|
| وجود الصيانة يبدأ بإدخالها المناهج التعليمية
|
الصيانة هي المعمل الحضاري الأول لتعليم الأمة مبادئ التكنولوجيا، وهي الأداة الأساسية لارتياد دروب التصنيع. ومع ذلك فالشعوب النامية غافلة عن البحث في إقامة منظومة الصيانة وتشييدها.. ومع الوقت يصبح إنشاء هذه المنظومة أكثر صعوبة علمًا واقتصادًا، وتتعقد وسائلها ومناهجها بطريقة متسارعة في دروب التخصص الدقيق المتقدم؛ حتى ليظن العالمون أن الأنواع الجديدة من الصيانة المتقدمة أضحت تفرض على الشعوب النامية قيودًا عنيفة تمس سيادتها وأمنها في الصميم.
وانظر إن شئت إلى إحدى شركات الطيران العربية التي كانت قد اكتسبت مهارة صيانة وصلت بها إلى القيام بحوالي 70% من أعمال الصيانة الخاصة بطائراتها بقدرة ذاتية، ولكن الطائرات الحديثة، وما أملته من شروط في الأمان والأداء انتكست بهذه الشركة من 70% إلى 20% من أعمال الصيانة.
الواقع المر هو أن الصيانة في معظم البلدان النامية قضية عشوائية، لا تنتظم داخل منظومة، ولا يحيط بها فكر مدبر لإعدادها سواء بالنسبة للدولة أو بالنسبة للأفراد. والحق أن هموم الصيانة بالنسبة للشعوب النامية تغاير تمامًا همومها في البلدان الصناعية الغربية؛ ففي هذه الأخيرة يتنازع الصيانة اتجاهان: أولهما الزوالية التي تتعلق بنزعة الإنسان الغربي إلى التغيير والتبديل والاستكثار، أما الاتجاه الثاني فهو الاعتمادية فيما يتعلق بالأمن والأداء في أدوات الحرب وسفن الفضاء.
والمجتمع الغربي الصناعي يبحث عن حل وسط بين هذين الطرفين المتنازعين؛ حيث يملي الأول اتجاهًا إلى عمر زوالي قصير، ويملي الثاني اتجاهًا إلى عمر زوالي طويل. ولنقرأ معًا هذه الكلمات من كتاب "الدبابات.. دقيقة وعظيمة" Tanks are mighty fine things للعالم الأمريكي ويزلي ستون (Wesley Staut)؛ حيث يشير إلى أن "الاعتمادية" في صناعات الدبابات الأمريكية هي التي هزمت الألمان.
ويقول ستوت: لقد كان للألمان مهارات عالمية وعبقريات عظيمة، ويملكون أحسن الأدوات، وما كانت تنقصهم المواد، ولقد سبقونا في كثير من الأحوال في تحسينات أساسية... ومع ذلك فهم يعللون هزيمتهم نتيجة لتفوقنا العددي والمادي... ولقد كان لنا هذا التفوق المادي والعددي، ولكن ذلك لم يكن السبب الوحيد.. إن دباباتنا كانت الأفضل؛ لأن الألمان ما تعلموا قط أن يفكروا من منطلق الاعتماد "Telialabitity" كما كنا نستخدم الكلمة للتعبير عن مبدأ أساسي "الأداء الأعظم مع الرعاية والتغيير القليلين".
الصيانة والتعليم
أما الشعوب النامية فمقاصد الصيانة فيها أمران هما: حفظ الطاقة القومية، واستنبات التكنولوجيا، ولن نخطو في هذا الطريق خطوات صالحات حتى يتم تصميم منظومة الصيانة تصميمًا يرشد الجهد الحكومي وجهد الأفراد في تناغم يحقق المقاصد المرجوة من غير تفريط ولا إفراط.
فلا بد من صياغة دور الدولة في المنظومة ليحقق مجموعة من الأهداف المتداخلة والمتكاملة مثل صياغة القوانين والنظم التي تحكم:
1 - استيراد الأشياء وحق الصيانة.
2 - ملكية الأشياء وضرورة تعلم الصيانة الأولية والامتحان فيها كشرط من شروط الملكية أو باختصار التشغيل وحق الصيانة.
3 - حجب الإنسان العربي عن تدفق "بضائع الزوالية" من الغرب حتى نتيح لهذا الإنسان قدرًا من الوقت للتعامل مع "بضائع بطيئة" يصونها ويتعلم منها الجديد.
4 - فرض قوانين على المصانع الوطنية بعمل كتب صيانة واضحة للمستعمل، وكذلك تستطيع الدولة أن تلعب دورًا مهمًّا في منظومة الصيانة عن طريق الجهاز التعليمي.
فنحن أمة سنظل نعيش على الاستيراد الصناعي لفترة قادمة غير قصيرة، وفي مثل هذه الظروف تلعب الصيانة دورًا أساسيًّا ودورًا جوهريًّا في حفظ الطاقة القومية وفي استنبات التكنولوجيا؛ فإذا وضحت هذه الحقيقة الأساسية ظهر لنا قيمة إعادة النظر في كل مناهجنا التعليمية لتخدم منظومة الصيانة.
فالدراسة الأولوية لمناهجنا التعليمية سواء ما قبل الجامعة أو ما بعدها تظهر بوضوح أن الصيانة ليست وجهة ولا هدفًا من أهداف العملية التعليمية، وبالطبع لن يضطلع بهذه المهمة في الدولة إلا المشتغلون بالتعليم سواء كانوا في الجامعات أو في غيرها.
وبجانب النظر في المناهج جميعها لتتخذ لنفسها وجهة صيانية لا بد من إعداد مجموعة من المناهج على مستوى البكالوريوس ومستوى الدراسات العليا، تهتم بالصيانة كعلم، وتثير في الطلاب والأستاذة الرغبة في بحوثها حتى تصبح المفاهيم الصيانية التي تتمحض عنها الدراسة المختلفة شائعة بين أكبر قدر من التقنيين الذين سيديرون دفة الصناعة في أجيال مقبلة.
ومن غير قوانين حاكمة وتعليم وتدريب يوفر الطاقة البشرية المدربة وإدارة محيطة بأبعاد العملية الصيانية ودورها الحضاري.. من غير ذلك يصبح كل جهد في الصيانة ضائعًا وتتعارض الجهود وتصطدم المصالح.
من أجل ذلك مطلوب أولا تحديد هيكل منظومة الصيانة، وتحديد مصادر طاقتها البشرية من خلال التدريب، وإذا جاز لنا أن نستخدم تعبيرًا شائعًا في الحاسبات الإلكترونية فسنقول بأن إدخال الصيانة للتعليم هي مشاريع "لينة"، وبقي أن نذكر المكونات "الصلدة" لعمليات الصيانة التي تتكون من أربع خدمات: الإصلاح والتجديد، والصيانة الدورية والوقائية، والتركيب والتشغيل، والتدريب واكتساب المهارات الخاصة.
إننا نستطيع تلخيص المهمة المطلوبة في تحديد نماذج مؤسسات الصيانة في عدة أمور:
أ - دراسة نوعية الصيانة المطلوبة وحجمها في فترة مستقبلية معينة.
ب - دراسة واختيار أمثل لمجموعة من النماذج التي يمكن إقامتها سواء على مستوى الأفراد أو مستوى المنشآت أو مستوى الحكومات.
ج - دراسة واختيار أمثل لمجموعة من الخيارات التعليمية والتدريبية.
أستاذ هندسة التحكم وميكانيكا الطيران – القاهرة.
|