English

 

الخميس. مايو. 5, 2005

نماء » استعد للوظيفة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

"السيرور" المغربي.. حرفة المهمشين

نور زكرياء

مسح الأحذية مصدر دخل لشريحة من المهمشين
مسح الأحذية مصدر دخل لشريحة من المهمشين

لم يكن يعلم أحمد آيت الحسن المنحدر من مدينة تافيلالت -جنوب المغرب - أنه سيضع يوما ما مجرفته اليدوية التي عانقها صباح مساء أكثر من 20 عاما، ويحمل بدلها علبة لمسح الأحذية في دروب مدينة الدار بالبيضاء. فهذا الرجل الذي ترتسم على وجهه آثار الشيخوخة، وإن كان لم يتجاوز عمره الأربعين سنة، ظل لسنوات طويلة عامل بناء يعشق مجرفته، ويغني لها بلهجته الأمازيغية، وهو ينقل أكوام الرمال والإسمنت من مكان إلى آخر لبناء سقف بيت أو عمارة.

ورغم طبيعة عمله الشاق ذي الدخل القليل فإن الحسن كان يجد فيه راحته، وهو يعمل به ما يربو على 12 ساعة في اليوم، ولكن شاءت الأقدار أن يتعرض لحادثة جعلته لا يستطيع حمل المجرفة مرة أخرى، وأمام طلبات أسرته التي تتكون من 5 أفراد بدأ يبحث عن عمل يلائم وضعه الصحي.

السيرور أو ماسح الأحذية كانت الحرفة التي لجأ إليها الحسن، ورغم أنه يرفضها ويحتقرها من داخله، بسبب نظرة الناس السلبية لمن يعملون بها، فضلا عن أن معظم العاملين بها من أطفال الشوارع، فإنه مع مرور الوقت بدأ يألف مسح الأحذية ولا ينفر منها، واستطاع أولاده استكمال تعليمهم وحفظ كرامتهم من خلال الدراهم اليومية التي تأتيهم من هذه الحرفة.

استثمار بـ150 درهما

وقصة الحسن تلك، تفتح طاقة من الرزق للمهمشين الذين اعتبروا السيرور هو حرفتهم المناسبة التي لا يتعدى الاستثمار الأولي فيها الـ150 درهما (10 دراهم= دولارا تقريبا)، وهذا المبلغ هو لشراء أدوات أساسية لممارسة هذه الحرفة، مثل: صندوق خشبي، ودهانات بالأوان مختلفة، وفرشات، ومنديل للتلميع، وكرسي خشبي. أيضا تحتاج هذه الحرفة إلى مبلغ 60 درهما لشراء علب الدهان عند كل أسبوع، أما الفرشات فلا يتم تغييرها إلا عندما تصبح عاجزة على تلميع حذاء الزبون.

ورغم أن غالبية المغاربة يحتقرون هذه الحرفة فإنها قد تدر على صاحبها في اليوم ما بين 50 درهما في أصعب الحالات، و150 درهما أيام الشتاء، ولا تقل تسعيرة تلميع الحذاء عن درهمين. كما أن أماكن العمل تتحكم في معدل الدخل اليومي؛ ولذا نجد أن أغلب السيرورين يتمركزن وسط المدينة، حيث ترتفع كثافة تواجد الموظفين الذين يلمعون أحذيتهم قبل الدخول إلى مقرات عملهم، كما يزداد تمركز السيرورين أيضا عند المقاهي حيث يرغب مرتادوها في مسح أحذيتهم.

طالب وسيرور

ورغم العائد اليومي لحرفة السيرورة فإن كثيرا من العاملين بهذه الحرفة غير راضين عنها، فعبد الله ابن الـ20 عاما يحلم بالحصول على وظيفة بالبنك الذي يجلس بالقرب منه في مدينة الدار البيضاء.

وعبد الله طالب في السنة الأخيرة من التعليم الثانوي (الباكلوريا) ، وهو يتيم الأب بعد وفاة والده عام 2001، وله أخوان، الأكبر يعمل حارس سيارات بالنهار، والثاني يدرس بالتعليم الابتدائي.

وقد اقتادت الظروف هذا الشاب كغيره من أبناء طبقة المهمشين إلى مزاولة حرفة السيرور لمساعدة الأسرة على تلبية حاجياتها اليومية، وذلك في أوقات الفراغ، حيث ما يزال يتابع دراسته بالتعليم الثانوي، وهو يتهيأ هذه السنة إلى اجتياز امتحانات الباكلوريا.

وقد استطاع بفضل ما يجنيه من دخول يومية من متابعة دراسته التي تخلى عنها أخوه الأكبر بسبب نفس الظروف، إلا أن طموح عبد الله حال دون تخليه عن الدراسة؛ ولأنه ذكي ويتعلم فقد اختار أن يربض بصندوق بالقرب من أحد البنوك من أجل اصطياد زبائن أكثر سخاء عند مسح أحذيتهم، وهذا ما تعلمه من خلال مزاولته لهذه الحرفة.. أن يختار دائما الأماكن الإستراتيجية.

إقصاء أم استيعاب؟!

ولا يكفي السيرور عدم رضاه عن نفسه، بل يعاني أيضا من دوريات الشرطة التي تطارده باستمرار باعتبار أن العاملين بهذه الحرفة يشوهون صورة المدينة، وأغلبهم منحرفون، حسب الاعتقاد.

ورغم أنه يوجد ما بين 4 إلى 6 سيرورين في كل شارع مغربي فإنه لا اهتمام رسميا أو حتى تقديرات مبدئية لعدد من ينتمون إلى هذه الحرفة، لا سيما أنه لا يوجد قانون ينظمها، وبالتالي فلا تحتاج إلى رخصة لمزاولتها، كما يقول محمد بريجة عضو مجلس مدينة الدار البيضاء الذي يعتبر من وجهة نظره أنه من الصعب إدخال مثل هذه الحرف ضمن الأطر القانونية، بسبب أنها تمارس عنوة رغم رفض السلطات والقوانين.

غير أن البعض الآخر يرفض منطق الإقصاء الذي تتبناه البلديات والشرطة المغربية تجاه السيرور، ويرى أنه من الضروري وجود جمعية للعاملين بهذه المهنة تنظم شئونهم وأماكن تواجدهم، بما لا يصطدم مع السلطات، لا سيما أن مثل هذه المهن أفضل من أن يتحول المهمشون إلى قنابل انحراف. (انظر نماذج لقيام العمل الأهلي بضبط العلاقة بين الباعة المتجولين والسلطات: "أيزو" للباعة الجائلين!.. يا "أرزقية".. اتحدوا).

كما أن هذه الحرف البسيطة التي يعمل بها المهمشون تساهم -ولو جزئيا- في التعامل مع قضية البطالة في المغرب خاصة في القطاعات غير المتعلمة. ووفقا لأرقام دولية، فتصل نسبة البطالة إلى 19%؛ الأمر الذي يجعل من المهن الموسمية رافدا أساسيا لإعالة آلاف الأسر.

أيضا فإن هذه النوعية من الحرف، تكافح التسول الذي تقدر إحدى الدراسات المغربية في عام 2003 من يعملون فيه بنحو نصف مليون مواطن، وذلك بسبب ازدياد معدل الفقر والركود الاقتصادي، فالإحصاءات الدولية تشير إلى أن خمس سكان المغرب البالغ 30 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر على دولار واحد يوميا، كما لا يتجاوز الدخل الفردي لمعظم المواطنين عن 1200 دولار سنويا. والأفضل لفقير المغرب أن يصبح سيرورا من أن يكون متسولا.


صحفية مغربية .

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم