|
| الحركة التعاونية تتطلب وعيا ثقافيا داخل المجتمع
|
يمثل قطاع التعاونيات أحد الروافد الاقتصادية المهمة في المنطقة العربية، حيث ساهم بشكل جزئي في إعادة توزيع الثروة، وخلق قوى إنتاجية ذات طابع مجتمعي. ورغم أهمية هذا القطاع في بناء مفهوم الاعتماد على الذات والعمل الجماعي الضروري للاستفادة من الطاقات، فإن مردوداته ما زالت دون المأمول اقتصاديا في منطقتنا، لا سيما في ظل انسحاب الدولة من قطاعات اقتصادية وخدمية.
ومن لفظته يتضح مفهومه، فالتعاون هو انضمام شخص لآخر لتحقيق مصلحة مشتركة فيما بينهما، أما إذا نقلنا هذا التعاون إلى الشكل الاقتصادي المنظم فهذا يعني تجمع القوى المالية البسيطة المتناثرة لمجموعة من الأفراد الذين تربط بينهم مصالح وروابط اجتماعية مشتركة، ويتم توحيد هذه القوى في منظمة تعاونية تدار بطريقة ذاتية ويتعاضد أفرادها، بشكل يحقق التكافل الاجتماعي بين القادرين من أعضاء المنظمة وغير القادرين.
وينشأ التعاون بدافعين اثنين: الأول إقامة مجتمعات عادلة في توزيع الثروة من خلال توسيع ملكية المنشآت الاقتصادية وتوزيع عوائدها، أما الآخر فهو عملي من أجل تحقيق منافع لمجموعة التعاونيين في عمليات إنتاجهم أو تسويقه أو تأمين مستلزماتهم وغيرها، حيث يؤمن التعاون مزايا التجمع والحجم الكبير.
وثمة مبادئ أساسية تحكم عمل التعاونيات، منها: مشاركة الأعضاء في رأس المال، بحيث يحصلون على عائد من أسهمهم، بينما يبقى غالب الربح لدعم نشاطها، وأيضا تقوم التعاونية بالتعليم والتدريب لأعضائها وممثليها ومديريها والعاملين لديها.
كما أن الإنسان التعاوني في سعيه لإنجاح جمعيته لا ينسى نفسه ولا ينسى الآخرين من حوله ولذلك يضع نصب عينه دائماً شعار التعاون: (الفرد في خدمة الجماعة والجماعة في خدمة الفرد). فضلا عن ذلك فالتعاونية تهدف أيضا إلـى تقديم أفضل الإنتاج والخدمات بأعلى المواصفات وأقل الأسعار، كما توظف جزءا من العائد (الأرباح) لتحسين منطقة عمل التعاونية والإنفاق على الثقافة والتدريب.
وفي سعيه نحو تحقيق المستوى الاقتصادي والاجتماعي اللائق لجميع منتسبيه يجعل النظام التعاوني المساواة بينهم في الحقوق والواجبات من المسلَّمات والبديهيات التي يفخر بها كل تعاوني وتعززها الديمقراطية التعاونية وتحميها الرقابة الذاتية الفعالة من الـهيئات التعاونية المتخصصة.
والتعاون ليس شكلاً للنشاطات الحرفية والصغيرة فقط، أو شكلا خاصا بالقطاع الزراعي وحسب، بل هو شكل يمكن أن يكون للمنشآت الصغيرة والكبيرة، حيث يضم الناس إمكانياتهم الصغيرة إلى بعضها لتكون بمجموعها طاقة كبيرة تستثمر في الإنتاج السلعي أو الخدمات بأنواعها.
ومن هنا فلا بد من فهم أن التعاونية هي مؤسسة اقتصادية تعمل وفق مبادئ الربح والخسارة ضمن اقتصاد السوق، فهي ليست جمعية خيرية بأي شكل من الأشكال، وهي بذلك تتشابه في هذه الجوانب مع الشركات المساهمة والفردية، ولكن تختلف عنها في جوانب هامة عديدة مثل الطابع الاجتماعي للملكية، وتوزيع العائد (الربح) والجانب الأخلاقي الذي يميز التعاون.
