English

 

الاثنين. سبتمبر. 5, 2005

نماء » مفاهيم ومصطلحات

 
   
روابط من إسلام أون لاين

"إسلام حضاري" ببصمة رأسمالية..!

حسام تمام

رئيس وزراء ماليزيا عبد الله بدوي يمسك بنسخة من كتيب الإسلام الحضاري
رئيس وزراء ماليزيا عبد الله بدوي يمسك بنسخة من كتيب الإسلام الحضاري

كوالالمبور- يفوته الكثير من يحاول فهم مشروع الإسلام الحضاري الذي أطلقته ماليزيا من خلال قراءة نصوصه فقط، ويبعد عن الصواب من يقرؤه كمجرد اجتهاد أو رؤية دينية لمفكر أو مصلح فرد؛ فالمدخل الحقيقي لقراءة وفهم هذا المشروع هو النظر إليه باعتباره ليس مشروعا فرديا، وإنما مشروع دولة لا ينفصل مطلقا عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الداخلي فيها، وليس معزولا -بالتأكيد- عن التوازنات الإقليمية والعالمية.

وتفيد وثيقة المشروع التي أصدرتها مصلحة الشئون الإسلامية الماليزية في بداية عام 2005 كثيرا في فهمه؛ إذ عرّفت بالإسلام الحضاري، وأفاضت في شرح فكرته ومفهومه، ورسالته وهدفه والتطلع المنتظر منه، وفصلت في شرح مبادئه وأسسه (طالع: وثيقة مشروع الإسلام الحضاري)، ولكن الاقتصار عليها سيكون مخلا في فهم وتفسير المضامين التي وردت بنص المشروع، والتي لا بد من وضعها في السياق الذي تعيش فيه ماليزيا، وهو ما يحاوله هذا المقال.

دولة رأسمالية مسلمة

إذا جاز لنا أن نلخص الإسلام الحضاري بكلمات من خلال مضمونه؛ فيمكننا القول بأنه مشروع يقدم المشروعية والدافعية الدينية لعملية بناء دولة رأسمالية تلعب فيها الأقليات الدينية دورا فاعلا مع الاحتفاظ للأغلبية المسلمة بالدور المركزي في إدارة وتوجيه هذه الدولة.

فالرؤية التي يطرحها هذا المشروع تستحضر وتكثف كل المعاني والقيم والتعاليم الإسلامية التي من شأنها أن تجعل الإنسان فاعلا في الحياة، قادرا على البناء والنماء والصمود في حلبة التنافس مع الآخرين، وتنمي لديه ملكات الإبداع والابتكار والاعتماد على النفس، وهي القيم والتعاليم التي وصفتها وثيقة المشروع بأنها "تهتم بجوانب الحياة المختلفة من أجل رفع مستوى معيشة المجتمع المتمدن، ومن ثم إعداد أبنائه لمواجهة مختلف تحديات العصر الحديث؛ عصر ثورة الاتصالات والمعلومات والعولمة والاقتصاد العالمي".

وتوصل الدولة الماليزية من خلال "الإسلام الحضاري" رسالة لمواطنيها بأن ميدان المنافسة والتحقق هو الدنيا نفسها، وأنه لا يجوز أن ينصرف عنها أو يقلل من شأنها، وأنه لا بد أن يكون عنصرا دافعا للبناء ونماء دولة قوية ناهضة، وأن نجاحه في ذلك هو طريق للنجاح في الآخرة، غير أنه يسعى بأن يحكم هذه المنافسة وهذا البناء بشروط وتعاليم الإسلام، ولذلك فهو يؤكد صراحة أن رسالته الأخيرة هي "تنفيذ الخطط التنموية للدولة والشعب من منطلق مفاهيم العالمية والتقدم والحضارة والتسامح والتوازن في الإسلام".

وبتركيزه على الدنيا وعمارتها يختلف طرح الإسلام الحضاري إلى حد كبير عن طرح الإسلام الصوفي الذي يضع نصب عينيه الدار الآخرة فقط، ويرى عمارتها أهم من عمارة الدنيا، وبإعلانه أن رسالته هي التنمية يختلف كذلك عن طرح حركات الإسلام السياسي التي تركز دائما على مشروع الدولة الإسلامية وحاكمية الشريعة وعلى الرسالة العقدية للدولة، والتي تسعى إلى تعبيد الناس لله.

ولأنه مشروع دولة فيبدو طرح الإسلام الحضاري أكثر اقترابا واستيعابا لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة؛ فهو يراعي التعدد والتنوع داخلها، ويقرر المواطنة أساسا لبنائها، ويبدي تفهما تاما لقضايا الحريات الأساسية وحقوق الأقليات الدينية والعرقية ودورها الفاعل في بناء الدولة، وتبدو فيه النزعة الإنسانية حاضرة بقوة، كما تسيطر عليها الأخلاقية عوضا عن العقائدية التي غلبت على الإسلام السياسي، وهو ما حدا بالحزب الإسلامي إلى نعته بأنه "دين جديد" وذلك في سياق حملته على المشروع.

