English

 

السبت. سبتمبر. 7, 2002

نماء » بورصات وبنوك » بنوك

 
   
روابط من إسلام أون لاين

أموالنا رهينة لـ"11 سبتمبر"

مجدي صبحي

Image

بعد مضي عام على أحداث 11 سبتمبر بالولايات المتحدة.. بدت الآثار الاقتصادية لهذه الأحداث تتضح معالمها بالنسبة لاقتصاديات الدول العربية؛ فقد أصبح هناك خوف حقيقي على مصير الأموال العربية المستثمرة في الخارج إلى الدرجة التي اعتبرها البعض أنها أصبحت رهينة عند الغرب.

فبعد ثلاثة أشهر من هذه الأحداث أصدرت الإدارة الأمريكية 4 قوائم متلاحقة تضم أسماء أكثر من 150 شخصًا ومؤسسة للشك في أنها لها علاقة بتمويل الإرهاب، وطلبت الإدارة الأمريكية من كافة المصارف والبنوك في العالم تجميد حسابات هؤلاء الأشخاص وتلك المؤسسات، والبحث في مدى سلامة عملياتها وتحويلاتها المصرفية. وضمت هذه القوائم مؤسسات وشخصيات عربية، وتبع ذلك قيام فرنسا وألمانيا وبريطانيا واليابان.. كما وزعت الولايات المتحدة قوائم تضم أشخاصًا ومؤسسات شملت 18 اسمًا، أغلبها عربية في دول العالم أجمع فيما وصف بأنه بحث في مصادر تمويل الإرهاب في 5 آلاف بنك أمريكي وعشرات الألوف من البنوك في مختلف أرجاء العالم. وهكذا أصبحت الاستثمارات العربية في الخارج معرضة لخطر التجميد، وبالتالي أصبح عنصر الأمان الذي تعول عليه هذه الاستثمارات غير متوفر.

وليست هذه هي المرة الأولى بالطبع التي تتعرض فيها الفوائض المالية المستثمرة للدول البترولية في الغرب لمعاملة تمييزية حادة تجعلها عرضة ربما للتلاشي في لحظة.. فقد سبق أن قامت الإدارة الأمريكية بتجميد الأصول الإيرانية والليبية، هذا علاوة على بعض المخاطر الاقتصادية التي تتعرض لها هذه الاستثمارات بأنماط التوظيف التي تتم حاليا. وعلى الرغم من عدم توافر بيانات حديثة حول الفوائض البترولية ونمط استثمارها في الدول الغربية(1)، فإننا بوسعنا اللجوء للتاريخ القريب لمحاولة معرفة النمط التي اتخذته في التوظيف وكيفية حماية هذه الاستثمارات.

ويمكن القول بأن توظيف الفوائض المالية قد تم عبر عدة قنوات رئيسية: الأولى منها تمثلت في الإيداع بالمصارف الغربية الكبرى، وهو ما كان يتخذ الصورة الكبرى خلال المراحل الأولى من زيادة أسعار النفط؛ إذ وظفت معظم فوائض موازين مدفوعات البلدان العربية النفطية في موجودات عالية السيولة لتنتقل خلال فترة تالية إلى قنوات أخرى. ومن الطبيعي أن التفضيل الأولي للموجودات السائلة كان مرده الانتظار للتعرف على أي الاستثمارات طويلة الأجل هي الأجدى لتوظيف الزيادات الكبيرة في الدخول النفطية.

أما القناة الثانية للتوظيف فقد تمثلت في الأوراق المالية خاصة السندات الحكومية في الدول الغربية الكبرى؛ كالولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا. ومن بين البلدان النفطية صاحبة الفوائض يقدر أن بلدان مجلس التعاون الخليجي الست وظفت في هذه القناة حتى نهاية عام 1985 ما يزيد على 55 مليار دولار، حوالي 60% منها في سندات الخزينة الأمريكية.

وبالنسبة للقناة الثالثة لتوظيف الفوائض فكانت في القروض المباشرة والأسهم والسندات غير الحكومية والعقارات وغيرها من قنوات الاستثمار في الدول الصناعية.

وقد تآكلت فوائض معظم بلدان الخليج، خاصة الحكومية منها، خلال النصف الثاني من الثمانينيات إما لزيادة الاحتياجات مع زيادة المخاطر الأمنية، وتصاعد المشتريات من الأسلحة، وتغطية تكاليف حرب الخليج الثانية.. وإما لزيادة الاحتياجات مع النمو الهائل في عدد السكان، وزيادة الطلب بالتالي على الخدمات الحكومية التي كانت تقدم بشكل مجاني أو شبه مجاني.. وإما لنقص العائدات النفطية نتيجة للتدهور الشديد في أسعار النفط والكميات المنتجة منه لا سيما منذ عام 1986، وشن ما عُرف بـ"حرب أسعار النفط". إلا أن هذا لا يمنع من استمرار نفس الدورة من الصعود والهبوط في الفوائض مع التحركات التي تشهدها سوق النفط. فقد حققت دول الخليج النفطية فوائض ملموسة خلال عام 1996، ثم مرة أخرى خلال عام 2000 مع زيادة الأسعار والكميات المنتجة. وطبقا لبعض التوقعات فإن بلدان الخليج قد تستمر في تحقيق عائدات كبيرة من صادراتها النفطية خلال الفترة القادمة، ولا سيما بعد عام 2005 مع زيادة الاعتماد عليها؛ باعتبارها المورد الأول للنفط في العالم.

