|
جنيف - ما إن يتم سقوط طاغية هنا أو هناك، أو أن يريح الموت شعبًا من ديكتاتور جثم على قلبه لعقود، أو أن تعلن وسائل الإعلام عن وقوع شبكة جريمة منظمة في يد العدالة، حتى يقترن هذا الخبر بسويسرا، وتحديدًا بسبب وجود حسابات وودائع لهؤلاء في بنوكها.
فقد ارتبط اسم سويسرا على الدوام بسرية الحسابات المصرفية التي تدافع عنها الحكومة الفدرالية باستماتة، حتى باتت تعرف بأنها الملاذ الآمن للأموال المسروقة والثروات المنهوبة من جميع بقاع الأرض.
إلا أن السويسريين -لا سيما في أجيال ما بعد الحرب العالمية الثانية- لم يرُقهم أن توصف دائمًا بلادهم الجملية بأنها "تغسل أكثر بياضًا". وحاولت العديد من المنظمات غير الحكومية الضغط على البنوك والجهاز الاقتصادي الرسمي من خلال توعية الرأي العام وكشف الستار عن الوجه القبيح لتعاملات البنوك السويسرية عبر سرية الحسابات، كما بدأت الأنظار عقب أحداث 11 سبتمبر في التوجه إلى البنوك السويسرية على أساس أن المنظمات الإرهابية قد يكون لأموالها موطئ قدم في هذه البنوك، وهو الأمر الذي نفته الحكومة، كما رفضت الإذعان لأوروبا في المساومة على مسألة سرية الحسابات.
ويرجع تمسك الحكومة بمسألة سرية الحسابات، وعدم الكشف عنها إلى أن ثمّة مصلحة مباشرة من هذه التدفقات المالية، فليس خافيًا على أحد أن سويسرا -أغلى دولة أوروبية وأعلاها في مستوى المعيشة- ليس بها أي ثروات طبيعية سوى الملح والماء وما بها من مناظر ساحرة، أما مصدر ثرائها فهو ما تدرّه عليها بنوكها وشركات التأمين العاملة فيها.
وطبقًا لبيانات البنك الوطني السويسري، تفوق قيمة الأموال المودعة في خزائن البنوك ثلاثة آلاف وخمسمائة مليار فرنك (الدولار = 1.4 فرنك سويسري)، تدرّ سنويًّا أرباحًا في حدود 15 مليار. كما تمرّ ثلث عمليات التداول في البورصات الدولية على مستوى العالم عبر سويسرا.
اللعبة المزدوجة
وبعد أن تجاوزت الانتقادات الموجهة إلى سويسرا المنظمات غير الحكومية، أصبح لزامًا على كبار المسئولين الرسميين الدفاع عن سياسة بنوكها، وهي مهمة ليست سهلة؛ لأنها تحمل في ثناياها ازدواجية في تعامل سويسرا مع هذا الملف، فالحكومة تنأى بنفسها عن أية انتقادات توجه إليها بأنها تحمي أو تشجع غسيل الأموال وودائع ضحايا الحرب العالمية الثانية وأموال المتهربين من الضرائب، معلّلة ذلك بأن البنوك غير خاضعة لسيطرتها، في الوقت الذي تكتسب فيه جميع المؤسسات المالية حمايتها من القوانين التي تسنها الدولة.
هذه اللعبة المزدوجة بين تنصل الحكومة من تصرفات البنوك في جهة، ودعمها لها من جهة أخرى، متواصلة على الرغم من الضغوط التي أجبرت سويسرا في عام 2002 على تعديل قوانينها بشكل يحاول أن يقضي على ثغرات مختلفة، إلا أن هذه التعديلات في واقع الأمر أشبه بواجهة صلبة تخفي وراءها ثقوبًا كثيرة ينفذ من خلالها من يستطيع التسلل بمفرده أو بمساعدة ما. وتستعمل الحكومة السويسرية هذه القوانين لتبرئة ذمتها أمام منتقديها في الداخل والخارج من دعمها لأي نوع من غسيل الأموال.
