|
| عودة أموالنا تحتاج لجهود حكومية وشعبية
|
أثار احتمال تجميد أموال الاستثمارات العربية في الدول الغربية في أعقاب أحداث 11 سبتمبر استفهامات عدة حول أسباب هجرة هذه الأموال من أوطانها، وما هي المجالات التي يمكن أن تُستثمر فيها هذه الأموال في حالة عودتها. وتبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحا في أعقاب الأنباء التي رددتها صحيفة فايننشال تايمز في أغسطس 2002 حول سحب أمراء سعوديين لـ200 مليار دولار من البنوك الأمريكية.
ورغم الخلاف حول حجم الأموال العربية في الخارج، التي يقدرها البعض بحوالي 800 مليار دولار (وهي تقديرات غير مؤكدة)، فإن الخلاف الأكبر يتركز في الأسباب التي دفعت هذه الأموال لهجرة أوطانها؛ فالبعض يرى أنه لا توجد طاقات تستوعبها داخل الاقتصاديات العربية، وفي المقابل يرى آخرون أن هذه الأموال هجرت أوطانها تحت ضغط الروتين والتعقيدات وتخلف مناخ الاستثمار وسعيا وراء الربح المرتفع وطلبا لمزيد من الأمان.
وإذا كان الرأي الأخير يتضمن جزءًا من الحقيقة فإن الرأي الأول يجانبه الصواب، حيث إن رصد إمكانيات الاقتصاد العربي في استيعاب الاستثمارات يعكس الصورة تماما ويوضح أن هذه الأموال المهاجرة تركت فجوة استثمارية واسعة في أوطاننا؛ فإجمالي الديون الخارجية العربية في عام 2001 بلغ حوالي 156 مليار دولار، كما بلغ إجمالي العجز في الموازنات العامة العربية في نفس العام حوالي 30 مليار دولار وفقا لتقديرات صندوق النقد العربي، وهو ما يعني أن الأموال العربية لا تسد الاحتياجات، وهو ما دفع دول المنطقة إلى الاستدانة من الخارج أو اللجوء إلى التمويل بالعجز وكلها بدائل تضر بالاقتصاديات العربية.
يضاف إلى ذلك تزايد الفجوة الغذائية العربية في معظم السلع والمنتجات بسبب عدم استغلال الموارد؛ فعلى سبيل المثال تبلغ جملة الموارد المائية العربية حوالي 265 مليار متر مكعب سنويا، لا يستغل منها سوى 180 مليار متر مكعب، كما يبلغ رصيد المخزون السمكي في المياه العربية حوالي 7.8 ملايين طن سنويا، لا ينتج منها سوى 2.6 مليون طن سنويا، وذلك طبقا لإحصاءات المؤسسة العربية لضمان الاستثمار في عام 2001.
كل هذه المؤشرات تجد تفسيرها في نقص رؤوس الأموال المستثمرة في هذه المجالات المختلفة في البلدان العربية؛ ولذا فعودة هذه الأموال إلى أوطانها أضحى فرض عين على الأفراد والحكومات.
الفرص المتاحة لأموالنا
يمكن حصر أهم مجالات الاستثمار المتاحة في البلاد العربية أمام هذه الأموال عند العودة إلى الآتي:
أولا- مجالات الاستثمار المالي والنقدي:
1- الاستثمار في أذون خزانة مسحوبة على الحكومات العربية بدلا من أذون الخزانة الأمريكية، فمن باب أولى أن تقوم هذه الحكومات والقطاع الخاص العربي بالاستثمار في إقراض حكومات عربية أخرى، فهو استثمار أكثر أمانا حتى إن كان أقل عائدا من الاستثمار في أذون الخزانة الأمريكية، أضف إلى ذلك مساهمة هذه النوعية من الاستثمار في خلق مصالح اقتصادية مشتركة جديدة بين الحكومات والشعوب العربية، كما أن ذلك سيقلل إجمالي الديون الخارجية للبلدان العربية، وهو ما يبعد هذه الدول العربية المدينة عن قبضة صندوق النقد والبنك الدوليين ونادي باريس وما يرتبط بذلك من برامج إصلاح قد لا تعكس المصالح العربية.
2- الاستثمار في شراء الديون الخارجية للدول العربية، فبعض هذه الديون معروضة للبيع من جانب الدائنين الأجانب بأقل من قيمتها بكثير (بعضها بحوالي 50% من قيمتها)، وهذا المجال من الاستثمار يحقق أرباحًا لرؤوس الأموال العائدة من الخارج، ويجنب أصحابها القيود التي يمكن أن تُفرض على سحب أموالهم من البنوك الأجنبية؛ حيث يمكن لأصحاب هذه الأموال القيام بعملية شراء هذه الديون بأموالهم وهي في الخارج دون الحاجة إلى سحبها وإعادتها إلى البلاد العربية، وبذلك تتحول الديون الخارجية العربية إلى ديون عربية عربية، ويمكن أن يتم ذلك تحت إشراف بعض المؤسسات المالية العربية مثل صندوق النقد العربي.
3- إيداع الأموال العائدة في صورة ودائع لدى المصارف العربية الرسمية بالعملات العربية الوطنية؛ حيث إن أسعار الفائدة على هذه الودائع أعلى بكثير من أسعار الفائدة على الدولار، أو القيام بإقراض الحكومات العربية من خلال إحدى المؤسسات المالية العربية، بضمانها، مثل صندوق النقد العربي بأبو ظبي أو المؤسسة العربية لضمان الاستثمار بالكويت.
ثانيا- مجالات الاستثمار العيني أو المباشر:
من الصعب حصر المجالات العينية التي يمكن للاستثمارات العائدة أن تعمل بها بصورة مباشرة في البلدان العربية، وذلك لأنها ضخمة ومتنوعة، وقد يكون من المناسب هنا أن نسوق بعض الأمثلة فقط مستندين في ذلك إلى أرقام وإحصاءات الجهات العربية الرسمية، كلما أمكن، ومن أهم هذه المجالات ما يلي:
1- الاستثمار في مشروعات البنية الأساسية العربية، فقد أصبح الاستثمار في هذا المجال متاحا أمام القطاع الخاص المحلي والأجنبي في معظم البلاد العربية في ظل برامج الإصلاح الاقتصادي، وهناك التجارب المصرية والمغربية والتونسية والخليجية في استثمار القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية في إطار ما يعرف بنظام B.O.T (البناء والتشغيل والتحويل).
ويكفي أن نشير هنا إلى أن مشروعات البنية الأساسية في محافظة سيناء المصرية فقط تحتاج إلى حوالي 16 مليار دولار حتى عام 2017، كما أن هناك مشروعات عربية ضخمة مزمع إنشاؤها خلال السنوات القادمة مثل مشروع إنشاء سكة حديد بالسعودية، وتحديث السكة الحديد بمصر، ومشروعات خطوط الغاز والكهرباء المشتركة في إطار برامج الربط بين الشبكات العربية… فإن من باب أولى استخدام الأموال العربية العائدة بدلا من الاقتراض لتمويل هذه المشروعات.
2- مساهمة الأموال العائدة في مشروعات صناعية لتحل محل رؤوس الأموال الأجنبية، لا سيما أن المنظمة العربية للتنمية الصناعية تشير إلى أن إجمالي الاستثمارات الأجنبية في الصناعة العربية يصل إلى حوالي 5.2 مليارات دولار.
3- شراء المشروعات العربية العامة التي يتم بيعها في إطار برامج الخصخصة في العديد من البلاد العربية مثل مصر ولبنان والأردن وتونس والمغرب وبعض دول الخليج العربي، وذلك بدلا من سيطرة رأس المال الأجنبي على هذه المشروعات.
4- الاستثمار في مجال الإنتاج الزراعي والحيواني الضخم، وذلك في بعض المشروعات العربية العملاقة التي تقام حاليا في دول، مثل: مصر (توشكي - شرق التفريعة - العوينات - سهل الطينة)، والسودان (مشروع سكر كنانة - مشروع ترعة شمال السودان - مشروع قناة جونجلي)؛ وذلك لأن الاستثمار في هذه المشروعات يحقق أرباحًا مرتفعة ويسد جزءًا من الفجوة الغذائية العربية.
5- إنشاء شركات التأمين وإعادة التأمين الضخمة والمشتركة؛ حيث أثبتت تجربة أحداث 11 سبتمبر وما تبعها من تداعيات أن البلاد العربية في حاجة ماسة إلى مثل هذه النوعية من الشركات الضخمة القادرة على إعادة التأمين على المخاطر المختلفة.
6- الاستثمار في قطاع الطاقة بمكوناته المختلفة (كهرباء - غاز - قطاع البترول)؛ حيث تقدر الجهات العربية الرسمية أن هذا القطاع يحتاج إلى حوالي 150 مليار دولار خلال الـ 15 سنة المقبلة، من بينها 40 مليار دولار فقط يحتاجها قطاع الكهرباء في دول مجلس التعاون الخليجي حتى عام 2010، كما تحتاج البلدان العربية إلى استثمارات تصل إلى حوالي 113 مليار دولار لإنفاقها على قطاع البترول والغاز وصناعة البتروكيماويات حتى عام 2006، وفقا لتقديرات منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول "أوبك".
هذه بعض الأمثلة فقط التي تعكس توفر الفرص الجيدة والمتنوعة في البلاد العربية لاستيعاب الاستثمارات العربية العائدة من الخارج في ظل الظروف الراهنة، ونحن في ذلك لا نطالب بإعادة الاستثمارات العربية من الخارج ومقاطعة العالم الخارجي والانكفاء على الذات، ولكن على الأقل إعادة الأموال العربية لسد فجوة الاستثمار الموجودة حاليا في الاقتصاديات العربية، وكذلك لاستغلال أموالنا كأوراق ضغط ضد بعض الدول الغربية المنحازة، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
كما يمكن أن يتحقق هذا الضغط بنقل جزء من هذه الأموال إلى دول أخرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي لما لديها من فرص واعدة في مجال الاستثمار وبما يخدم الصادرات العربية إلى هذه الأسواق في المستقبل، ويضمن وقوف هذه الدول بجانب قضايانا.
ورغم هذه الفرص الواعدة أمام رؤوس الأموال العربية العائدة في الاقتصاديات العربية فإن حلم عودة هذه الأموال يحتاج لتضافر جهود الحكومات العربية وكذلك القطاع الخاص بكل مؤسساته.
|