النشأة الغربية والعربية
بالنسبة لنشأة التعاونيات فقد ظهرت في القرن التاسع عشر على يد الألماني فريدريش فلهلم رايفيزن، الذي أسس أول جمعية ائتمان تعاوني كوسيلة لعلاج معاناة سكان الريف والحرفيين والعمال في عام 1888. وبعد ذلك انتشرت التعاونيات في الغرب بسبب توحش الرأسمالية وعدم إمكان صغار المنتجين والمستهلكين من التعامل في إطار قواعدها وإجراءاتها، بالإضافة إلى صعوبة الائتمان المصرفي لهذه الفئات، بسبب عدم قدرتهم على تلبية متطلبات الاقتراض منها، ولعزوف هذه المصارف عن تقديم ائتمان لهذه الفئات.
أما في العالم العربي فقد ظهرت الحركات التعاونية مع بداية القرن العشرين، ففي مصر التي تعد الدولة الكبرى عربيا في هذا القطاع، يرجع الفضل في ظهور التعاونيات إلى عمر لطفي حيث قام في عام 1908م بنشر الدعوة للجمعيات التعاونية مع ملاحظة أنها كانت تسمي حينذاك النقابات الزراعية، حيث لاقت الحركة التعاونية في ذلك الوقت قيوداً وصعوبات، ومع ذلك أسست الجمعيات التعاونية بمختلف الأغراض.
وتصل حاليا حجم عضوية التعاونيات في مصر إلى أكثر من 12 مليون عضوا في بنيان تنظيمي مترابط يبدأ من التعاونية إلى اتحادات إقليمية ومركزية وعامة وتتحد في النهاية في اتحاد تعاوني عام على مستوى الجمهورية يقابله جهاز إداري ضخم في وزارات الدولة يختص بالتعاونيات (الزراعة- التجارة والتموين- الإسكان- التعليم- الإدارة المحلية) وتتركز التعاونيات في الصناعة بمختلف أنواعها والزراعة وبناء المساكن والائتمان المصرفي.
أما سوريا فيرجع ظهور التعاونيات فيها إلى النشاط النقابي الذي أسس جمعيات من العمال هدفها الشراء المشترك، ونظم هذه الحركة قانون عام 1950م، غير أنه ساد التعاونيات السورية لفترة طويلة ضعف الإمكانات المادية والفنية، وقلة الوعي والثقافة التعاونية، والمنافسة القوية بينها وبين الأعمال التجارية، وعند قيام الوحدة مع مصر عام 1958 تقرر العمل بالقانون رقم 317 لسنة 1956م المعمول به في مصر، وعدل هذا القانون بالقانون رقم 91 لسنة 1958م، ثم نمت الحركة التعاونية في سوريا بالتدريج بعد ذلك.
وفي الكويت ظهرت الأفكار التعاونية عام 1959، حيث بدأ بعض المدرسين يروجون لتكوين الجمعيات التعاونية المدرسية، كما أخذت دائرة الشئون الاجتماعية أيضاً على عاتقها نشر الوعي التعاوني بين طوائف الموظفين والعمال والمنتجين والتجار، وفي سبيل ذلك أعدت لائحة نموذجية لجمعية تعاونية استهلاكية وجعلتها في متناولهم لتسهيل تأسيس جمعيات استهلاكية تعمل لصالحهم.
ومنذ ذلك الوقت بدأت الحركة التعاونية تشق طريقها خاصة بعد صدور قانون الجمعيات التعاونية رقم 20 لسنة 1962م وصدور الدستور الكويتي حيث تضمن في مادته رقم 23 أن تقوم الدولة بتشجيع التعاون والادخار، وأصبحت وزارة الشئون الاجتماعية والعدل معا هما الجهاز الحكومي المشرف على تنفيذ القانون.
وساهمت التعاونيات في دعم الاقتصاديات العربية، فعلى سبيل المثال تشير إحدى الدراسات حول القطاع التعاوني عام 2000 إلى أن التعاونيات الزراعية قامت بتغطية خدمة 98% من المساحات المزروعة في مصر، أما العراق فبلغت نسبة المساحات المزروعة عن طريق التعاونيات إلى إجمالي المساحة حوالي 99% للذرة البيضاء، و85% للذرة الصفراء، و81% للقطن، وأنتجت التعاونيات في اليمن حوالي 83% من إنتاج البطاطس، و65% من الخضراوات، و57% من الحبوب.
مشاكل.. وحلول
ورغم امتداد الحركات التعاونية إلى كل الوطن العربي، فإنها ما زالت ضعيفة وغير محسوسة خاصة في الأزمات الاقتصادية، وذلك لأسباب عديدة منها التهميش وعدم الفاعلية، وذلك نتيجة التوعية غير الكافية بأهمية التعاون والدور الذي يمكن أن يقوم به في التنمية الشاملة، ونقص التمويل الذي يمثل لب العمل التعاوني.
يضاف إلى ذلك غابة التشريعات القانونية المنظمة للعمل التعاوني، وكذلك تزايد الرقابة وإشراف الدولة إلى درجة إفراغ الحركة التعاونية من مضمونها الشعبي التطوعي وجعلها أقرب إلى الوحدات الحكومية، وكلها أمور بحاجة إلى إعادة النظر فيها.
وعلى الرغم من هذه المشكلات فإن لدى التعاونيات القدرة على اختراق مشكلات اقتصادية عديدة ربما أبرزها الحد من البطالة التي تمثل أهم التحديات في العالم العربي، والمقدر أن تبلغ بحلول عام 2010 إلى 47 مليون طالب عمل في العالم العربي.
فالتعاونيات في الدول العربية تستطيع زيادة فرص العمل عن طريق إنشاء تعاونيات جديدة في قطاعات مختلفة، أو من خلال التوسع الرأسي بزيادة تشغيل الجمعيات القائمة، وخاصة أن العديد من التعاونيات لا تعمل بكامل طاقتها التشغيلية.
والدليل على ذلك أن معظم التعاونيات الاستهلاكية في مصر يقتصر نشاطها على السلع الجافة والمحفوظة ولا تقوم بنشاط في سلع الخضراوات والفواكه واللحوم والأسماك والسلع الاستهلاكية، وكل نشاط من هذه الأنشطة يخلق فرص عمل جديدة.
كما يمكن للمجتمعات العربية اتباع المنهج التعاوني في التعامل مع مشكلة التشغيل خاصة في قضايا الصناعات الصغيرة، إذ إن قيام مجموعة من الشباب بتشكيل جمعية تعاونية يوفر جدارة ائتمانية من الفرد، كما يوفر استمرارية للمشروع لا تتوافر في حالة المشروع الفردي.
الدور المطلوب
إن التعاونيات العربية بكافة أشكالها وأحجامها وتنوعها تستطيع القيام بدور مؤثر وفعال في تطوير الاقتصاديات العربية، غير أن ذلك يتطلب نشر وتعميق مفاهيم وفلسفة الفكر التعاوني بمختلف الدول العربية لتوليد قناعة مشتركة بالنظام التعاوني ودعمه والاهتمام بالتدريب والتعليم التعاوني لتأهيل الكوادر التعاونية وإنشاء مراكز بحوث متخصصة بدراسة المشاريع التعاونية وجدواها الاقتصادية وأساليب تطويرها.
ويمكن للمشاريع التعاونية المشتركة أن تكون الخطوة الأولى الصحيحة للتكامل الاقتصادي العربي المبني على النسبية والتخصص والذي يراعي ظروف وإمكانيات كل بلد من خلال تعاونيات عربية مشتركة للإنتاج والتسويق، كالمزارع التعاونية الإنتاجية المشتركة، والتعاونيات العربية لتوريد وسائل الإنتاج الزراعي، والتعاونيات العربية لتجارة الجملة، وتعاونيات أو بنوك تعاونية عربية للتمويل والتسليف وشراء ما يتم طرحه من مشاريع القطاع العام العربية، وهكذا.
وأخيرا، فليس مطلوباً حياد الحكومات وابتعادها وعدم اكتراثها بالتعاونيات، ولكن المطلوب توضيح الخيط الرفيع الذي يفصل بين الدعم والتدخل من جانب الحكومات في شئون التعاونيات، والتمسك بهذا الخيط باعتباره ضمان التعاونيات لنموها وقوتها وتسييرها الذاتي واستمرارها في إحداث التنمية الشاملة كرافد أساسي للعمل الأهلي.
هوامش ومصادر:
أبحاث مقدمة في المؤتمر الدولي الذي عقده مركز الاقتصاد الإسلامي بالتعاون مع الاتحاد التعاوني العربي، والاتحاد العام للتعاونيات المصرية تحت عنوان (التعاونيات والتنمية في مصر والعالم العربي) في 8، 9 مارس 2005 وهي:
التعاونيات أحد روافد العمل الأهلي في الدول العربية، للدكتور مختار الشريف الخبير الاقتصادي بالمركز المصري لبحوث الصحراء.
التعاونيات وقضية البطالة في البلدان العربية، للدكتور مدحت أيوب بالاتحاد المصري العام للتعاونيات.
التكامل الاقتصادي العربي والدور المنشود للحركة التعاونية، د.باسم سليمان فياض أستاذ الاقتصاد الزراعي المساعد في مصر.
صحفي مصري
|