السياق الاقتصادي المشروع

لفهم مشروع الإسلام الحضاري لا بد من ربطه بمسألة التركيبة العرقية والتوازنات الداخلية بين الملايو المسلمين -سكان البلاد الأصليين- والأقليات الصينية والهندية التي أتي بها الاستعمار الإنجليزي، وقام على توطينها وتمكينها قبل رحيله؛ فماليزيا الآن على وشك مراجعة لأهم قواعد العلاقة المعقدة التي تحكم هذه التركيبة وتدير التوازن الداخلي.

ومنذ أكثر من ثلاثة عقود استقرت إستراتيجية الدولة الماليزية التي يسيطر الملايو عليها -من خلال حزب أمنو الحاكم- إلى إقرار سياسة التمييز الإيجابي لمصلحتهم على حساب المهاجرين الصينيين والهنود بدعوى تعويض السكان الأصليين عن التمييز الذي أتاحه الاستعمار لهؤلاء المهاجرين على حسابهم.

وقد سمحت هذه السياسة التفضيلية للملايو بالسيطرة على الجهاز الإداري للدولة والحصول على امتيازات كبيرة في فرص التعليم والتدريب والتوظيف والاستثمار.. وقبل الصينيون ذلك معتمدين على سيطرتهم الفعلية والمتنامية على الاقتصاد، في حين رضي الهنود بالمتاح والمتبقي من فتات القوتين العظميين اللتين تحتكران السياسة والاقتصاد.

لقد صار استمرار هذه القاعدة الحاكمة موضع شك؛ لأسباب عدة منها: أن درجة الوعي لدى أبناء الأقليات الصينية والهندية ارتفعت، كما تنامى إحساس أبنائها بحقوقهم كمواطنين لهم كل الحقوق، وتأكد خاصة لدى الأجيال الجديدة التي ولدت في ماليزيا وتحدرت من أسر ماليزية الميلاد وانقطعت كل صلاتها بأوطانها الأصلية؛ فلم يعد هناك مهاجر بالمعنى الذي كان مقصودا عشية الاستقلال في عام 1963 أو وقت إقرار سياسة التمييز الإيجابي في عقد السبعينيات لمصلحة السكان الأصليين من الملايو؛ وهو ما من شأنه أن يعجل بإعادة النظر في هذه الامتيازات، خاصة مع انفتاح ماليزيا على العالم.

تدرك قيادة الملايو ذلك جيدا، وتدرك أيضا أن سياسة التمييز الإيجابي جاءت بنتائج عكسية، كان أهمها ضعف القدرة التنافسية لأبناء الملايو أمام الأقلية الصينية اعتمادا على السياسة التفضيلية، وهو ما تنبه له مبكرا رئيس الوزراء السابق محاضير محمد صاحب كتاب "معضلة الملايو"، والذي لا يكف عن انتقاد الملايو وينعى كسلهم وضعف قدراتهم أمام الأقليات الأخرى وخاصة الصينية، ويعترف بخطأ سياسة التدليل التي اتبعها معهم، وهو ما تؤكد صحته أرقام حزب "أمنو" التي تقول: إن مساهمة الملايو في الناتج الاقتصادي لم تكن تتجاوز قبل أربعة أعوام 20%، بل إنها تراجعت إلى 17% في عام 2004.

ومن المتصور أن تبني الإدارة الماليزية للإسلام الحضاري يأتي في سياق العمل على رفع كفاءة عنصر الملايو، ودعم قدراته التنافسية وقيم العمل والإنجاز عنده بما يسمح بإلغاء آمن للامتيازات الممنوحة له دون أن تؤدي إلى سقوطه النهائي من حلبة المنافسة.

الدور الماليزي

كما يمكن فهم المشروع في إطار إستراتيجية الدولة الماليزية للعب دور يتجاوز حدودها الجغرافية كفاعل رئيسي في منطقة شرق آسيا وفي العالم الإسلامي أيضا، وهو توجه بدأه محاضير محمد وظهرت بوادره في أواخر حكمه ثم تأكد بعد نهايته في أكتوبر 2003، ويمكن تلمسه ليس فقط في السياسات الماليزية المعلن عنها بدءًا بالانفتاح على الدول الإسلامية والزيارات المكثفة والاتفاقات الكثيرة وانتهاءً بالمشروع الذي تقدمت به الخارجية الماليزية لإصلاح وإعادة هيكلة منظمة المؤتمر الإسلامي بما يجعلها أكثر فاعلية.

