English

 

الأحد. يونيو. 25, 2006

نماء » مشروعات وتجارب

 
   
روابط من إسلام أون لاين

ابتسامة الموظف.. من يضحك على من؟

أمير إبراهيم

كيف سيحافظ الموظف على الابتسامة مع هذا الزحام؟
كيف سيحافظ الموظف على الابتسامة مع هذا الزحام؟

"حكومة تضحك".. هذا هو شعار حكومة القرن الواحد والعشرين في مصر.. أو بمعنى أدق الشعار الذي أراده المسئولون لحكومتهم؛ ففي مايو 2006 أعلنت الحكومة المصرية عن بدء دورات لتدريب الموظفين على الابتسامة في وجه المتعاملين معهم.

هذه الدعوة التي أطلقتها الحكومة مؤخرا أثارت ردود أفعال كثيرة ومتباينة، وإن كانت السخرية هي السمة الغالبة عليها، واتسمت بعض الردود بتأييد قوي، ورأى أصحابها أن الابتسامة جزء من تطوير الخدمة، في حين أرجع البعض إعلان الحكومة عن هذه المبادرة في هذا الوقت إلى أسباب سياسية بحتة؛ حيث رأوا أن الحكومة اعتبرت الموظفين ممثلين عنها، وأنهم وجهها الذي تظهر به، وعليهم إرضاء المواطنين؛ حتى يرضوا عنها بعدما تأثرت صورتها كثيرا في الفترة الماضية.

لكن الفكرة التي وصفها مسئولون حكوميون بأنها غير تقليدية نظر إليها الكثيرون على أنها خداع وتزييف، وأن الحكومة كان عليها أولا أن تحل مشاكل الموظفين الذين يعانون من أزمات اقتصادية، ووقتها سيضحك الموظف وحده دون تدريب.

المبادرة الجديدة التي أطلقوا عليها "مبادرة الابتسامة" أعدتها وزارة التنمية الإدارية بالاشتراك مع الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وحسب تصريحات الدكتور صفوت النحاس رئيس الجهاز فإنها تعد الأولى من نوعها، وتهدف إلى الارتقاء بمستوى أداء الخدمات الحكومية من خلال تدريب 24 ألف موظف على الابتسام في وجه الجمهور.

الموظف الآلة.. هدف الدورات!

لكن كيف تتم عمليات التدريب؟ وعلى أي شيء سيتدربون؟

الدكتور النحاس أكد أن مشروع التدريب الذي سيتكلف 480 ألف جنيه "مبدئيا" يتضمن التعرف على الأنماط المختلفة من الجمهور من خلال جدول يقسم شخصيات العملاء وخصائصهم وسلوكهم وكيفية التعامل معهم، فهناك عميل متسلط -حسب كلام الدكتور صفوت- وآخر ودود، أو متردد، أو بطيء، وهناك عملاء إيجابيون، وآخرون متصيدون للأخطاء، وغيرهم من النماذج المتنوعة.

الغريب في هذه التصريحات أنها تفترض ألا تغادر الابتسامة وجه الموظف عند تعامله مع المواطن، رغم الاعتراف بتعدد أشكال وأنماط المتعاملين معه!! وتطالبه ألا يأخذ الأشياء على أنها أمور تمسه شخصيا، وأن يكون المنطق هو أساس تعامله ونقاشه، وليس العاطفة، وأن يكون حازما مع المواطنين لكن بأدب وبوُدٍّ! أي بمعنى أدق: يتجرد من مشاعره الإنسانية ويتحول إلى آلة!.

واختارت وزارة التنمية الإدارية 750 خدمة جماهيرية لتطبيق المبادرة الجديدة عليها، تشمل مصالح إصدار تراخيص البناء، والإسكان، والمعاشات، ورخصة القيادة. وسيشارك بكل دورة ما بين 200 إلى 300 موظف، ويقوم بعملية التدريب أساتذة من الجامعات، وأكاديمية السادات للعلوم الإدارية، ومتخصصون في علم السلوكيات وفن التعامل مع الآخر.

الابتسامة.. صحوة إدارية

حاولت رصد التجربة على أرض الواقع، فذهبت إلى أكاديمية السادات للعلوم الإدارية -وهو المقر الذي اختاره المسئولون ليكون مكانا لتدريب الموظفين- هناك وجدت الأساتذة المتخصصين متحمسين للفكرة بشكل كبير، ووضعوا لها أهدافا وبرنامجا لتنفيذها، وارتكزت الأهداف على ثلاثة محاور رئيسية، وهي:

1 - تنمية مهارة المشاركين في التعامل مع الأنماط المختلفة من الجمهور.

2 - إكساب المشاركين مهارة امتصاص غضب الجمهور وحسن معاملتهم.

3 - تنمية مهارة إدارة الأزمات والمواقف الصعبة في أثناء التعامل مع الجمهور.

أما موضوعات التدريب فقد ركزت على 10 قضايا رئيسية وهي:

1 - مهارات استقبال الجماهير وإنهاء المقابلة عند أداء الخدمة.

2 - إدارة المشكلات والمواقف الصعبة في أثناء التعامل مع الجمهور.

3- المفهوم الحديث لأداء الخدمات لجمهور المتعاملين.

4 - العلاقات التبادلية ودورها في تفعيل التعامل بين الموظف والجمهور.

5 - أساليب التعامل مع الأنماط المختلفة للجمهور.

6 - أنماط الموظفين وأهم سمات النمط الفعال.

7 - القرارات الذكية أساس نجاح الموظف الفعال.

8 - أساسيات التميز في خدمة جمهور المتعاملين.

9 - المفهوم الحديث لأداء الخدمات للجمهور.

10 - الخصائص الأساسية لحكومة القرن الـ21.

وكان الدكتور عبد المطلب عبد الحميد، أستاذ الإدارة بأكاديمية السادات، أحد أبرز المتحمسين للفكرة؛ حيث قال: إن العالم كله الآن يبحث عن الجودة عند تقديم أي خدمة، وتحاول كل الشركات والمصالح تحقيق رضا العميل أولا، والابتسامة أحد أركان أداء الموظف أو العامل، فلماذا لا يتحلى بها القائمون على تقديم الخدمة؟

ويضيف: خلال الفترة الماضية سادت صورة ذهنية عن الموظف الحكومي بأنه الشخص صاحب التكشيرة والمتجهم العبوس، وقد جعلت هذه الصورة المواطن يكره الدخول إلى المصالح الحكومية. والحقيقة أن تغيير هذه الصورة أصبح أمرا ملحًّا وضروريا، وسيساعد على تحسين مناخ الاستثمار في مصر؛ لأن أي مستثمر يأتي إلى مصر لو لم يجد أسلوبا جيدا في معاملته لن ينتظر هنا لحظة واحدة، وخصوصا أننا نواجه منافسة شرسة من دول عديدة تقدم خدمات ومزايا أكثر.

ويستطرد قائلا: ما يحدث داخل وزارة التنمية يعد صحوة إدارية تستهدف تطوير الأداء الحكومي، وتحتاج إلى مساندتها وعدم النظر إليها بسطحية.

لكن على أي شيء سيتم تدريب الموظف؟!

يجيب الدكتور عبد المطلب: سيركز التدريب على عدة مهارات أساسية أهمها:

  • كيف تقوم بالتعامل بإيجابية مع الناس، أي تنهي لهم مصالحهم بأقصى سرعة ويسر.
  • كيف تتعامل مع آدمية طالب الخدمة.
  • كيف تعطي الخدمة للمواطن بحب.

وهذا يتطلب الاستعانة بمدربين متخصصين لديهم القدرة على تخطيط البرامج والوصول إلى أهدافها وتحديد أدوات العمل، والأهم من ذلك متابعة الموظف ومدى تحسنه وما الذي يعوق ابتسامته.

الفكرة ساذجة والتنفيذ مستحيل

أما الدكتور أحمد المجدوب أستاذ علم الاجتماع، فيؤكد أن تدريب الموظف على الابتسام مستحيل، ويرى أن ما يحدث أشبه بفيلم كوميدي، يضحك فيه الموظفون والمواطنون على الحكومة وقرارها! لأن أصحاب هذا القرار حاولوا الاستخفاف بعقول الناس، وظنوا أنهم سيضحكون عليهم، لكن المفاجأة التي لم يدركوها هي أنهم وضعوا أنفسهم محل سخرية الجميع، سواء المواطن صاحب الخدمة، أو الموظف المطلوب منه أن يتحول لآلة تبتسم 6 ساعات -وهي فترة وجوده بالعمل- ثم تعود له التكشيرة مرة أخرى بعد انتهائه من عمله! وهذا كلام غير علمي، وغير منطقي؛ لأننا لن نستطيع أن نفصل الموظف الذي يعاني من ظروف نفسية واقتصادية صعبة عن حياته ومشاكله لنجعله يضحك في وجه المواطن؛ فيومُ الموظف يبدأ بمشاكل في المواصلات، تتبعها مشاكل أخرى في بيئة العمل، بدءا من الأماكن القذرة التي يجلس فيها، والكرسي أو المكتب المتهالك الذي يعمل عليه طوال النهار، فضلا عن المشاكل الاقتصادية الهائلة التي ترهقه وترهق ذهنه وتجعله متجهما ليل نهار.

إذن، فعلى أصحاب هذا القرار أن يبحثوا في أسباب تجهم الموظف قبل أن يحاولوا تعليمه الضحك؛ فالاكتئاب والحزن مشاعر نفسية لها أسبابها، وإذا لم تعالج تلك الأسباب فستظل الحالة كما هي، وبتطبيق ذلك على الموظف فإننا نجد أنه يعاني من آلام واكتئاب بسبب أحواله المتردية، وحتى أجعله يبتسم ويضحك فذلك يتطلب إزالة أسباب اكتئابه.

في الماضي كانت الحكومة تصرف مكافآت ومنحا بمناسبة عيد العمال في شهر مايو، وكان ذلك يترك آثاره على الموظف، الذي كان يبدو في حالة نشاط وفرح شديد تشعر به إذا دخلت أي مصلحة حكومية، وهذا يرجع إلى أنك استطعت أن تحل جزءا من مشاكله المادية، فالمشكلة في علاج أسباب الاكتئاب، وليست في التدريب على الابتسامة.

ويتساءل د. المجدوب: كيف سيتدرب الموظف على الابتسامة، والإحصائيات تؤكد أن 40% من سكان مصر مصابون باكتئاب مزمن، فضلا عن المصابين باكتئاب عارض؟!

فالمصريون الآن اختلفت طباعهم عن الماضي؛ بسبب كثرة همومهم ومشكلاتهم، فقديما كانوا يتميزون بالابتسامة، ويرددون دائما ألفاظا تدل على التفاؤل مثل "صباح الورد" و"صباح الفل"، وكانوا يتبادلون النكات في جلساتهم، ويحاول كل منهم التعليق بأحلى نكتة.

لكن الآن إذا سألت أحدا عن النكتة سينظر لك بسخرية، وكأنك تسأله سؤالا غريبا؛ بسبب كثرة همومه ومشكلاته.

ونفس الكلام يؤكده الدكتور ياسر نصر أستاذ علم النفس ويقول: نحن لا ينقصنا الابتسامة، ولسنا في حاجة إلى من يضحك في وجهنا، فقط نريد من ينجز لنا عملنا ومصالحنا بيسر وسهولة، لكن ما يحث في مبادرة الابتسامة هو محاولة لإشاعة أن هناك تغييرا يحدث، لكن هذا غير صحيح؛ لأن سلوكيات الموظف بشكل عام تتأثر بعاملين رئيسيين، هما:

أولا: التفكير الإيجابي في طبيعة الوظيفة التي يؤديها؛ بحيث ينظر لإيجابياتها؛ لأن النظر إلى السلبيات يؤدي إلى الإحباط، فتظهر التكشيرة، ويبدو التجهم.

ثانيا: منظومة القيم التي يرتكز عليها الأفراد، هل هي مبنية على أساس عقائدي أم أنها تتأثر بالظروف والأهواء والمصلحة؟!.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم