|
| الواجهة الزجاجية تعزل المستهلك عن السلعة
|
عرض السلعة هو الخطوة الأولى في عملية البيع والشراء، بل إنه أول درجة من درجات الإعلان، حيث يتم اختيار موقع متميز، ولافت للانتباه لوضع السلعة به بما يظهر مزاياها، وفي الوقت نفسه تكون موضع مراقبة من قبل المشتري، حيث تبدأ عملية زرع الحافز أو إغوائه للإقدام على الشراء وتملك السلعة.
وسواء أكانت أسواق السلع من النوع البسيط القديم مثل بيع الخضر والفاكهة في الشوارع، أو الحديث مثل المولات، فإن العرض هو اللبنة الأولى في تكوين السوق، وجعلها وسيطا بصريا قائما على تنظيم السلعة، ووضعها في شكل صورة مرئية متمايزة عن العالم المحيط بها.
ولكن هل يوجد اختلاف بين السوق القديمة والسوق الحديثة، وهل آليات العرض واحدة، ومن ثم جوهر العرض واحد في كلتا السوقين؟ وكيف تؤثر كل من السوقين على شخصية المستهلك وقيمه؟.. كل ذلك سنحاول كشفه في السطور التالية.
آليات السوق القديمة
لو ضربنا مثلا بالسوق القديمة البسيطة فسنجدها تتمثل في الأحياء القديمة عامة في مصر مثل (الحسين، والموسكي، والعتبة)، وإذا نظرنا إلى طريقة عرض البضائع في هذه السوق، لوجدنا أنها بسيطة للغاية، حيث تتساوى فيها السلع سواء من الخضر أو من الملابس. وذلك لأن معظم هذه الأسواق تختفي منها الواجهات الزجاجية الكبرى التي يتم عرض السلع من خلالها كما في السوق الجديدة أو الحديثة.
لذلك فأول آلية من آليات العرض في السوق القديمة هي وضع السلعة في مكان أو موقع ظاهر، مثل الوضع على حوائط وجدران المحال أو رصها على الأرصفة في أشكال مختلفة، أو على عربات صغيرة في الشوارع، ويقوم الباعة بالنداء عليها أو بإظهار مزاياها أو بعمل أنشودة تكون السلعة محورها.
ومن هنا فالسلعة في هذه الأسواق القديمة ليست بمعزل عن المشتري أو موضوعة في واجهات زجاجية بعيدة، بل هي قابلة للمس والفحص والاختبار والتقييم دون موانع، وبالتالي الحوار مع البائع والفصال حول السعر، وترتبط هذه الطريقة من العرض بالحي أو المدينة القديمة معماريا، حيث الشوارع والحواري والأزقة الضيقة التي تكسوها العلاقات الاجتماعية الحميمة بين قاطنيها.
فالسوق القديمة نمط تجاري خاضع لثقافة المكان المعمارية والاجتماعية والاقتصادية المتمثلة جزئيا في الدخل المنخفض المرتبط بأفراده والذي بدوره يؤثر في تشكيل أولويات الأسرة واحتياجاتها؛ فهذه الأسواق نسبيا تتميز برخص أسعار السلع التي إن بيعت في المولات أو في أسواق الأحياء الجديدة فستكون بأسعار أعلى.
وتعكس أيضا الأسواق القديمة شكلا من أشكال الكثافة السلعية المعروضة؛ فالسلعة هنا تقدم بشكل مكثف ومختلط مع سلع أخرى، وقد تكون متباينة بحيث يصعب الربط بينها، إلا من خلال وجودها في مكان بيع واحد يحويها، وينطبق ذلك على المحال التي تحوي أيضا واجهات عرض في الأسواق القديمة.
|
|
السوق القديمة تتيح اختبار السلع
|
لذلك فإن السوق القديمة قائمة على عملية ملء واستغلال الفراغ الموجود والمتاح لديه مثل استغلال (الجدران، والأرصفة، والعربات، وغيرها)؛ فالمكون البصري في السوق القديمة يتمثل في عمل موزييك دقيق من السلع المختلفة وبشكل مكثف، وذلك لأن رأس المال المتحكم في السوق القديمة هو "رأس المال الأحادي الدلالة أو البعد"، وهو يتمثل بالكامل في السلعة فقط المباعة دونما عناصر التزيين (ديكور، وصور دعائية).