ويبدو من الواضح من تتبع الاستثمارات العربية في الخارج أنه لا يوجد تصور واضح وموحد أو مشترك لرؤوس الأموال العربية في الخارج. وكل ما هنالك مجموعات تعمل وتتخذ القرار بشكل فردي، فلو كان هناك مركز موحد لهذه الاستثمارات لكان بإمكانه أن يحلل السوق، ويتخذ القرارات حول أي من المجالات يمكن أن تتوجه الأموال العربية إليه –في أي قطاع وأي بلد-، بينما نجد أن الوضع الحالي يتسم بأن كل مجموعة لها تصورها.. تنطبق تلك الملاحظة على نحو أخص على رأس المال العربي الخاص الذي ليس لديه إستراتيجية. وانطلاقا مما تقدم تصبح المسألة المطروحة هي كيف يمكن لرأس المال العربي أن يحصل على مردود مقبول ومعقول من ناحية؟ وكيف يستطيع أن يؤمن حرية السيطرة على أمواله الموجودة في الخارج في اللحظات الحرجة؟.

تأثر عائدات النفط

من جهة أخرى شهدت الولايات المتحدة واليابان ومعهما الدول الصناعية موجة من الركود أدت إلى انخفاض الطلب على النفط، وانخفاض أسعاره في أعقاب أحداث سبتمبر مباشرة ولمدة 5 أشهر؛ وهو ما أدى بدوره إلى انخفاض أو تذبذب العائدات النفطية التي تُعد المحرك الرئيسي للتنمية في بعض البلدان العربية والخليجية خصوصًا.

ورغم أن الانخفاض في أسعار النفط خلال عام 2001 لم يكن ملموسًا بالمقارنة بعام 2000؛ حيث بلغ المتوسط لسعر البرميل من نوع برنت الخام نحو 24.52 دولارًا للبرميل في عام 2001 مقارنة مع 25.10 دولارًا خلال عام 2000.. فإن الانخفاض في الحقيقة كان سريعًا وواضحًا في أعقاب تفجر أحداث سبتمبر؛ إذ بينما كان متوسط السعر يبلغ 25.66 دولارًا للبرميل من نوع برنت خلال شهر أغسطس، مع توافر إسقاطات باحتمال اتجاه الأسعار للارتفاع مع بدء تعافي الاقتصاد الأمريكي، وإذا بالأسعار تنخفض خلال شهر سبتمبر لتصل إلى 25.62، ثم تنهار إلى 20.62 في شهر أكتوبر، ثم إلى 18.76 خلال نوفمبر، و18.71 خلال شهر ديسمبر. أي أن الانخفاض في الأسعار بلغ نحو 7 دولارات بين أغسطس وديسمبر أو ما يقرب من 30%. وعلاوة على هذا فإن منظمة الأوبك اضطرت لخفض سقف إنتاجها بدءًا من يناير عام 2002 بنحو 1.5 مليون برميل يوميا لمحاولة رفع الأسعار بعض الشيء، غير أن الأسعار عادت للارتفاع بعض الشيء في أعقاب التوقعات باحتمال توجيه الولايات المتحدة لضربة عسكرية ضد العراق.

آثار أخرى

إلى جانب تأثر العائدات النفطية لعديد من الدول العربية (تشمل دول الأوبك العربية إلى جانب عمان ومصر وسوريا واليمن).. فإن الحركة التجارية العربية تأثرت بشدة برفع أسعار الشحن، وقيم التأمين المفروضة على البضائع القادمة إليها أو الخارجة منها؛ وهو ما أضاف مصاعب أخرى أمام العديد من الدول العربية.

ناهيك عن التأثر بالركود العالمي أو ضعف النشاط الاقتصادي في الدول التي تُعد الوجهة الأساسية لحركة الصادرات العربية؛ وهو ما أضاف انخفاضًا آخر في دخول هذه البلدان من العملات الصعبة لا سيما للدول غير النفطية مثل مصر والمغرب وتونس والأردن وسوريا ولبنان. كما أن العديد من الأقطار العربية قد تأثرت على نحو ملموس من انخفاض حركة الطيران وحركة السياحة (مثل مصر).

المستقبل يحتاج لبدائل

كما أشرنا من قبل فإن السؤال الذي بات مطروحًا بشأن قضية الاستثمارات العربية في الخارج، هو: كيف يمكن لرأس المال العربي أن يحصل على مردود مقبول ومعقول من ناحية؟ وكيف يستطيع أن يؤمن حرية السيطرة على أمواله الموجودة في الخارج في اللحظات الحرجة؟

والواقع أن الإجابة على هذا السؤال قد تكون مفتاح الحل لقضية التنمية العربية عامة؛ ففي حين نجد أن هناك تركيزًا مبالغًا فيه على قضية تحرير التجارة كمدخل للإنماء العربي المشترك، فإن الواقع والنظر معا يبرزان ضآلة ما يمكن أن ينجم عن هذا الاختيار من آثار. فقبل التفكير في تحرير التجارة (وهو مدخل أو اختيار ملائم للدول التي أنجزت ثورتها الصناعية والتكنولوجية) ينبغي التفكير أولا فيما سيتم المتاجرة فيه؛ إذ إن أغلب الدول العربية تمتلك هياكل اقتصادية متشابهة، كما أنها تقوم بتصدير واستيراد نفس السلع؛ وهو ما لا يجعلها شركاء تجاريين طبيعيين.

من هنا نلاحظ أن بدايات تنفيذ أي خطة لتنفيذ تحرير التجارة تبدأ بأن يضع كل بلد عربي لقائمة من السلع التي لن يشملها التخفيض الجمركي الذي تقتضيه حرية التجارة، لنجد في النهاية أن كل بلد يركز على السلع التي يقوم بتصديرها بالفعل للخارج، ونصل إلى أن تحرير التجارة لن يشمل بالفعل سوى عدد محدود من السلع هي التي يتم فيها التجارة العربية البينية بالفعل، وهي تجارة لا تتجاوز في أفضل الأحوال نحو 10% من حجم التجارة العربية الإجمالية.

من هنا وفي ضوء أن أغلب البلدان العربية الآن باتت تمتلك اقتصادًا منفتحًا على الخارج يستند بالأساس إلى اقتصاديات السوق ودور ملموس للقطاع الخاص.. فإن تحريك الجانب الاستثماري قد يجري معه توسيع عملية التجارة العربية البينية. ومع الإقرار بأن هناك فرصًا استثمارية خارج العالم العربي ينبغي اقتناصها في كافة الأحوال؛ وهو ما يعني استمرار وجود استثمارات عربية في الدول الغربية وغيرها.. فإن تحقيق بعض الانفتاح للاقتصاديات العربية في المجال المالي (مثل التسجيل المشترك لحركة التعامل في أسواق المال وغيره من الأساليب) قد يمثل بديلا ملائمًا على الأقل في المدى القصير. كما أن محاولة تحريك الإيداعات المصرفية للحكومات والأفراد من خارج العالم العربي إلى الداخل قد تكون بديلا متوفرًا في حالة توفير درجة مناسبة من العائد مع ما يتحقق من عائدات على هذه الإيداعات في الخارج، وكذلك تأمين هذه الإيداعات من المخاطر المختلفة.

وهنا نشير إلى أن بعض البلدان العربية قد دأبت في بعض الأحيان على إيداع جزء من فوائضها البترودولارية في بعض المصارف المركزية العربية، ولكن غالبًا ما كان يتم ذلك لأسباب سياسية محضة كنوع من الدعم الضمني من قبل البلدان النفطية لبعض البلدان الأخرى، لكن المطلوب هو تفعيل هذا التحريك لكي يكون نتيجة للاعتبارات السياسية (تأمين هذه الإيداعات من المخاطر السياسية التي تتعرض لها في الدول الغربية)، وفي نفس الوقت نتيجة لحركة فاعلة من النشاط الاقتصادي العربي الذي قد يجلب عائدات أفضل لهذه العائدات، ويحتم إعادة توطينها في المكان المحتمل لاستثمارها.


خبير اقتصادي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وقد قام خلال عام 2005 بجولة صحفية في عدد من دول أمريكا اللاتينية، والتقى عددا كبيرا من المسئولين الرسميين في هذه الدول.

(‍1) تترد أرقام غير مؤكدة عن أحجام الأموال العربية في الخارج، وأبرزها ما ذكرته الفايننشال تايمز في شهر أغسطس عن حجم الأموال السعودية في الولايات المتحدة المقدرة بـ200 مليار دولار، كما ذكرت أنباء عن أن حجم الأموال العربية ككل في الخارج  يتراوح ما بين 800 –1200، وهي أرقام ينظر لها خبراء اقتصاديون على أنها تقديرية، وربما تكون غير صحيحة لعدم تأكيدها من قبل المؤسسات الاقتصادية العربية الرسمية أو حتى ذكرها في تقارير دولية موثوق في مؤشراتها.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم