English

 

الجمعة. أكتوبر. 1, 1999

نماء » بورصات وبنوك » بنوك

 
   
روابط من إسلام أون لاين

البنوك في حالة انتعاش أم في غرفة الإنعاش؟

إعداد - لبنى سعيد

Image

أقرت ولاية بيرليس الماليزية الشهر الماضي وضع نظام جديد للقروض البنكية لمن لا يملكون ضمانات كافية، وذلك بأن يقسموا على المصحف أنهم سوف يقومون بسداد القروض في موعدها!

ورغم أن هذا القرار يأتي لتحريك محفظة النقد والاستثمار التي تعاني ركودًا، وبعيدًا عن طرافة السلوك البنكي الماليزي إلا أنه يشير لأزمة تتعرض لها البنوك في العالم كله، تدفعها لمثل هذه المسالك، باعتبارها قشة الغريق التي يتعلق بها على أمل الإنقاذ، وكثيرة هي التغيرات التي مرت بعالم البنوك منذ نشأته حتى الآن، ما بين ازدهار وانهيار وخصخصة وتأميم واندماجات وانكماشات، فبسبب طبيعة عملها تتعرض البنوك لكثير من مصادر الخطر نتيجة لأي اضطرابات أو ضغوط في الاقتصاد.

 ومع التغيرات التي جرت في الاقتصاد العالمي في الفترة الحالية فإن السؤال المطروح هو أين تقف البنوك الآن؟ وهل هي في حالة ازدهار أم أنها على مشارف الانهيار؟

ولكي نحدد وضع البنوك الآن يجب أولا أن نوضح الأدوار التي تقوم بها؛ فللبنوك أدوار رئيسية تقوم بها في الدول، وإن تعددت النشاطات التي تتبناها للقيام بهذه الأدوار، وهي:

1-دور الوسيط: حيث إن البنوك تحوّل الودائع التي تحصل عليها من راغبي الادخار إلىشركات الأعمال في شكل قروض للاستثمار، كما أنها تقوم بدفع المستحقات المطلوبة من عملائها نيابة عنهم.

2-دور الضامن: حيث تعطي خطابات ضمان وائتمانات لعملائها، حتى يتمكنوا من دفعما عليهم من مستحقات.

3-دور الوكيل: حيث تقوم نيابة عن عملائها بإدارة ممتلكاتهم الخاصة والمحافظة عليها.

4-دور المنفذ للسياسات الحكومية: وأخيراً، فإن للبنوك دوراً أساسياً في تنفيذ السياسات الحكوميةفي محاولتها لضبط النمو الاقتصادي وتحقيق الأهداف الاجتماعية.

وبالطبع فإن غياب إحدى هذه الأدوار أو التقصير في أدائه يؤثر تأثيرًا جذريًا في اقتصاديات الدول؛ وبالتالي في الاقتصاد العالمي.

 وإذا كنا عرفنا الأدوار التي تقوم بها البنوك فيجب أن نعرف كذلك التحديات التي تؤثر عليها، ومن أهمها المنافسة المتصاعدة من المؤسسات المالية البنكية وغير البنكية، مما يجعل البنوك مضطرة إلى التنويع والتوسع في الخدمات التي تقدمها، وتأتي هذه المنافسة نتيجة لتخفيف القيود الحكومية على عمل البنوك وغيرها من المؤسسات العاملة في مجال الاستثمارات المالية، وبدأ هذا التخفيف عندما سمحت الحكومات بالزيادة غير المحدودة لسعر الفائدة على المدخرات، ظنًا منها أنها بذلك تعطي فرصة أكبر للعامة للحصول على عائد أعدل على مدخراتهم، مما جعل المدخرين يطالبون بسوق به منافسة أقوى حتى يحصلوا على سعر فائدة أكبر، فزاد ذلك من نفقات التمويل، خاصة وأن البنوك أخذت في الاعتماد على الودائع أكثر من اعتمادها على رأس المال في تمويل مشروعاتها، كما أن المدخرين أصبحوا أكثر حساسية تجاه سعر الفائدة؛ فجعلهم ذلك يرغبون عدم الدخول في تعاقدات طويلة الأجل، حتى يسهل سحب ودائعهم أو مدخراتهم (وبدون خسائر) من مؤسسة مالية ذات سعر الفائدة الأقل  ليودعوها في تلك ذات سعر الفائدة الأعلى.

ومن المؤثرات التي صاحبت رغبة البنوك في رفع القدرة على المنافسة: الثورة التكنولوجية، حيث لجأت البنوك إلى الاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة واستخدام الآلات المتطورة حتى تستطيع خدمة عملائها لزمن أطول وفي وقت أقل، ولكن ما صاحب ذلك من استغناء عن عدد كبير من العمالة البشرية جعل منه عملاً يصبُّ بالسلب في خانة التوظيف وفرص العمل.

كما أنه نتيجة لعولمة البنوك لن يكون هناك مجال للبنوك الصغيرة، فالاتفاقيات مثل اتفاقية الجات التي تطورت إلى منظمة التجارة العالمية W T O ستزيل الحدود بين الدول، وسينتقل رأس المال بين البلدان، ولن تكون خدمات البنوك محدودة على أماكن معينة. لذلك ظهر اتجاه واضح نحو الاندماج والتحالف لخلق مؤسسات مالية ضخمة تستطيع مواجهة تحديات العولمة.

ونتيجة لكل المؤثرات السابقة فإن البنوك تواجه مأزقًا كبيرًا، حيث إن عليها أن تزيد من كفاءتها ومن ضمانتها ومن سعر الفائدة الذي تعطيه لعملائها، إلا أنها في حالة الخسارة تتحملها وحدها‍‍‍‍‍‍‍‍‍.

ورغم أن ما يجري من تحالفات واندماجات في عالم البنوك يخلق مؤسسات مالية أكبر وأقوى، إلا أنه مؤشر على أن البنوك في حالة احتضار وعدم قدرة على مواجهة التحديات التي تقف أمامها، لذلك فإن إسهام البنوك في سوق الخدمات المالية قد بدأ في الهبوط، بينما شركات التأمين وشركات توظيف الأموال ينمو إسهامها في ذلك السوق.

وقبل أن نذكر أمثلة على هذه التغيرات والاندماجات، يجب أن نضع في الاعتبار أن العلاقات المعقدة والاعتماد المتبادل بين البنوك وعملائها وبين البنوك وبعضها البعض يجعل من المصاعب والمشاكل -التي قد تكون في الأصل محلية- مشاكل ومخاطر ذات انتشار واسع في القطاع المصرفي وفي الاقتصاد ككل.

وتاريخ الأزمات المصرفية ليس جديدًا، فإن كساد عام 1930م العظيم كان ملحقًا بانهيارات للبنوك في الولايات المتحدة وغيرها. 

أزمات مصرفية

 في عقد الثمانينيات ومطلع التسعينيات تعرض النظام المصرفي لعدة أزمات؛ كان أهمها مشكلة الديون العالمية التي أدت إلى إضعاف النظام المصرفي العالمي، وكشفت للجميع وضع المصارف الداعي للقلق؛ إذ اتضح أن البنوك التجارية العالمية التي لعبت دوراً هاماً في النظام المصرفي تعاني من ضعف رأس مالها، وقلة أصولها وارتفاع نسبة الديون المشكوك فيها. ومن أشهر الانهيارات التي حدثت في عالم البنوك انهيار بنك التجارة والاعتماد الدولي (B.C.C.I) وما نتج عنه من مناخ سلبي لعموم البنوك.

وشهد قطاع المصارف والبنوك الكثير من عمليات الاندماج في الأعوام القليلة الماضية تميزت بتجميع أصول مالية لبنوك عملاقة تعدّت في جملتها 5 تريليون دولار، فقد شهد العالم منذ مطلع عام 1995م وحتى نهاية العام الماضي اندماج ما يقرب من 5400 منشأة مالية، بلغ نصيب الولايات المتحدة وحدها ما يعادل 56% من هذه الاندماجات المصرفية.

كما أن الاندماجات بين البنوك تزيد بشكل ملحوظ أعقاب الأزمات الاقتصادية العالمية، ليس بدافع النمو وزيادة الإنتاج، وإنما بدافع الخوف من ظهور خسائرها الناتجة عن تفاقم هذه الأزمات، حتى إن اندفاع بعض المؤسسات السريع نحو مثل هذه الاندماجات قد يتسبب في بعض الأحيان في فشل وخسارة وانهيار الشركة الجديدة. 

اندماجات كبرى

في أعقاب الأزمة الروسية خسر بنك "بانكرزترست" العالمي 488 مليون دولار في صيف عام 1998م، وخسر "دويتش بنك" الألماني ما يقرب من مليار دولار، وقد اشترى (دويتش بنك) مؤخرًا بنك "بانكرزترست" في صفقة بلغت قيمتها 10 مليارات دولار، وفي سويسرا عُقدَت مؤخراً أكبر صفقة اندماج في قطاع البنوك بين البنك السويسري وبنك الاتحاد السويسري والتي بلغت أصولها 754 مليار دولار.

وبعد سنوات طويلة عانت فيها البنوك الأمريكية من الغياب الواضح على الساحة الدولية، مما أدى إلى خلو قائمة أكبر بنوك العالم حتى نهاية عام 1996م من أي بنك أمريكي، لجأت البنوك الأمريكية في العامين الماضيين لعمليات الاندماج الكبرى بهدف خلق كيانات مصرفية عملاقة تستطيع المنافسة بين البنوك على المستوى العالمي، وكانت الصفقة الكبرى للاندماج في أبريل من العام الماضي بين مصرفي (ترافيلرز جروب) و(سيتي كورب)، واللذين كونا معا المجموعة المالية (سيتي جروب) بأصول بلغت قيمتها 698 مليار دولار. كما اندمج (تشيز بنك) مع (بنك أمريكا) في صفقة أصول بلغت 570 مليار دولار، واشترى (بنك وان) بنك (فيرست شيكاغو) بمجموع أصول بلغ 240 مليار دولار.

وفي آسيا وفي أعقاب أزماتها الاقتصادية الكبرى اندمج بنك (ميتسوبيشي) مع (بنك طوكيو)، حيث إن اليابان تعمل على النهوض السريع لإعادة اقتصادها إلى النمو النشط، وقد أسست الحكومة اليابانية هيئة مستقلة لإعادة هيكلة البنوك اليابانية. كما قامت السلطات اليابانية بوضع خطة في خريف 1998م لإصلاح نظامها المالي، ووافقت على ضخ حوالي 7500 مليار ين لإعادة رسملة المصارف الكبرى الخمسة عشرة في البلاد.

ورغم ذلك فإن السلطات اليابانية لم تكن مهتمة إلى حد كبير بمصير حوالي 120 من المصارف الإقليمية اليابانية الغارقة في الديون، وكانت الدولة قد أممت 4 مصارف تواجه صعوبات في النهوض الاقتصادي بدون مساعدة، كما أن المصارف (هوكوريكوبنك) و(إشيكاغابنك) و(بنك أوف ذي ريوكي بنك) و(هيروشيما سوغو بنك) أعلنت أنها ستطلب مساعدة بقيمة 260 مليار ين (22 مليار يورو) من الدولة لتصحيح حساباتها وإلغاء  قسم من الديون الهالكة.

البنوك العربية

وعلى الساحة العربية فإن البنوك العربية تحتل خمسين مركزًا فقط من المراكز الألف الأولى على مستوى العالم، مما يعني أن نسبة وجود البنوك العربية على الساحة العالمية لا تتعدى 5% ، مما جعل من المتوقع أن يشهد القطاع المصرفي أوضاعًا غير مريحة؛ خاصة وأن تداعيات الانهيار الذي أصاب أسواق المال في جنوب شرق آسيا وروسيا ومناطق أخرى قد ظهر تأثيره جليا عليها.

إلى جانب ذلك فإن هناك الكثير من التحديات والمتغيرات الدولية والمعايير المصرفية التي تواجه البنوك العربية؛ منها اتفاقية تحرير الخدمات المالية التابعة لمنظمة التجارة العالمية والتي تضع البنوك العربية في موقف صعب ومأزق حرج، حيث إن عليها تطوير نفسها خلال فترة وجيزة حتى تتمكن من منافسة نظيرتها الأجنبية القادمة بموجب هذه الاتفاقية لتعمل في الأسواق العربية، وتحصل على نفس مزايا البنوك الوطنية.

كما أن المعايير المصرفية الدولية (مقررات لجنة بازال) تمثل تحديًا آخر لهذه البنوك، حيث إنها مازالت تصف معظم الدول العربية بأنها دول مرتفعة المخاطر، الأمر الذي يؤدي لزيادة تكلفة حصول المصارف العاملة داخل الوطن العربي على الموارد المالية من الأسواق الدولية. كما أن الحدود الدنيا لرؤوس أموال البنوك العربية لا تتناسب والأوضاع الاقتصادية والمصرفية المالية العالمية، حيث إن الحدود الدنيا لهذه البنوك بلغت 30 مليون دولار في مصر، و30 مليون دولار في الأردن، و8 ملايين دولار في لبنان، بينما يتجاوز الحد الأدنى لأضعف بنك أوربي 800 مليون دولار! كما أن كثير من بنوك المنطقة تُعد بنوكاً صغيرة لا تجدي كثرتها، لأنها متواضعة ولا تؤدي أدوارًا فعّالة في الخدمات المصرفية، وتفتقد إلى الآليات والنظم البنكية الحديثة؛ مما يجعل البنوك المحلية في حالة عدم قدرة على المقاومة والمنافسة ويعرضها للانهيار والابتلاع. وقد لجأت بعض الدول لنظام خصخصة البنوك وطرحها أمام المستثمرين والبنوك الأجنبية حتى تواجه هذه التحديات، إلا أنه إذا وضعت الحكومات حق امتلاك أكثر من 49% من رأس المال إلى المستثمرين الأجانب فإن هذه البنوك ستتحول إلى فروع لبنوك أجنبية كبيرة؛ وبالتالي ينهار القطاع المصرفي العربي تدريجيًا.

وبعد هذه النظرة على المصارف… دورها، والاتجاهات المؤثرة فيها، ووضعها الحالي؛ يتضح كم يعاني النظام المصرفي وكم يحتضر وكم يحاول التشبث بالحياة

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم