|
| طاشكندي مدير عام الصندوق
|
جاءت مبادرة الحكومة السعودية بإنشاء مؤسسة خيرية تحت مسمى "صندوق المئوية" لتسد جزءا من الفجوة بين امتلاك الشباب لأفكار مشروعات، وبين قلة المؤسسات التمويلية في المملكة، فلا زالت بعض البنوك المحلية والشركات الكبرى والغرف التجارية لا تقدم سوى المساعدات الفنية والاستشارية.
وصندوق المئوية الذي أنشئ في شهر يوليو 2004 بمساندة رجال الأعمال السعوديين يستهدف تقديم الدعم المالي والفني للشباب الراغبين في مزاولة الأعمال التجارية الحرة، بما يساعد على مواجهة عبء البطالة التي وصل معدلها الرسمي خلال عام 2003 إلى 9.6%، بينما يتضاعف هذا المعدل وفق الأرقام غير الرسمية.
وحول هذا الهدف يقول الأمير عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز رئيس صندوق المئوية: إننا نسعى إلى تشجيع الشباب الطموح على التفكير في خيارات استثمارية حرة تقودهم إلى تحقيق استقلالهم الاقتصادي والاعتماد على جهودهم الذاتية في بناء مستقبلهم بدلاً من حصر جهودهم بعد التخرج في البحث عن وظائف لدى القطاع العام أو القطاع الخاص.
وذكَّر بأن تسعة أعشار الرزق في التجارة - كما يروى - وليس في الوظيفة، ودعا الشباب لبلورة أفكارهم حول المشاريع التجارية التي يرغبون في إنشائها.
53 مليون دولار
ومنذ تأسيسه قبل شهرين خصص الصندوق 200 مليون ريال (53 مليون دولار) لدعم المشاريع التي سيتم اختيارها من قائمة الطلبات الطويلة التي بلغت نحو 1765 طلباً -حسبما أفاد هشام أحمد طاشكندي مدير عام الصندوق- في حين تم توزيع 15 ألف استمارة في مختلف مناطق السعودية من خلال 36 مركزاً.
وحدد الصندوق مبلغ 200 ألف ريال كحد أعلى لتمويل أي مشروع مع وضع آلية لتسديد هذا القرض الحسن تبدأ بعد عمل المشروع بستة أشهر بواقع 33% سنوياً من قيمة القرض.
وتعطى أولوية مطلقة للمشاريع التي توظف العدد الأكبر من المواطنين. ولا يتم منح التمويل بشكل نقدي، بل يكون عبر قناة بنكية وشيكات تصدر إلى الجهة أو القطاع الذي سيتعامل معه. وحتى يستطيع الصندوق تلبية الطلبات التي يتوقع أن تتزايد، وعدت ستة بنوك سعودية بتقديم مبلغ 6 ملايين ريال سنوياً، لمدة 5 سنوات، فيما تبرع أحد البنوك الأخرى بـ200 ألف ريال سنويا.
شروط منح الدعم
أما شروط الصندوق لتقديم خدماته فهي للمواطنين والمواطنات الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة، وكذلك لمن لا تتوفر لديهم موارد مالية كافية لتأسيس مشاريعهم، وأن تكون أرباح المشروع مصدرهم الرئيسي للدخل. كما يجب أن يكون لدى المتقدم فكرة متكاملة عن مشروع تجاري محدد وجديد وقابل للتنفيذ، وأن تتوفر لديه المهارات والمعرفة والخبرة التي تتناسب مع طبيعة المشروع الذي ينوي إنشاءه.
ووفقا لمصادر بالصندوق فلا يتم منح أي قرض من الصندوق لأي من أبناء رجال الأعمال أو المقربين من أعضاء الغرف التجارية، كما أن الطلبات المقدمة للصندوق تعامل بسرية تامة. وإذا لم يدر الشاب بنفسه المشروع فإن الصندوق سيقوم بسحب تمويله فوراً بحجة أن الصندوق يهمه نجاح كل المشروعات لأنه شريك فيها.
اختيار 20 مشروعاً
وقد أغلق الصندوق باب القبول بعد تلقي الكثير من طلبات الشباب والشابات للحصول على دعم الصندوق في تأسيس مشاريع ضمن البرنامج التجريبي، حيث يتسابق كل المتقدمين ويتم اختيار 20 مشروعاً سيحصل أصحابها على التمويل وخدمات الإرشاد والمساعدة الفنية لإنهاء دراسات التأسيس وتسهيل الحصول على التراخيص الحكومية اللازمة والدعم القانوني والإداري والفني.
وسجلت منطقة المدينة المنورة أعلى الطلبات بنحو 800 طلب، تلتها منطقة نجران، فيما تلقى المشروع 250 طلباً في جدة و220 طلباً في مكة المكرمة.
ويقول طاشكندي: إن إدارة الصندوق ستعمل على انتقاء 100 طلب من بين الطلبات المقدمة والتي تتضمن أفكاراً مجدية، وفرزها إلى ثلاث فئات ثم الاتصال بأصحابها لمقابلتهم شخصياً ومناقشتهم بشكل مستفيض حول تلك المشاريع والانتقال بذلك إلى المرحلة التالية للإعلان عن المشاريع الـ20 التي ستتلقى الدعم في موعد لم يتم تحديده بعد مع الاحتفاظ ببقية الطلبات للعام المقبل شريطة استيفائها الشروط المشار إليها.
ووفقا لمصادر بالصندوق فمن بين أفكار المشاريع التي قدمها الشباب السعودي للصندوق: شراء قارب للصيد، وزراعة الفاكهة النادرة، أما الفتيات فتركزت مشروعاتهن على فتح مشاغل نسائية أو إيجاد تصاريح لشركات ليموزين (سيارة الأجرة).
وقد اعتبر البعض أن الأفكار المقدمة تكشف عن احتياج الشباب السعودي إلى دعم استشاري في مجال أفكار المشروعات ودراسات جدوى لمشروعات يحتاجها المجتمع السعودي بالفعل. وإذا لم يحصل الطلب المقدم على الموافقة من الصندوق، يتم الاحتفاظ به حيث يمكن أن يحصل مستقبلا على الموافقة بعد تطويره.
تعاون مع مؤسسات
وبعد انطلاقه بدأ الصندوق خطوات تطبيقية للتعاون مع بعض المؤسسات لتسهيل الجانب الفني للشباب منها أنه وقع مذكرة تفاهم مع الهيئة العامة للاستثمار لتقوم باستخراج جميع الأوراق اللازمة للمشاريع التي يتم اختيارها. كما وقع نائب المحافظ للتدريب المشترك بالمؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني الدكتور فهد التويجري ومدير عام صندوق المئوية هشام طاشكندي مذكرة تفاهم تهدف لتطوير القوى العاملة وتأهيل الشباب السعودي ليسهم بشكل فاعل مع التطور التقني والحضاري.
وأكد الصندوق أنه سيحرص على التعاون مع كافة الجهات التي تعمل في نفس المجال وعلى تفادي تقديم خدمات تستطيع جهات أخرى حكومية كانت أو من القطاع الخاص تقديمها بشكل أفضل.
مساعدة فنية وحماية
عبد القادر الزهراني -29 عاما- أحد الشبان الراغبين في الحصول على دعم الصندوق يقول: إن تمويل مشاريع الشباب والشابات أصبح ضروريا، مشيراً إلى أهمية تقديم المساعدة الفنية وحماية تلك المشاريع المبتدئة والصغيرة من المنافسة من أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة والمستوردين، خصوصاً أن هناك صعوبات كبيرة يتوقع أن يواجهها هؤلاء الشباب في بداية تنفيذ المشاريع.
كما يرى بعض الشباب ضرورة الالتفات إلى ملفات المشاريع في المدن والمحافظات الصغيرة نظراً لأهمية تلك المشاريع لتلك المناطق حيث إنها ستدعم عملية التنمية فيها وتعمل على توظيف الباحثين عن عمل، داعين الغرف التجارية في مختلف المناطق إلى توفير الدراسات والأبحاث عن المشاريع وإتاحة الاستفادة من خبرتها إلى جانب دعوة الشباب الذين تتوافر لديهم الكفاءة والقدرة على إدارة وتنفيذ هذه المشاريع.
مشاكل المشاريع الصغيرة
غير أن السؤال المهم الذي يثيره إنشاء صندوق المئوية هو: هل يساعد دعمُ المشروعات الصغيرة من قبل الصندوق الاقتصادَ السعودي بشكل عام؟
في هذا الصدد يشير الدكتور عبد الرحمن الصنيع المستشار الاقتصادي إلى أن بعض الإحصاءات الحديثة تؤكد بأن نسبة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في دعم الناتج المحلي السعودي لا تتجاوز ما بين 30-40 في المائة وهو رقم ضعيف جداً.
وأوضح أن المشروعات الصغيرة تواجه مصاعب في التمويل، وكذلك في الإجراءات الخاصة بإقامتها، رغم ظهور مؤسسات تساعد على تدريب الشباب وإقامة المشروعات الصغيرة مثل صندوق عبد اللطيف جميل، إلا أنها تعد غير كافية.
كما تفتقد المؤسسات الصغيرة -وفقا للصنيع- إلى التمويل والتسهيلات من قبل البنوك، مما جعل المشروعات الصغيرة تلجأ إلى طرق مختلفة منها أن يتم الاقتراض باسم موظفين لديهم القدرة أو الاستطاعة المالية.
وأشار الصنيع إلى أنَّ توجه الدولة إلى إنشاء صندوق المئوية يدعم القطاع الخاص ويشجع بقية المستثمرين الصغار للدخول في مشاريع مدروسة متوقعاً أن يتم ضخ ما بين 800 مليار ريال (213 مليون دولار) خلال العاملين المقبلين، فضلاً عن تراجع الخسائر في المحلات التجارية الصغيرة والمتوسطة والتي وصلت سابقا إلى معدلات مرتفعة تراوحت بين 70-90 في المائة.
وبحسب إحصائيات غير رسمية في عام 2003 فإن المؤسسات الصغيرة تستوعب من المهن والوظائف في السوق بنحو 50-70 في المائة، بينما تتوزع النسب المتبقية على الشركات الكبرى ونسبة 5-7 في المائة على المؤسسات الصغيرة جداً مثل محلات الحلاقة والميكانيكا والسباكة ومعظم الأعمال المهنية.
أما الدكتور عبد العزيز الداغستاني الاقتصادي السعودي فيرى أن المشكلة الحقيقة التي تواجه المؤسسات الصغيرة هي مدى قدرتها على المنافسة داخلياً وخارجياً في مرحلة ما بعد الانضمام المرتقب لمنظمة التجارة العالمية، ومن هنا يتعين على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة النظر في مرحلة ما من نشاطها إلى الاندماج حتى تصل للمنافسة.
ويظل أن صندوق المئوية ما زال أمامه وقت للحكم على تجربته ومدى نجاح آلياته من عدمها، غير أن الخبراء يرون أن الالتزام بالقوانين واللوائح ومواجهة الوساطة أو المحسوبية، كفيل بأن ينتج ثمارا إيجابية عن الصندوق، ويتم تكرار تجربته في أنحاء مختلفة من المملكة، حتى تتم مواجهة الأعداد التي تدخل سوق العمل السعودية كل عام والتي تقدر بـ163 ألفا شاب في المتوسط.
|