English

 

الثلاثاء. أبريل. 24, 2001

نماء » بورصات وبنوك » بنوك

 
   
روابط من إسلام أون لاين

شيلي والمكسيك.. دروس في التمويل العقاري

محمد فتحي

أزمة الإسكان مشكلة الجميع
أزمة الإسكان مشكلة الجميع

بنهاية الحرب العالمية الثانية وما خلّفته من دمار في العديد من البلاد بدأ التفكير الجدي في كيفية تدبير مساكن للمواطنين بدلا من المساكن التي دمرتها الحرب فكان نظام الرهن العقاري؛ وتقوم فكرته على وجود ممول يقدم المال اللازم للعميل لشراء أو إنشاء مسكن، على أن يسدد العميل التمويل على أقساط طويلة الأجل؛ على أن يتم رهن العقار لصالح الممول.. وقد نجح هذا النظام في الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية إلى حد كبير في توفير المساكن للمواطنين بعبء تمويلي يناسب قدراتهم، ومن بين الدول النامية التي أخذت بهذا الأسلوب كل من شيلي والمكسيك.

شيلي.. سياسات ناجحة لعلاج الأزمة

تعتبر تجربة شيلي من التجارب الناجحة في هذا المجال، فبرنامج الإسكان فيها جزء لا يتجزأ من سياسة اقتصادية مترابطة تقوم على أساس اقتصاد السوق، وقصر دور الدولة على القيام بدور الحارس للنشاط الاقتصادي، والتدخل فقط لمعالجة أوضاع الفقر داخل البلد.

1 - بدءا من منتصف السبعينيات اعتبرت حكومة شيلي الإسكان سلعة خاصة لا تتدخل فيها الحكومة إلا لاعتبارات اجتماعية فقط؛ لتوفير تكافؤ الفرص للجميع في تملُّك سكن أساسي آمن وصحي.

2 - نتيجة لانخفاض مستويات الدخول للكثير من السكان قامت شيلي بوضع سياسة لتعبئة المدّخرات الشخصية للأفراد من أجل شراء المسكن، وتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في قطاع الإسكان والعقارات، كما قامت في نفس الوقت بتقديم الدعم والمنح المباشرة لأصحاب الدخول الأقل.

3 - قامت شيلي بإلغاء القيود المفروضة على أسعار الفائدة، وسمحت للبنوك التجارية والعقارية بالقيام بعمليات الوساطة المالية، وسمحت بنظام التمويل الإسكاني بموجب خطابات ائتمان الرهن العقاري التي تصدر لمن يدفع القرض، وتكون بنفس المبلغ والمدة وسعر الفائدة الواردة في عقد الرهن العقاري الأساسي.

وهذا الخطاب يصدر من البنك وهو المقابل لعقد الرهن ويخضع لتعديلات طبقًا للتغيرات في القيمة الاسمية لوحدة نقد نظرية غير حقيقية تستخدم في عقود الادخار ويسمح بتغييرها من آن لآخر تبعًا للتقلبات في مؤشر أسعار الاستهلاك؛ ويصدر خطاب ائتمان الرهن العقاري بمجرد نقل ملكية العقار إلى المشتري ورهنه كضمان للبنك، ثم يباع خطاب الائتمان في سوق السندات، ولا يحق أن تزيد الدُّفع الشهرية لسداد أصل القرض وفوائده عن 25 من الدخل الشهري للأسرة، ومدة القرض عادة 20 سنة.

4 - في نهاية الثمانينيات سمحت شيلي بتظهير الرهون العقارية وتداولها؛ لمنع المقترض من اللجوء إلى الحصول على قرض أو تمويل إضافي.

5 - نظام الرهن العقاري يُقدّم أساسًا من خلال مؤسسات إدارة الرهون العقارية، والأخيرة تقدم قروضًا في حدود 80% من قيمة العقار، وأصحاب هذه المؤسسات ومنشئوها هم شركات التأمين التي تقوم بتوفير 21% تقريبًا من مجموع قروض الرهن العقاري بشيلي.

6 - على التوازي هناك نظام آخر لخطابات الائتمان وهو التأجير تمهيدًا للشراء حيث يتناسب مع أصحاب المدخرات الضعيفة والعمال وأصحاب المشروعات الصغيرة وذوي الدخول المنخفضة، ويقوم على أساس توقيع عقد مع المستأجر وشركة العقارات يُنصّ فيه على مبلغ الإيجار الشهري وثمن البيع لمدة أقصاها 20 سنة؛ ويتولى إدارة هذا الحساب بنك أو صندوق معاشات يقوم بدوره بدفع الإيجار الشهري لشركة العقارات، وعندما تنتهي المدة الخاصة بالعقد –20 سنة- يتم حساب الفوائض المستحقة للمشتري والفوائد المستحقة عليه فإذا كانت كافية –له أكثر مما عليه أو متساوية لثمن البيع في العقد- يتم نقل الملكية للمشتري (المستأجر سابقًا).

نظام خاص لمحدودي الدخل

7 - من بداية التسعينيات اتبعت شيلي نظما أخرى لفئات أخرى في مجال الإسكان، خاصة بمناطق الريف والحضر، وكذلك للعمال ولمن يعيشون في فقر مدقع على النحو التالي:

* بالنسبة لأصحاب الدخول المتدنية والمتوسطة وكذلك لقاطني المناطق الريفية والحضر المرغوب تطويرها تقدم الحكومة دعما جزئيا لشراء المسكن، بشرط ألا يكون لدى العميل مسكن آخر، وأن يكون قد أنجز برنامج ادخار مع مؤسسة مالية خاصة، فإذا ما تم اختياره يُمنح مهلة 18 شهرا لتسلم الدعم.

* بالنسبة للعامل الذي لا يمتلك مسكنًا ولم يتلق دعم إسكان من الحكومة، ويتراوح دخله الشهري ما بين 200-270 دولار أمريكي ويرغب في تملك مسكن أو عقار، ولديه جزء من المدخرات، واتبع نظاما ادخاريا مع مؤسسة مالية.. يُقدّم له دعم من الحكومة ممثلاً في ضمان الحصول على قرض رهن عقاري في حدود 75% من قيمة المسكن، بفائدة يبلغ معدلها الحقيقي 8%، ولمدة تتراوح بين 12 و20 سنة؛ ويتم الدعم عن طريق المجلس البلدي أو أحد الاتحادات أو الجمعيات التعاونية، وهذه الجهات إما أن تتعاقد مباشرة على البناء أو تشتري المسكن، أو تكلّف وزارة الإسكان والتنمية الحضرية بذلك، والحكومة ضامنة لكل ذلك عن طريق ضمان الحصول على القرض.

* بالنسبة لأصحاب الدخول المنخفضة والذين يتراوح دخلهم الشهري ما بين 50 و 200 دولار ولديهم نسبة مدخرات تعادل قيمتها 15% من قيمة المسكن، تقدم الحكومة لهم الدعم اللازم لتمويل شراء الوحدة السكنية بما يقارب 70% من قيمة المسكن، وتجري عملية البناء عن طريق شركات خاصة وطبقًا لمواصفات تحددها الحكومة، ويتم عمل مناقصات للحصول على أنسب العطاءات.. وتشترط الحكومة أن يكون المسكن قابلاً للتوسعة في المستقبل.

8 - حكومة شيلي قامت بـ:

* زيارة الإنفاق الحكومي على قطاع الإسكان من 24% عام 1990 إلى 64% عام 1993.

* زادت استثمارات الإسكان بين عامي 1973 و1992 بنسبة 100% بالقيمة الحقيقية.

* عام 1992 زاد سكان شيلي بنسبة 16.8%، بينما زاد عدد المساكن بنسبة 29.3%؛ وأدى هذا إلى خفض كبير للعجز في مشكلة الإسكان في شيلي، وكان ذلك طبقًا لآخر تعداد وطني للسكان والمساكن.

المكسيك.. مشاكل تعوق الحل

1- بدأت التجربة عام 1933 بإنشاء مؤسسة عامة لتمويل الإسكان، وأنشأت الحكومة صندوقين للإسكان للعاملين بالقطاع العام والخاص؛ فضلا عن نظام لإعادة الخصم لدى البنك المركزي، وبرنامج للدعم يُموّل من الميزانية ويُخصص لأصحاب الدخول المنخفضة.

2- في بداية الستينيات قامت الحكومة بفرض معدل إلزامي للإقراض العقاري على البنوك التجارية تحت رقابة مشددة من قبل الحكومة؛ وأدى هذا إلى توقف عملية الإقراض الاختياري للعقارات، وتتابع هذا مع توقف نشاط سوق سندات الرهون العقارية بنهاية السبعينيات.