وبعبارة أخرى، فالسلعة هنا يتم تقييمها من حيث احتياج المستهلك لها (زينة، ورداء جديد)، فالبضاعة أو السلعة في حد ذاتها هي منبع الدعاية الرئيسي، فعرضها المرئي في الأسواق موضع تفاعل واختبار وانتهاك في أحيان كثيرة؛ فالمتحكم في إتمام البيع قناعة المشتري، واحتياجه وليس إغواء العرض والبائع فقط.
الإغواء والسوق الحديثة
وفي الوقت الذي تعكس فيه السوق القديمة كثافة سلعية وبنية معمارية وعلاقات اجتماعية ومستوى دخول معينة، فإن السوق الحديثة تنتمي إلى معمار مخالف تماما وهو المعمار المتمثل في الأحياء الجديدة مثلا في مصر (مصر الجديدة، والمهندسين، ووسط البلد) وهو معمار غربي تماما، ومن ثم يحمل بداخله نسيجا اجتماعيا مختلفا، ومتشابه بالغرب ولو جزئيا من خلال نمط المعيشة القائم على الاندماج في التركيبة الاستهلاكية.
فكل هذه الأحياء الجديدة تعتمد وبشكل أساسي على الشوارع الرئيسية الواسعة والمستقيمة؛ فالعالم هنا هو عالم مشابه للآخر (الغرب)، وبالتالي فعرض السلعة هو وفق رؤية الآخر؛ فالعنصر الأساسي في هذه السوق هو واجهات العرض الزجاجية التي تحتفظ للسلعة بمكانة غامضة رغم شفافية الزجاج، كما تضع مسافة بين الزبون وما يريد شراءه، وفقا لوجهة نظر جان بودرَّيار في كتابه حول أساطير النظام الاستهلاكي وتراكيبه.
فالسلعة التي تُعرض من خلال الواجهة الزجاجية تبدو في شكل متناسق وظاهر، بحيث تكون كل واحدة (سلعة) مستقلة ومختلفة عن الأخرى المعروضة معها في نفس الواجهة؛ فعنصر التفرد والاستقلالية هو الغالب على عرض السلع في السوق الجديدة، وذلك على عكس عنصر الكثافة المتسمة به السوق القديمة.
كما يقوم العرض في السوق الحديثة على نظام عرض إحالي (يحيل إلى قيم أخرى) حيث وضع السلعة وتقديمها مع عدة مكونات تخرج بها من إطار الوظيفة إلى إطار الإيهام أو الصورة، فيصاحب هذا العرض عناصر الإعلان والجذب، مثل الملصقات وصور النجوم والأبطال المستخدمين لهذا المنتج، والتي تتكامل مع مكونات نظام العرض مثل الخلفيات الملونة والأضواء المسلطة ووضع المجسدات (المانيكان)، كل هذه المكونات المرافقة لعرض السلعة تجعلها بمثابة أسطورة في ذهن المستهلك.
وهنا يكون تقييم المستهلك للسلعة ليس مرهونا بمجرد وظيفتها فقط ، وإنما بعناصر العرض المصاحبة لها أيضا، لذلك فنحن بصدد نظام من يطلق عليه رأس المال الرمزي الذي لا يتبدى من خلال السلعة فقط، ولكن من خلال وجود السلعة داخل نظام العرض ككل القائم على الإيهام البصري.
وهذا الأمر يختلف عن نظام العرض المتبع في الأسواق القديمة الذي لا يعتمد على إيهام المشتري من خلال الواجهة الزجاجية التي تضعه في موضع المعزول والمشارك في آن واحد، فهو حاجز ولكن شفاف.
رأس المال.. رمزي أم أحادي؟
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد فهم آليات عرض السلعة بالسوقين القديمة والحديثة هو: هل تتشابه البضائع الموجودة في كلتا السوقين أم أن هناك اختلافا؟.
بداية هناك تشابه في بعض أنواع البضائع الموجودة في كلتا السوقين، والتي تصل في بعض الأحيان إلى حد التماثل من حيث الشكل والجودة ومكان الصنع، لكنها تختلف من حيث الثمن، وهذا إلى جانب وجود بضائع وسلع أخرى مختلفة بينهما.
إلا أننا لو نظرنا للبضائع المتماثلة فسنجد أنها تتمثل في (البنطلون الجينز، والتيشيرت، والحذاء الرياضي) بالإضافة إلى بعض السلع الأخرى الشهيرة، ويرجع ذلك بالطبع إلى نمط الموضة المطروحة من خلال النظام الإعلاني المهيمن، والمتمثل في طرق ونوعية ملبس النجوم وممثلي السينما والمسلسلات والمذيعين وفتيان وفتيات الإعلانات، "فلا يكتسب منتج معين مكانته مهما كان إلا حين يوضع للحظة في مركز الحياة الاجتماعية"، وفقا لديبور.
وهذا ما يمكن تسميته بالإعلان الضمني أو المضمر الذي يسيطر على جمهور كلتا السوقين من خلال وسائل الإعلام، وبالتالي سيدعم لدى الجمهور الحافز لمحاكاة هذا النجم أو هذه البطلة من خلال الموضة التي ترتديها، إلا أن هناك فرقا كبيرا بين عرض الموضة في السوق القديمة واستعراضها في السوق الحديثة؛ ففي الأول يتم عرضها بغرض التشبه بالنجم، أما الثاني فغرض العرض هو التقمص والتوحد والمعايشة الكاملة لعالم النجم.
وهناك فرق كبير بين التشبه والتقمص ولا يتم استيضاحه هنا إلا من خلال المقابلة بين رأس المال أحادي البعد ورأس المال الرمزي، فالأول يتمثل في السوق القديمة من خلال البضائع والسلع المعروضة، والتي هي في نفس الوقت صيحة الموضة؛ لذلك فمن خلال رأس مال أحادي البعد يتم عرض الموضة داخل إطار ثقافي واجتماعي مختلف الجذور عنها، يتمثل في: المعمار القديم، وعلاقات البيع والشراء، والمستوى التعليمي والثقافي لقاطنيه الذي قد يكون بسيطا أو منعدما.
ومن هنا نجد أن التشبه الذي تقدمه السوق القديمة مرتبط بالشكل الخارجي فقط (ملبس)، أي أن الموضة تنال الحالة الخارجية دون المكون الداخلي والرئيسي للشخص الذي يظل مرتبطا بحالته الأصلية الثقافية نتيجة لظروف عدة. فالسوق القديمة تقدم عالما مزدوجا وثنائيا يتكون من أساس ثقافي بصري أصيل يحوي بداخله منتجات الموضة الحديثة الواردة.
أما رأس المال الرمزي فهو جوهر الاستعراض المتمثل في الأسواق الحديثة، حيث تحول المدينة والمجتمع والعالم إلى صورة مصنوعة ومستوردة.
وتظهر أهم تجليات هذه الرأسمالية في المول حيث استيراد مبنى وبضائعه أو طرزها بالكامل من الخارج، دون تصرف أو تعديل؛ لذلك فالسوق الجديدة سواء المتمثلة في المول أو شوارع الأحياء الجديدة الكبرى قائمة على إلغاء ووأد الثقافة القديمة وبنيتها الاجتماعية والثقافية، وتقديم أخرى مستوردة يتم من خلالها تشكيل سلوك ووعي قاطنيها باندماجهم في حالة التقمص عبر الموضة؛ لذلك فرأس المال الرمزي هو إغواء للمستهلك، حيث يجعله يتقمص حالة اقتصادية لا تتواءم مع احتياجاته وقيمه.
مخرج مصري
|