|
| تعليم أحد المتدربين عملية الإنقاذ
|
إذا كان الصيف دائما مشهورا بالإجازات والشعور بالاسترخاء والاستجمام أمام البحر أو حول حمامات السباحة، فإن هناك مهنا يقبل عليها الطلاب وغيرهم، ولا تنشط إلا في هذا الفصل، ومن أهم هذه المهن "المنقذ" لأي شخص قد يغرق في حمام سباحة أو بحر.
ولقد اختلف حاليا شكل وطبيعة هذه المهنة التي ظهرت في العالم منذ أكثر من مائة عام، وبدأت شواطئنا المصرية تعرفها في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي على يد إسحاق حلمي أول مصري يعبر "المانش"، حيث كان يقوم أوائل كل صيف في الإسكندرية، باختيار مجموعة من العمال والصيادين للعمل كمنقذين على شواطئ الإسكندرية، وكان الشرط الوحيد لهذا العمل هو إجادة السباحة.
ووفقا للكابتن نبيل الشاذلي المدير الفني للاتحاد المصري للغوص والإنقاذ، فقد بدأت هذه المهنة في أواخر السبعينيات تعتمد على صغار السن، كما بدأ أساتذة التربية الرياضية في عمل دورات للإنقاذ حتى بدأنا نتصل بالعالم الخارجي، ونعرف ما يحدث دوليا في العالم المتقدم، وانتقلت مسئولية الإشراف على عملية الإنقاذ من اتحاد سباحة المسافات الطويلة إلى الاتحاد المصري للغوص والإنقاذ، وذلك بناء على قرار الاتحاد الدولي للإنقاذ والذي خول في كل دولة بها اتحاد الغوص والإنقاذ تنظيم دورات في الإنقاذ وإعطاء شهادات دولية معترف بها في جميع بلدان العالم.
ويضيف الشاذلي لـ"إسلام أون لاين.نت" أن مهنة الإنقاذ أصبحت حاليا تعتمد على العلم، ولها دورات ذات مواصفات دولية ومستويات مختلفة، ولم تَعُد دورات الإنقاذ دورة واحدة كما كان في الماضي، حيث كانت تخضع لرؤية وثقافة المدرب.
أنواع الرخص
وتختلف رخصة الإنقاذ باختلاف نوع الدورة التي حصل عليها المتدرب، فهناك رخصة "منقذ مبتدئ"، وهي تسمح لمن يحملها بالعمل كمنقذ في حمامات السباحة فقط. وهناك رخصة "منقذ للمياه المفتوحة الهادئة" مثل البحيرات والأنهار. وأخيرا رخصة "منقذ للسواحل المفتوحة ذات الأمواج العالية والتيارات الشديدة"، مثل الساحل الشمالي في مصر.
وكل رخصة من هذه الرخص لها دورتها الخاصة بها، كذلك لم يَعُد التدريب قاصرا على سرعة المنقذ للنزول إلى الماء والتقاط الغريق، بل يتدرب على مهارات الإنقاذ مثل كيفية سحب الغريق من فوق الماء والسباحة به على الماء، كذلك كيفية الغوص تحت الماء، والبحث عن الغريق وانتشاله وسحبه إلى أعلى والسباحة به على الظهر والجنب.
كما تطورت أدوات التدريب، حيث يتم حاليا استخدام دمى مجهزة ذات مواصفات دولية، وأيضا يتم التدريب على استخدام الألواح وقيادة "جيت سكي"، وهو أحدث وسائل الإنقاذ العالمية حاليا، ويحصل المنقذ على دورات متقدمة في الإسعافات الدولية وعمل التنفس الصناعي.
شروط المنقذ
ومن يريد العمل في مهنة الإنقاذ لا بد من أن تتوفر فيه عدة شروط ومواصفات، أهمها أن يتمتع بصحة جيدة ولياقة بدنية عالية، وأن يكون خاليا من الأمراض، وبالطبع أن يجيد السباحة، كذلك يجيد القراءة والكتابة ليستطيع متابعة تطور هذه المهنة، حيث يوجد كل يوم شيء جديد عنها.
وأيضا لا بد من أن يتصف المنقذ بقوة الملاحظة وسرعة البديهة وحسن التصرف والشجاعة والأمانة وعدم التردد، وبالطبع يتحمل المسئولية، حيث إن أي هفوة منه من الممكن أن تودي بحياة إنسان.
ويتم عمل دورات بصفة مستمرة لكافة مستويات الإنقاذ في حمام التربية والتعليم بالقاهرة، ومراكز تدريب اتحاد الغوص بالإسكندرية، وسعر الدورة 200 جنيه شاملة الشهادة الدولية، وكارنيه الإنقاذ، حيث يمكن العمل بموجب هذه الشهادة في أي دولة في العالم.
10 آلاف فرصة عمل
وبعد حصول المنقذ على الشهادة يمكنه العمل بحمامات السباحة في الأندية الرياضية والفنادق وعلى شواطئ المحافظات الساحلية مثل الإسكندرية، ومرسى مطروح ودمياط وبور سعيد، وذلك من خلال الإدارات المحلية، لهذه المحافظات.
وهناك أكثر من 10 آلاف فرصة عمل بمهنة الإنقاذ تنتظر الشباب في الفنادق والقرى السياحية، خاصة بعد قرار وزير السياحة رقم 15 لسنة 2004 الذي ألزم كل القرى والفنادق التي يوجد بها شواطئ بوجود منقذين وأدوات إنقاذ لخدمة وحماية النزلاء، ومُنع منعا باتا وضع اللافتة الشهيرة -التي كانت معظم هذه المنشآت تضعها- التي مفادها "أنه لا يوجد منقذون والسباحة على مسئولية صاحبها"، وكذلك قرار محافظ البحر الأحمر رقم 92 لسنة 2004 والذي ألزم كل القرى والفنادق المطلة على الشواطئ بتعيين منقذ لكل 75 غرفة بها.
ويبدأ عادة راتب "المنقذ المبتدئ" بمبلغ ثلاثمائة جنيه شهريا (الدولار = 5.50 جنيهات)، ويتدرج ليصل إلى ألف جنيه، وذلك حسب الخبرة ونوع التدريب والرخص التي حصل عليها. كذلك لا يصبح عمل المنقذ موسميا بل يكون طوال العام إذا كان عمله بالفنادق والقرى السياحية المطلة على الشواطئ، حيث إن معظم مرتاديها من السائحين يأتون إليها شتاء لمناخها المعتدل.
تنمية المهنة
ويوجد حاليا جهات عديدة في مصر تهتم بتنمية "مهنة المنقذ". ومن هذه الجهات جمعيات الكشافة البحرية المنتشرة في كل محافظات مصر، والتي يقول عنها الكابتن إبراهيم عابدين مدير الأنشطة بجمعية الكشافة البحرية بالجيزة: إن الجمعية تقيم دورات متعددة للشباب في السباحة والغوص والشراع، كذلك تقيم دورات للإنقاذ بمستوياته المختلفة، فمن أهداف الجمعية محو أمية السباحة لدى أعضائها وزيادة الوعي البحري لديهم.
ولا يقتصر دور الجمعية على عمل دورات للإنقاذ فقط، بل إنها تشارك دائما في مشروعات الخدمة العامة إذا ما طلب منها ذلك، مثل نقاط الإنقاذ التي تقيمها الجمعية في منطقة الشلالات والبحيرة بمحمية وادي الريان، حيث يقوم الكشافون من الحاصلين على دورات إنقاذ بمساعدة رجال المحمية في عمليات إنقاذ وإرشاد زوار المحمية الذين يتوافدون عليها بالآلاف في المناسبات، خاصة شم النسيم وعيد الفطر وعيد الأضحى.
مراكز أهلية
وتأمل الجمعية في أن تتبنى وزارتي الشباب والبيئة اقتراحها الخاص بإقامة مراكز إنقاذ أهلية في أماكن التجمعات الهامة على الشواطئ وضفاف النيل وبجوار الكباري والمراسي الرئيسية.. وأن يتم تزويد هذه المراكز بالأدوات والأفراد المدربين على عمليات الإنقاذ.. وتكون مهمة هذه المراكز هي المحافظة على البيئة وتوعية الجماهير بأهمية عدم تلويث الشواطئ ونهر النيل.
وكما تقوم الجمعية بعمليات الإنقاذ في حالة حدوث أي حادث -مثلما حدث يوم الجمعة 18 يونيو الحالي، حيث قام أحد المواطنين بالانتحار من فوق كوبري الجيزة بجوار مقر الجمعية ورآه أحد الكشافين من الحاصلين على دورة الإنقاذ بالجمعية، وهو نور حساب الطالب بكلية طب الأسنان فقام على الفور بإنقاذه، وسحبه إلى الشاطئ، وتم إبلاغ الشرطة التي حررت محضرا بذلك.
ويكمل إبراهيم عابدين حديثه بأن الجمعية عادة تقيم دورات الإنقاذ في الصيف، وهي تقيمها إما بمقر الجمعية على النيل بجوار كوبري الجيزة أو في حمام التربية والتعليم أو بمقر الجمعية المركزية للكشافة البحرية بالإسكندرية.. وذلك حسب نوع ومستوى الدورة، وتكون هذه الدورات مخفضة للأعضاء فلا تتعدى 100 جنيه، ويزيد سعرها بنسبة بسيطة لغير الأعضاء؛ فالربحية ليست من أهدافنا.
ويضيف عابدين أن الجمعية خرجت عشرات الشباب من الحاصلين على تراخيص الإنقاذ بمستوياتها المختلفة، وبعض هؤلاء الشباب بدأ يتخذ الإنقاذ مهنة من الممكن أن تدر له ربحا جيدا، وبدأ يعمل بها في فترة الإجازة الصيفية وهو بذلك يشغل وقته في شيء مفيد، وفي الوقت نفسه يكسب بعض المال.
احتراف الإنقاذ
من الشباب الذي امتهن "المنقذ" الطالب مصطفى شريف الذي عمل العام الماضي بإحدى القرى السياحية بالبحر الأحمر بمرتب 400 جنيه، بالإضافة للإقامة المجانية.
يقول مصطفى (19 عاما وهو طالب ثانوي): "البداية حينما علمت أن هذه القرية تريد منقذين فذهبت واجتزت الاختبارات بنجاح وتم اختياري مع ثلاثة آخرين، وكان عملي يبدأ من الساعة الثامنة صباحا ويستمر حتى السابعة مساء يتخللها ساعة راحة للغداء.. وفي البداية كنت مسئولا عن حمام السباحة، ثم بعد شهر من العمل تم نقلي للعمل على الشاطئ".
ووفقا لمصطفى فرغم طول ساعات العمل، إلا أنها كانت تنقضي سريعا، ويتطلب عملي مراقبة النزلاء عند نزولهم للمياه وطبعا هذا يتطلب يقظة دائمة، وبعد فترة من العمل اكتسبت خبرة معرفة النزلاء المشاغبين الذين يسببون لنا دائما المتاعب، وهم غالبا من الأطفال والشباب صغير السن الذي يريد أن يثبت وجوده أمام الفتيات.
ويضيف الطالب المصري أن لديه هذا العام عروضا للعمل في أكثر من قرية سياحية، خاصة أنني اكتسبت مميزات أخرى غير الإنقاذ، حيث أصبحت أجيد ألعاب الشراع بالإضافة إلى تركيب وصيانة معدات هذه الرياضات، كذلك حصلت على رخصة غوص، مما يجعلني عنصرا فعالا ومهما في أي قرية سياحية لديها مركز للرياضات البحرية والغوص.. وبذلك ممكن أن يصل راتبي هذا العام إلى حوالي 700 جنيه في الشهر، طبعا هذا بخلاف الإقامة والإكراميات.
ويتابع مصطفى أنه يحاول أن يطور نفسه في مهنة الإنقاذ، حيث بدأ يحبها ويريد أن يحترفها، فهي بالنسبة له فرصة جيدة للعمل وانتشاله من طابور البطالة المنتظر، وصحيح أن عمرها قصير حيث لا يزيد عادة عمر المنقذ عن 40 أو 45 عاما.. إلا أنه بعد هذه الفترة سيكون على حد تعبيره قد اكتسب خبرات بحرية عديدة، ويكون قد حصل على دورات مختلفة تؤهله ليكون مدربا أو مديرا لشاطئ أو أن يقيم مشروعا لحسابه كمركز للرياضات البحرية أو للغوص.
هواية فقط
أما أحمد الطالب بكلية الدراسات التعاونية في مصر والذي يعمل منقذا خلال الصيف فقط بأحد الأندية المطلة على نهر النيل فيقول: "عملي يبدأ من الساعة 10 صباحا وحتى السابعة مساء.. حيث أقوم بمراقبة اللاعبين أثناء تدريباتهم في النيل وأتدخل بسرعة في حالة حدوث أي مكروه، لا قدر الله".
وأعتبر عملي منقذا في الصيف نوعا من الهواية، حيث إنني أحب البحر والسباحة.. وفي الوقت نفسه أشغل وقت فراغي في شيء مفيد، كذلك أستعد لاجتياز دورة منقذ سواحل ذات أمواج.
أما عمرو عزت طالب بكلية تجارة القاهرة فيقول: عملت العام الماضي منقذا بأحد أندية القاهرة بمرتب 250 جنيها في الشهر، وخلال الشتاء الماضي اشتركت في إحدى دورات إعداد مدربي السباحة واجتزتها بنجاح وحصلت على شهادة مدرب سباحة، مما سيساعدني هذا العام في زيادة راتبي بالنادي، حيث من الممكن أن يصل إلى 350 جنيها، هذا بخلاف ما قد أحصل عليه من مدارس تعليم السباحة، حيث يحصل المدرب عادة على نسبة من رسوم اشتراك هذه المدارس.
ويضيف عزت: صحيح أن عملي شاق ويحتاج إلى يقظة وفطنة دائمة وصبر في التعامل مع الأطفال المدللين من أبناء الأعضاء.. إلا أنه أيضا عمل مسلّ ومفيد ماديا، ويساعدني في التعرف على أنماط مختلفة من البشر ويوسع دائرة علاقاتي العامة.
صحفي مصري .
|