3- نتيجة الظروف الاقتصادية العالمية من ارتفاع أسعار البترول ومعدلات التضخم العالمية بوجه عام، إضافة للظروف الاقتصادية المحلية؛ ارتفع معدل التضخم المكسيكي من 15% إلى 30% بنهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات؛ مما ترتب عليه فقدان السيطرة على أداء الاقتصاد، وتذبذب سعر صرف العملة (البيزو) وبدأت البنوك التجارية تتكبد خسائر ضخمة في محافظها المالية، وعندما استخدمت ودائع جديدة لتمويل التأثير السلبي للتضخم على محافظ قروضها زادت خسائرها، وانخفضت رؤوس أموالها، حيث كانت مطالبة بتقديم قروض برهون عقارية لمدة تتراوح ما بين 15و20 سنة بمعدل فائدة ثابت يقل عن معدلات السوق في الوقت نفسه، بينما كانت تجمع أساسا عن طريق ودائع قصيرة الأجل.

4- في عام 1984 أدخل البنك المركزي وبنك "نبامكس" أكبر بنك تجاري مكسيكي نظام المؤشر المزدوج للرهون العقارية لصالح المقترضين من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض، وهذا النظام أداة من أدوات تشجيع القروض الطويلة الأجل في بيئة تضخمية تتناسب واقتصاد المكسيك. يعمل هذا النظام من خلال إضافة أي فرق بين مقدار الدفعة المستحَقة، على أساس معدل فائدة سوقي متغير وبين مقدار الدفعة الأصلية الأقل الذي تحدده الجهة المقرضة، والذي يعدل تبعا للتغيرات في الأجور إلى أصل القرض، والقرض بهذا النظام يحمي المقرض والمقترض معا؛ فمن وجهة المقترض يحميه من مخاطر هزات دفعات الأقساط، ومن وجهة نظر المقرِض (البنك التجاري) سوف يحميه من الاستهلاك السلبي للقرض( انخفاض مقدار العملة عند سداد القرض )، وهو ما يزيد من مخاطر محافظه فيما يتعلق بالسيولة، وكذلك في حالة تآكل رأسمال المقرض( تعرضه للتصفية) نتيجة زيادة رصيد القرض وفوائده عن سعر المسكن أو العقار.

في بداية العمل بهذا النظام حقق خسائر متوقعة حتى السنة السابعة، ثم بدأ بعد ذلك تعادُل النفقات مع الإيرادات في عام 1988، ولعل من أسباب ذلك زيادة مقدار الأقساط التي يدفعها المقترض بزيادة معدلات الأجور، بدلا من ثبات مقدار الأقساط من حيث القيمة الاسمية لها.

5- في بداية التسعينيات انتهجت المكسيك سياسة جديدة للتمويل الإسكاني والعقاري؛ فقامت بخصخصة البنوك، وأسقطت القيود الكمية عن القروض، وبدأت البنوك التجارية تقدم رهونا عقارية يزيد مجموعها عما تقدمه الحكومة، وزاد حجم إقراض هذه البنوك بنسبة 600%، وأدخلت تطورا جديدا على نظام المؤشر المزدوج في ثلاث نقاط جوهرية تمثلت في التالي:

الأولى: تم إضافة هامش كبير لمعدل الاستهلاك.

الثانية: وضع حد أقصى لسداد القرض وهو 20 سنة، وهو الحد الأقصى المسموح به قانونا.

الثالثة: التحول إلى الاستهلاك الكامل للقرض إذا ما وصل رصيد القرض إلى 170% من الرصيد الأصلي.

6- عام 1994 انخفضت قيمة العملة المحلية (البيزو) وقفز معدل التضخم من 10% عام 1994 إلى أكثر من 40% عام 1995، وزادت أسعار الفائدة للأجل القصير، وزادت بسرعة الرصيد الاسمي للقروض( المبلغ الذي تم اقتراضه بدون فوائد) ولم تزد الأجور لتتماشى مع التضخم إلا بنسبة 17% فقط، وبدأت معدلات عالية جديدة للتخلف عن سداد القروض، وبالتبعية انهيار محافظ الرهون العقارية.

7- بنهاية عام 1995 قدمت الحكومة مليارات الدولارات للبنوك الكبيرة لمواجهة أزمتها، وتولت هي شئون البنوك الصغيرة والمتوسطة الحجم.

8- من الواضح للحكومة المكسيكية أن تطبيق نظام المؤشر المزدوج ـ خاصة مع القطاع الخاص ـ شديد الحساسية؛ فإضافة هامش إلى القرض -حتى ولو كان بسيطا- من الممكن أن يؤدي إلى عدم تسديد كامل للقروض خلال المدة المحددة أصلاً.

كما أن فعالية هذا النظام ترتبط بشكل أساسي بوجود نظام مؤكد وموثوق لسياسة الدخول أو الأجور المتوقعة، ومدى تطابقها مع سياسة التضخم الموجودة ويعاني منها وبشكل أساسي الاقتصاد المكسيكي.


خبير إداري- مدير إدارة التدريب  شركة كوديزاين إيجبت.


 


 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم