|
| هل تنهي أموال الوقف والزكاة معاناة هؤلاء؟ |
اعتدنا في العالم العربي عند مناقشة قضية الفقر على حصرها في سببين لا ثالث لهما: الأول وهو أن الحكومات لا تسعى جاهدة لعلاج هذه المشكلة، والثاني أن الهيمنة التي يفرضها العالم الأول على العالم الثالث هي السبب في خلق التخلف وسيطرة الأغنياء.
ونادرا ما نسمع عن خطوات إيجابية اتخذت للقضاء على الفقر أو قتله بالمعنى الأصح قياسا على عبارة الإمام علي الشهيرة: "لو كان الفقر رجلا لقتلته"، فظل ينمو حتى استشرى في عالمنا العربي.
ولكن على ما يبدو، فإن الجزائر قد قررت أن تخرج من زمرة الدول السلبية التي استسلمت للظاهرة، فقررت محاولة قتل الفقر عبر مجموعة من الأفكار الجديدة التي اعتمدت على استثمار أموال الوقف والزكاة، صحيح أن ذلك جاء متأخرًا بعد أن توحش الفقر، ولكن يكفيها أنها أفاقت في الوقت الذي لا يزال فيه الكثيرون يغطون في ثبات عميق.
تشخيص المشكلة أول الخطوات
بدأت أولى الخطوات في هذا الصدد في أكتوبر 2000؛ حيث أقيمت الندوة الوطنية الأولى لمكافحة الفقر، والتي تم خلالها تشخيص المشكلة وإقرار إستراتيجيات معالجتها التي ينبغي أن تتم من خلال الآتي:
ـ إصلاح النظام المالي، وتسهيل استفادة الفقراء من القروض.
ـ تنمية القطاع الخاص بمشاركة الفقراء.
ـ تنمية الزراعة من أجل التقليل من الفقر.
ـ التنمية الريفية بالمشاركة أو التساهمية.
ـ تنمية سوق العمل.
ـ تنمية وتنويع الإسكان الاجتماعي لصالح الفقراء.
ـ ديمومة المبادرات وإجراءات التنمية.
اقتراح الحلول
تلي هذه الخطوة اقتراح الحلول التي أخذت شكل برامج قومية تبنتها الدولة، وهي:
1- البرنامج الوطني للتنمية الريفية والفلاحية، ويهدف لتحقيق الأمن وتحسين ظروف الحياة لسكان الريف، باعتبار أن الريف يتواجد به نصف فقراء الجزائر.
2- دعم الدخول من خلال الشبكة الاجتماعية، ويهدف لتعويض الأشخاص الذين لا يتوفرون على دخل أو دخولهم ضعيفة، واستفادة حوالي مليون شخص منه.
3- برنامج خلق فرص العمل، سواء عن طريق توفير فرص بالحكومة أو إعطاء القروض المصغرة، أو المساعدة على إنشاء مقاولات صغرى، وقد استفاد منها 12 ألفا و864 شخصا في مجال عدد القروض، و40 ألفا في مجال المقاولات المنشأة، و256 ألفا و654 تم إلحاقهم بفرص عمل.
4- نشاطات التضامن الوطني؛ حيث أنشأت الدولة وزارة لهذا النوع من النشاط وسميت بوزارة التضامن من أجل التخفيف من حدة الفقر، وقامت بعدة نشاطات منها إنشاء 7000 آلاف مطعم للأطفال الفقراء، وتوفير الأدوات الدراسية لمليوني تلميذ مجانا، وتقديم المنح الدراسية لحوالي 3 ملايين تلميذ، ومساعدات موجهة للفئات المحرومة من خلال العلاج والمأوى؛ حيث تم توزيع حوالي 32195 بطاقة للحصول على الأدوية مجانا.
نظرة جزائرية للمستقبل
نجحت هذه الحلول في خفض أعداد الفقراء بالجزائر من 12 مليونا إلى حوالي 2.5 مليون شخص، ورغم هذا النجاح المذهل فإن الحكومة فكرت في ضرورة الاتجاه إلى مصادر أخرى غير تقليدية تضمن تحقيق هدفين، وهما:
أولا: استمرار هذه البرامج وعدم تأثرها بأي أزمات مالية قد تطول الدولة مستقبلا.
ثانيا: توفير قدر من الأموال المنفقة على هذه البرامج لصالح مشروعات قومية تتبناها الدولة.
فاتجه التفكير أولا إلى ضرورة استثمار أموال الأوقاف، فبدأت وزارة الشئون الدينية والأوقاف أصعب مهمة، وهي حصر واسترجاع الأملاك الوقفية الكثيرة خاصة بعد ما فعل المستعمر الفرنسي بهذه الأملاك ما فعل من مصادرة وبيع... إلخ، ونجحت الوزارة في تحقيق نتائج إيجابية في هذا الصدد؛ حيث حصرت أملاكا بغير إيجار أو بإيجار بلغت 4594 تنوعت بين مساكن ومحلات تجارية وأراض فلاحية وغير فلاحية... إلخ، و15 ألف مسجد وقف، وألفين و574 مدرسة قرآنية، وألفين و344 من الكتاتيب، هذا بالإضافة إلى عدد هائل من الزوايا.
كما يوجد عدد هائل من الأملاك الوقفية لم يتم استرجاعها بعد لعدة أسباب قانونية أو تاريخية، وتسعى الوزارة جاهدة لاسترجاعها واللجوء إلى القضاء من أجل هذا، وتقوم الوزارة -حاليا- بالإعداد لمشروعات استثمارية تهدف إلى استثمار هذه الأوقاف لتكون مصدرًا لجلب الأموال. ومن هذه المشروعات ما يعرف بمشروع حي الكرم بالجزائر العاصمة، ويشمل بناء 150 مسكنا ومستشفى متعدد التخصصات، وفندقا 64 غرفة و170 محلا تجاريا وساحة عامة ومواقف للسيارات، ومشروع المركز التجاري بوهران، ومشروع معهد الشيخ عبد الحميد ابن باديس بقسطنطينية، وهو مشروع لإقامة مركز تجاري وثقافي.
وتزامن مع هذه الخطوة تأسيس ما يعرف بصندوق الزكاة الذي أسسه وزير الشئون الدينية والأوقاف د. بوعبد الله غلام الله، ويهدف إلى تنظيم الركن الثالث في الإسلام "الزكاة" جمعا وتوزيعا، وقامت فلسفة إنشائه على تقسيم الأموال التي يجمعها إلى جزأين: الأول يخصص للأسر الفقيرة ونجح الصندوق في هذا الإطار في توجيه 487 مليون دينار (الدولار =71.9 دينار جزائري) لدعم 220 ألف عائلة محتاجة، والثاني يوجه للاستثمار حيث تم تقديم 60 ألف دينار من حصيلة هذا البند إلى حوالي 300 شاب كقرض حسن.
فكرة جيدة مطلوب تطويرها
ويشيد د. مصطفى كسبة، المدير التنفيذي لمركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر بهذه الأفكار، ويطالب بتطويرها من خلال الاستفادة بالتجربة الكويتية في هذا الصدد؛ حيث لم يقتصر دور الحكومة على استثمار ممتلكات الأوقاف القديمة وأموال الزكاة، بل شجعت الأفراد على إنشاء ما يعرف بـ"الصناديق الوقفية" والتي توضع بها أوقاف النقود التي تصدرها البنوك، ويقوم عليها مجلس أمناء الاستثمار، وهذا المجلس يمارس دوره من خلال علاقاته بمنظمات المجتمع المدني التي تساعده على توجيه أموال كل صندوق وفقا للهدف المقام من أجله، فإذا كان الصندوق مخصصا -مثلا- لصالح الأيتام يتم توجيه نقوده من خلال علاقة المجلس بالجمعيات الأهلية العاملة في هذا المجال.
ويشدد د.كسبة على أهمية الدور الذي تلعبه الجمعيات الأهلية في هذا الصدد، معتبرا إياه ضروريا لنجاح عمل هذه الصناديق.
ويتزامن مع ذلك ضرورة توعية الناس بالدور الذي تلعبه أموال الوقف والزكاة كأدوات تلجأ إليها الدولة في إعادة توزيع الدخول، وذلك في إطار المفهوم الإسلامي لدور الدولة في الاقتصاد؛ فهي ليست "حارسة" كما في النظام الرأسمالي، أو "متداخلة" كما في النظام الاشتراكي، ولكنها -فقط- راعية لا تتدخل إلا إذا حدث الخلل في توزيع الدخول.
متى تعمم هذه الأفكار؟
إذن، ومن خلال ما سبق يتضح أن أفكار مقاومة الفقر كثيرة ولا تحتاج لمجهود أو ميزانية ضخمة من الدولة، فقط تحتاج إلى نية من الدولة لمقاومته، ولن توجد هذه النية بطبيعة الحال إلا إذا وضعت الحكومات العربية الفقراء على قائمة اهتماماتها، ليس بالكلام والشعارات فحسب، ولكن بالعمل، وهذا هو الأهم.
|