ومن محاور هذه الإستراتيجية أن تتحول ماليزيا إلى منطقة جذب ليس للاستثمارات الإسلامية فحسب، وإنما للعقول والخبرات البشرية الإسلامية وخاصة المهاجرة، والتي تسعى الإدارة الماليزية إلى تعظيم الاستفادة منها.

ويأتي مشروع الإسلام الحضاري ليؤكد هذا التوجه ويثمنه ويعطيه أبعادا دينية تظهر معه ماليزيا كقبلة للخبرات وقوى الإنتاج الإسلامية التي أحسن الغرب توظيفها والاستفادة منها لمصلحته دون أن يفيد العالم الإسلامي منها بشيء.

ولفهم مشروع الإسلام الحضاري أيضا لا بد من التعرف على الهاجس الديموغرافي الذي يعيشه مسلمو ماليزيا الملايو؛ فالتنامي السريع للأقليات الصينية والهندية والمد الديموغرافي الهائل للصينيين والهنود الذي يصل حد الاكتساح لبلدان منطقة شرق آسيا أثار قلق شعوبها من الذوبان في طوفان بشري لا حدود له (تعداد الصين زاد عن 1.2 مليار نسمة، والهند تقارب مليار نسمة من أصل 6 مليارات هم تعداد البشر!).

وكان ذلك دافعا وراء تعظيم التوجه الماليزي نحو دعم القومية الملايوية وتوثيق أواصر الصلة بها خارج البلاد، خاصة في إندونيسيا، وفي منطقة شرق آسيا التي يتناثر الملايو في عدد من بلدانها (مثل سنغافورة، والفلبين، وتايلاند..).

ويأتي مشروع الإسلام الحضاري ليدعم هذا التوجه؛ وهو ما يظهر جليا في برنامج "جي قاف" الذي تبنته وزارة التعليم الماليزية؛ فهو يتبنى -مثلا- الدعوة إلى ربط الماليزيين بتراثهم من خلال العودة إلى كتابة اللغة الملايوية "بهاسا ملايو" بالحرف العربي، والمعروف بـ"الجاوي" نسبة إلى مملكة "جاوا" الإسلامية في أرخبيل الملايو؛ وهو ما يعني النظر إلى المنطقة وقومية الملايو باعتبارها غير منفصلة على الأقل ثقافيا وحضاريا (راجع التفصيلات في:"جي قاف".. مفتاح نهضة التعليم الماليزي).

وهناك اهتمام واضح من الحكومة الماليزية بإندونيسيا، ودعم لمشروعات التنمية بها والانفتاح عليها باعتبارها الدولة التي تضم أكبر كتلة من شعب الملايو، وهو ما توازيه سياسة متشددة بإزاء الصين والهند؛ الدولتين الوحيدتين في العالم اللتين يشترط على مواطنيهما الحصول على تأشيرة دخول لزيارة ماليزيا.

سياق سياسي أيضا

وإضافة للسياق الاقتصادي هناك المناخ السياسي المتعلق بالصراع مع قوى الإسلامي السياسي -الحزب الإسلامي (باس)- على الشارع؛ إذ يسعى الإسلام الحضاري إلى تأكيد شرعية النظام الحاكم لدى الأغلبية الملايوية المسلمة التي لا تنفصل عندها القومية عن الدين (ملايو تعني: "مسلم بالضرورة").

كما يسعى أيضا لركوب موجة الأسلمة التي اجتاحت المجتمع الماليزي وعدم ترك الساحة الإسلامية للمعارضة خاصة مع تجذر المشاعر والوعي الإسلامي لدى الملايو، ولكن دون أن تثير غضب أو حساسية الأقليات الدينية الأخرى -من الصينيين والهنود- إذ إن المشروع يبتعد عن الجدل العقائدي مع غير المسلمين أو تعميم التشريعات الإسلامية عليهم (كما يدعو حزب باس مثلا)، ويتجنب الحديث عن المعطى العقائدي والدعوي للإسلام، ويسعى للتأكيد على الأبعاد الحضارية للدين فقط، وهي الأرضية التي يمكن أن يدور النقاش عليها دون أن يخل بالتوازن والتعايش مع أبناء الأديان الأخرى.

وقد ظهرت أولى ثمار هذا في تراجع الحزب الإسلامي في الانتخابات الأخيرة التي جرت خلال عام 2005 أمام الحزب الحاكم وخسارته لولاية من ولايتين كانتا تخضعان لإدارته، بعدما استطاعت دعاية الحزب الحاكم أن تسحب جزءا من الشرعية الإسلامية التي كان يصعب عليها من قبل منازعة الحزب الإسلامي فيها.


  كاتب وباحث مصري يمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق: namaa@iolteam.com

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم