English

 

الخميس. مايو. 18, 2006

نماء » بورصات وبنوك » بورصات

 
   
روابط من إسلام أون لاين

انهيار البورصة المصرية.. تصحيح أم هبوط

ممدوح الولي

Image

للمرة الثانية خلال شهرين يتظاهر مستثمرو البورصة المصرية مطالبين بإقالة رئيس البورصة، وجاءت التظاهرة الثانية على أثر تراجع البورصة والانخفاض بقيمة أغلب الأسهم المتداولة بمنتصف هذا الشهر (مايو 2006) بنسبة 4%؛ وهو ما أعاد للذاكرة ما حدث يوم الثلاثاء الأسود بشهر مارس لنفس العام من هبوط شديد بمؤشر البورصة، والتي حدت بهيئة سوق المال بإيقاف التداول ذلك اليوم.

وجاءت المطالبة بإقالة رئيس البورصة المصرية -على غرار ما حدث بسوق المال السعودية من إقالة لرئيس هيئة سوق المال- بسبب عجزه عن وقف تلاعب الكبار ومنهم شركة "هيرميس" التي تقود السوق.

وكانت البورصة المصرية قد شهدت خلال عام 2005 طفرة في غالبية مؤشراتها بالمقارنة للعام الأسبق، حيث زادت قيمة التعامل بنسبة 278% لتصل إلى 160 مليار جنيه مصري (الدولار= 5.57 جنيهات). كما زاد عدد الأوراق المالية المتداولة بنسبة 118% ليصل إلى 5.311 مليارات ورقة مالية. وارتفع عدد الصفقات بنسبة 142% ليصل إلى 4.210 ملايين صفقة.

وزاد عدد الأسهم المقيدة بالبورصة بنسبة 41% ليصل إلى 9.316 مليارات سهم. كما زاد رأس المال السوقي للشركات المقيدة بالبورصة بنسبة 95% ليصل إلى 456 مليار جنيه.

وبلغ عدد الشركات المقيدة عام 2005 بالبورصة 744 شركة بنقص 48 شركة عن العام السابق، وهي شركات محدودة التعامل تم شطبها لأسباب تتعلق بنقص شروط القيد، وهو أمر لم يؤثر على السوق التي تتميز بظاهرة تركز النشاط في نحو 50 شركة فقط. وارتفع مؤشر أسعار البورصة المصرية (CASE30) بنسبة 146%.

وتعود طفرة التعاملات خلال 2005 إلى تضخم السيولة بالسوق؛ نتيجة طرح الحكومة أسهم شركتي أموك وسيدبك للجمهور، وتحقيق المشترين لتلك الأسهم لأرباح وصلت إلى حوالي ضعف ثمن الشراء خلال أسابيع قليلة. وفي هذا الجو من توقع تكرار تلك الأرباح العالية من شراء الأسهم الحكومية، طرحت الحكومة نسبة 20% من أسهم الشركة المصرية للاتصالات، وهي الشركة الوحيدة المحتكرة لخطوط التليفونات الثابتة وكذلك الاتصالات الدولية؛ وهو ما جعل الجمهور يتكالب عليها.

أسباب طفرة 2005

وساهم تضخيم الشركة المروجة لأسهم الاتصالات لنسب الإقبال، ومبالغة وسائل الإعلام الرسمية في التوقعات لقيمة السهم بعد طرحه. في حدوث إقبال كبير على شراء أسهم شركة الاتصالات من جانب فئات شعبية تدخل البورصة للمرة الأولى، وليس لديها أي ثقافة استثمارية. ومع تخصيص عدد محدود من الأسهم لطالبي الشراء اتجه هؤلاء الداخلون الجدد لتوجيه فوائض الاكتتاب لشراء أسهم أخرى أو لإعادة شراء أسهم الاتصالات بأسعارها المرتفعة توقعا لارتفاع أسعارها.

وعلى صعيد المستثمرين العرب ساعدت الفوائض البترولية العربية في اتجاه كثيرين منهم للشراء بالبورصة المصرية؛ وهو ما زاد من الطلب خاصة مع انخفاض سعر قيمة الأسهم المصرية النسبي بالنسبة للمستثمرين العرب والأجانب. وزاد دور المضاربين في توجيه السوق -والذي يخلو من وجود صانع سوق يمكنه ترشيد الطفرات السعرية- وسادت سياسة القطيع في الشراء دون الاستناد إلى المعلومات أو البيانات المالية للشركات أو للتحليل الأساسي أو الفني. حتى زادت أسعار شركات بنسب عالية لا تتناسب بالمرة مع أدائها، بل إن بعض أسهم شركات الدواجن كانت تتجه للصعود رغم كارثة إنفلونزا الطيور التي شهدتها مصر.

ولعبت شركات الوساطة دورا مهما في إغراء الجمهور بالدخول للسوق وقامت بتمويل نسبة من قيمة الصفقات. إلى جانب قيام البنوك بتمويل بعض العملاء لشراء الأوراق المالية. كما ساهم تنشيط برنامج الخصخصة في زيادة قيمة التعامل. وساهم كذلك إلغاء الحدود السعرية اليومية لعدد من الأسهم النشطة في السماح بنسب نمو عالية لتلك الأسهم. وتباهت الحكومة بزيادة الأسعار بالبورصة ونسبت هذا الأمر لها باعتباره انعكاسا لسياساتها الاقتصادية وفق رؤيتها.

وبدأ التصحيح...

ولقد استمرت كثير من مؤشرات التعامل بالبورصة في النمو مع بداية العام الحالي 2006؛ ففي الثلث الأول من العام زادت قيمة التعامل بنسبة 207% لتصل إلى 119 مليار جنيه مقابل 39 مليار تحققت خلال الثلث الأول من 2005. وارتفع المتوسط اليومي لقيمة التعامل إلى 1.457 مليار جنيه مقابل 491 مليون جنيه عن نفس الفترة العام الماضي. كما زاد عدد الأوراق المالية المتداولة بنسبة 78% وارتفع عدد الصفقات بنسبة 117%. مع الأخذ في الاعتبار انخفاض مؤشرات التعامل تدريجيا من يناير إلى إبريل.

إلا أن الأسعار لم تأخذ نفس الاتجاه الصعودي بعد أن بلغت مستويات لا تتفق مع واقع الشركات التي تنتمي إليها، ومن هنا فقد كان من الطبيعي أن تصحح السوق نفسها. خاصة مع حدوث نفس التصحيح بالأسواق الخليجية التي كانت قد شهدت طفرة في أسعارها خلال العام الماضي. وتضافر ذلك مع عدم تنسيق هيئة سوق المال نزول عدد من الاكتتابات في زيادة رؤوس أموال الشركات في نفس الوقت؛ وهو ما أدى لزيادة العرض.

ومنذ شهر فبراير اتجهت الأسعار بالبورصة المصرية إلى الهبوط. وشهدت البورصة في منتصف مارس 2006 تراجعا حادا؛ وهو ما دعا صغار المستثمرين للتجمهر أمام مقر البورصة في حدث غير مسبوق.

محاولات للإنعاش

إلا أن الحكومة المصرية التي اعتبرت أن صعود الأسعار بالبورصة علامة إيجابية ترتبط بإنجازاتها، تدخلت للحفاظ على تلك الصورة التي ورطت نفسها فيها. واستخدمت الحكومة عددا من الآليات لزيادة الطلب لمقابلة العرض المتزايد من جانب الأفراد للحفاظ على الأسعار. منها محافظ الأوراق المالية للتأمينات الاجتماعية التي استولت عليها وزارة المالية في التعديل الوزاري الأخير.

كما استخدمت الحكومة سلطانها في توجيه محافظ الأوراق المالية الضخمة بالبنوك الحكومية العامة للشراء، ونفس الأمر لبعض صناديق الاستثمار التابعة للبنوك العامة. ومن هنا تماسكت السوق بل اتجهت للارتفاع بعض الوقت. إلا أن قوى السوق كان لا بد لها من أن تؤدي دورها فاستمرت الأسعار في التراجع.

حتى إنه مع إعلان وزير الاستثمار -الذي يشرف على السوق من قبل الحكومة- في احتفال كبير عن بدء إطلاق مؤشر داو جونز الخاص بالأسهم المصرية اتجهت الأسعار للتراجع في اليوم التالي مباشرة لإطلاق المؤشر. وحدث نفس الأثر للإعلان عن تكوين محافظ في أسواق دولية تستند محافظها إلى مكونات مؤشر البورصة الذي يضم الشركات الثلاثين الأكثر نشاطا.

أسباب الانخفاض

وجاءت انفجارات مدينة دهب السياحية خلال شهر إبريل 2006 وكان من الطبيعي أن تؤثر على الأسعار بالبورصة. إلا أن الحكومة تدخلت أيضا في إطار سياستها التي تتجه إلى الدعوى بأن أحداث دهب لم تؤثر على حركة السياحة أو الطيران وبالتالي على البورصة رغم أن واقع الحال الحقيقي غير ذلك.

ومع عودة سياسة القمع الحكومية تجاه حركات المجتمع المدني كان من الطبيعي أيضا أن تتأثر البورصة باعتبارها المرآة لكل ما يحدث بالمجتمع من مؤثرات على مناخ الاستثمار. وساهمت عدة عوامل في تراجع ثقة المستثمرين بالسوق. منها تراجع سعر أسهم المصرية للاتصالات لأقل من سعر الطرح الحكومي؛ وهو ما ألحق خسائر كبيرة لحائزيه، خاصة لمن اشتروه بقيم عالية من السوق.

كذلك انخفاض سعر سهم هيرميس القابضة كسهم قائد للسوق، وزادت حالة التشاؤم لدى صغار المتعاملين الذين أصبحت لهم النسبة الكبرى من التعامل بعد ابتعاد كثير من المؤسسات المالية عن السوق توقعا لاستمرار حالة الهبوط السعري حتى شهر أكتوبر القادم.

دور بورصات الخليج

واستند بعض المحللين إلى وجود ترابط بين الهبوط الذي شهدته الأسواق الخليجية وما حدث بالبورصة المصرية من هبوط. فحتى منتصف مايو 2006 وخلال الفترة المنقضية من العام الحالي تراجعت الأسعار بالإمارات بنسبة 40% وبالسعودية بنسبة 35% وبقطر 26% وبالكويت بنسبة 12% وبسلطنة عمان بنسبة 7% وبالبحرين1%.

وذكر هؤلاء أن كثيرا من المستثمرين الخليجين كانوا مقترضين جانبا من قيمة مشترياتهم من الأسهم، وأنه مع انخفاض الأسعار بأسواقهم طالبتهم البنوك المقرضة لهم بسداد الفرق عن أسعار الأسهم المنخفضة. لذا اتجهوا لتسييل محافظهم في مصر لتدبير سيولة لدفعها لتلك البنوك.

إلا أن هذا الرأي لم يجد قبولا لدى غالبية الخبراء، على اعتبار أن توافق الاتجاهات بين الأسواق الخليجية والسوق المصرية لم يكن موجودا على طول الخط، وأن انخفاض الأسعار بالبورصات الخليجية مؤخرا يرتبط بالأزمة النووية الإيرانية، وأن البورصة المصرية تعد الملاذ الآمن لاستثماراتهم؛ وهو ما يفسر زيادة مشترياتهم بالسوق المصرية مع اتجاه أسواقهم للتراجع.

توقيت حرج

جاء توقيت انهيار البورصة حرجا للحكومة المصرية التي تبنت تماسك الأسعار بالبورصة، والتي تستعد لافتتاح مؤتمر دافوس الشرق الأوسط بمدينة شرم الشيخ بعد 5 أيام من التظاهر في العشرين من مايو. وهو المؤتمر الذي تريد من خلاله الحكومة أن تؤكد ثقة المستثمرين العالميين بها خاصة بعد توالي أحداث العنف تجاه السياحة والشرطة وارتفاع حالة الاحتقان السياسي من جانب قطاعات من القضاة والصحفيين والأطباء ونقابات أخرى وبعض جمعيات حقوق الإنسان. ومن هنا تدخلت الحكومة لتتجه الأسعار للارتفاع بشكل واضح في اليوم التالي للتظاهرة مباشرة.

وهذا التدخل الحكومي بسوق الأوراق المالية المصرية يمنع حركتها من التعبير الحقيقي عن آليات السوق، والبورصة الطبيعية تحركها قوى العرض والطلب والمعلومات. حتى تكون مرآة صادقة عن الاقتصاد. ونظرا لأن الاقتصاد المصري يعاني من عجز مزمن بالميزان التجاري، وعجز مزمن بالموازنة العامة، ومن دين عام متزايد، ونسب عالية من البطالة والفقر وحالة من الغلاء، هذا بالإضافة إلى حالة احتقان سياسي غير مسبوق بالمجتمع المصري. فان هذه العوامل لا بد أن تلقي بظلالها على البورصة في الأجل القصير على الأقل، ومهما تدخلت الحكومة فإن قوى السوق لا بد أن تؤدي دورها ويكون لها الكلمة الأخيرة.


نائب مدير تحرير الأهرام - مصر

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم