجه العام نحو تعزيز نطاق الحريات العامة، وتوسيع المشاركة والديمقراطية والذي اتخذ مدى غير مسبوق في الآونة الأخيرة في بعض الدول العربية، يأتي التساؤل المهم، كيف يمكن أن يكون لدعم الحريات وتفعيل مفهوم الحكم الصالح أثر على البورصة؟.
ليس هناك خلاف أن التنمية الإنسانية للمجتمع بكافة أنماطها، سواء الاقتصادية أو التكنولوجية... إلخ، تحتاج إلى تعزيز واحترام حقوق الإنسان وإتاحة الحريات، وخصوصًا إذا كان النظام الاقتصادي الذي ارتضاه المجتمع هو نظام السوق الحر، فلا يمكن أن يدار هذا النظام بمفاهيم شمولية.
ويعرف تقرير التنمية الإنسانية العربية الصادر عن الأمم المتحدة الحكم الصالح بأنه الذي "... يعزز ويدعم ويصون رفاهة الإنسان، ويقوم على توسيع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولا سيما بالنسبة لأكثر أفراد المجتمع فقرًا وتهميشًا".
ولهذا الحكم الصالح إذا طبقه المجتمع، أربعة انعكاسات رئيسة من وجهة نظرنا:
1 - الولاء والانتماء: فإتاحة الحرية والمشاركة السياسية ستنعكس على المجتمع بدعم روح الولاء والانتماء والمسئولية التضامنية، فعندما أشعر بقدرتي على المشاركة السياسية والتغيير السياسي، فإن ذلك يعني ضرورة أن أحافظ على مجتمعي، وأمنع أي تجاوزات يمكن أن تؤثر على استقراره.
2 -الإبداع، فالتمتع بحرية التفكير والتعبير دون خوف من اضطهاد يجعلنا ننطلق في التفكير، وإذا اقترن ذلك بشعور الانتماء والولاء، فإن ذلك سينعكس على المجتمع إيجابيًّا، حيث يرفع من قدرته على الإبداع والابتكار، وهذه الأخيرة تُعَدّ من أعمق مشكلات المجتمعات العربية.
3 -الرقابة الذاتية، فحصاد إتاحة الحريات هو تعزيز آليات الرقابة الذاتية لدى المواطن العربي، فعندما يشعر أن هناك من يحاول أن يؤثر على المجتمع سلبيًّا، مهما كان منصبه حتى وإن كان مسئولاً سياسيًّا، فإنه لا يخشاه لأنه يعرف أن المجتمع حر ويحتكم للقانون، بل سيسرع بإيقافه، ومنعه من التمادي فيما يفعله.
4 -المرونة الإصلاحية، فتلك المجتمعات عندما تتعرض لأزمات، فإن روح المشاركة والولاء والانتماء والرقابة والإبداع تتضافر جميعًا لمواجهتها بسرعة وفاعلية عبر آليات الإصلاح. ولعل جانب من المشاكل الاقتصادية للدول العربية عند تحولها إلى السوق الحر تعود إلى افتقاد الحرية، وليست مشكلة البنوك وفساد رجال الأعمال في تلك الدول ببعيد عن موضوع الحريات.
فعندما أهملت تلك الدول الحرية السياسية أتاحت لأن ينطلق متطفلون تحكمهم الذاتية والمصالح الشخصية، بل إن أخطر ما يفرزه النظام غير الحر هو وجود أصحاب قرار يتسم أسلوب إدارتهم بالمركزية والديكتاتورية الإدارية، ورفض وجود صف ثانٍ، مما ساهمت في مشكلات للعديد من المؤسسات الاقتصادية وعلى رأسها القطاع العام والبنوك.
الانعكاسات على البورصة
من هنا، فإن تعزيز الحريات داخل المجتمع واحترامها سينعكس على كافة عوامل التنمية الإنسانية، ومع تواجد عوامل أخرى مساعدة مثل مستوى الثقافة والتعليم والمعرفة والموارد الاقتصادية يمكن أن ينمو المجتمع اقتصاديًّا، وتعظم قيمة أصوله ويزداد الطلب عليها، وهو ما يعني ازدهار بورصة الأوراق المالية التي هي مرآة المجتمع.
ويمكن إبراز هذا المعنى التحليلي لأثر التحرر السياسي على البورصة من خلال العناصر التالية:
1 - تحجيم تعارض المصالح والرقابة السياسية على البورصة:
كثيرًا ما تتداخل المصالح السياسية ومصالح الاستثمار في البورصة، وهو ما يؤدي إلى ظهور الفساد وإجهاض أي خطط لإصلاح أسواق المال لقيامها بالدور الكفء في كونها أحد مصادر الأموال منخفضة التكلفة لتمويل خطط الاستثمار. وما سبق يؤدي إلى انهيار الأسس المثالية المحددة لقرار الاستثمار في البورصة، وتصبح عندئذ دارًا متميزة للتلاعب والفساد والغنى المشبوه.
وعلى سبيل المثال، فإن قضية خصخصة أحد البنوك في المنطقة العربية أثارت استفهامات حول التشابك بين المناصب الوزارية والبيزنس الخاص، فقد وجه نواب في البرلمان تساؤلات حول مدى دستورية صفقة شراء أحد البنوك الوطنية بأسماء هؤلاء الوزراء. ولعل ذلك يبرز مدى أهمية ما تحققه الديمقراطية من رقابة على سوق الأوراق المالية.
2 -دعم الإفصاح والشفافية:
يعتبر مستوى الإفصاح والشفافية القائم في المجتمع خاصة على الصعيد الاقتصادي من أهم مقومات توفير البيئة المناسبة للاستثمار في بورصات الأوراق المالية. فكلما سادت الحريات والقدرة على التعبير وعدم الخوف من قهر السلطة السياسية زادت الأجواء المشجعة على حرية نقل وتداول المعلومات والأخبار والمؤشرات دون النظر لما تحمله من إشارات سلبية أو إيجابية، أو حتى إن عكست معاني نقد للسلطة السياسية.
فمؤشرات مثل البطالة أو النمو الاقتصادي أو حتى الموازنة العامة للدولة تعلن بوضوح وببساطة وبشفافية كاملة وبدون اختزال مؤثر أو تلاعب متعمد، عندئذ يعزز مستوى الثقة لدى المستثمر وتصبح عملية التقييم الاقتصادي وتسعير أصول المجتمع فعّالة وصادقة وموضوعية، وبما يترتب عليه على المدى المتوسط زيادة جاذبية قرار الاستثمار في أسواق المال.
3 -تفعيل مفاهيم الحكومة والرقابة على أداء الشركات المتداولة في البورصة:
إن تعزيز سلوكيات المشاركة من خلال اتساع نطاق الحريات المتاحة للمواطن سيترتب عليه -كما أسلفنا- تنمية روح الرقابة لدى المستثمر وتدريبه على فاعلية المشاركة في اتخاذ القرار بصورة عامة وللشركة التي يمتلك أسهمها بصورة خاصة.
ومن هنا، فإن هذا المواطن حر السلوك والفكر سيحرص على التواجد بالجمعيات العمومية للشركات لمحاسبة الإدارة ودفعها إلى تحسين الأداء وإطلاق ما تمتلكه من قدرات وإبداع، ما يترتب عليه تقوية الأداء الإنتاجي للشركة.
كما يدفع ذلك المؤشرات المالية للشركة إلى التحسن، بخلاف ما يعنيه ذلك من إصلاح الفساد وتغيير المنكر في حال تواجده، وبما يصب في النهاية في بوتقة الإصلاح الاقتصادي العام للمجتمع بافتراض أن الشركة الإنتاجية هي الخلية التي يتكون منها المجتمع الاقتصادي الأوسع.
4 - تحقيق الفاعلية في إدارة البورصة:
فالحرية في حد ذاتها أسلوب من أساليب إدارة سوق الأوراق المالية بصفتها بيئة اقتصادية لها خصوصيتها المتفردة، فلا شك أن قياس مدى تطبيق الحرية داخل البورصة أمر هام من أمور قياس مدى التطور والتنمية في هذه البيئة الاقتصادية الهامة.
فإذا كان الأسلوب القائم في إدارة سوق الأوراق المالية هو أسلوب مركزي لا يسمح بإمكانية المشاركة أو قياس كافة الآراء أو السماح بحرية التعبير والمشاركة، فإن النهاية الحتمية لكافة خطط التنمية التي تنفذ في أي بورصة هي مجرد قرارات نظرية تفتقد القدرة على التغيير؛ لأن من ستطبق عليه لم يشارك في صنعها، ومن ثَم فهي لا تستطيع أن تتفهم حقائق الواقع.
إذن علينا جميعًا أن نعي ما تقدم ونحرص على تطبيقه سواء على المستوى العام أو المستوى الجزئي المرتبط بموضوعنا وهو البورصة، ولكي يتم ذلك بصورة حقيقية فهناك مراحل وأولويات لا بد أن تنفيذها وعلى رأسها تحقيق الوعي السياسي على مستوى المجتمع، والانتقال من مرحلة الحرية الإعلامية إلى الحرية السياسية والاقتصادية بمعناها الحقيقي لا الشكلي.
محلل مالي واقتصادي.
|