ويعتبر 1986 عام التحول في علاقة الحكومة بالبنوك، أو بداية الفترة الانتقالية التي ترى فيها المنظمات غير الحكومية أن مساعيها في الضغط على الجهاز الاقتصادي الرسمي كلّلت بالنجاح.
فكان الإعلان لأول مرة عن تجميد أموال رئيس دولة بقرار تجميد 645 مليون فرنك سويسري تقريبًا في حسابات وودائع الرئيس الفليبيني الأسبق فرديناند ماركوس، وتوجهت أصابع الاتهام إلى أكبر بنكين في سويسرا الآن وهما "كريدي سويس" و"يو بي إس" لضلوعهما في استضافة هذه الأموال المنهوبة من الفليبين.
ثم تعاقبت عمليات "الاكتشاف المفاجئ" والتجميد الفوري لـ 675 مليون فرنك في حساب حاكم هاييتي الأسبق جان - كلود دوفالييه موزعة على فروع كبريات البنوك في جنيف ولوزان وزيورخ. وحسابات رئيس جمهورية مالي الأسبق موسى تراوريه، الذي لم تعترف البنوك إلا بوجود ثلاثة ملايين دولار فقط في حساباتها باسمه. ثم ظهرت على سطح الأحداث قضية ودائع ديكتاتور الكونغو الأسبق موبوتو سيسي سيكو الذي أطيح به عام 1997، حيث تم الحجز على فيلا يمتلكها بالقرب من لوزان، بالإضافة إلى 9 ملايين فرنك، ومن الطريف في هذه القضية أنه قبل قرار الحجز على أموال موبوتو، كان البنك الذي يضم ودائعه قد أعلن أن نفس حساب موبوتو يخصّ أحد الأشخاص القاصرين دون الإفصاح عن هويته!!
ثم أعلنت السلطات عن "اكتشافها" ثروة رئيس وزراء أوكرانيا الأسبق بافلو لاسارينكو، وأنه يمتلك 15 مليون فرنك في أحد بنوك جنيف. وكذلك هو الحال مع ممتلكات الرئيس الصربي الأسبق سلوبودان ميلوسوفيتش من ودائع وشركات وحسابات باسمه وباسم أسرته.
ولا يقتصر التجميد على أرصدة ديكتاتوريات الدول النامية، بل يطال أيضًا كبريات الشركات الأوروبية، لا سيما المتعددة الجنسيات، ففي عام 2000 تم الكشف عن عمليات تزوير مستندات وغسيل أموال رشوة تورطت فيها مجموعة Elf الفرنسية للبترول، وجمدت سويسرا 55 مليون فرنك في حساب واحد في أحد بنوك جنيف.
القواسم المشتركة
هذه ليست سوى مجرد أمثلة بسيطة مما يتم تجميده أو الإعلان عنه بشكل رسمي، لحساسية وأهمية المناصب التي تولاها أصحاب الودائع، أما القاسم المشترك بين كل هذه الأمثلة فهو:
1 - أن سويسرا لا تتحرك في أغلب الحالات إلا بناء على طلب رسمي من الدول التي يسقط حكامها.
2 - أن الكشف عنها يتناقض مع ما تؤكده سويسرا وبنوكها من صرامة في التعامل مع الحسابات الأجنبية، وأن سرية الحسابات المصرفية ليست حماية للجريمة المنظمة أو الثروات المنهوبة من الشعوب.
3 - أن إعلان تجميد الحسابات والودائع لا يشمل مصادرتها لحساب حكومات تلك الدول.
4 - أن سويسرا على الرغم من إعلانها العثور على هذه الملايين وتجميدها، لم تقم منذ عام 1986 إلا بإعادة 4.5 ملايين فرنك فقط إلى جمهورية مالي، أما بقية الملايين المجمدة، فلم يتم البت في مصيرها النهائي بعد.
5 - أنه لم توقع أي عقوبة على أي مسؤول في أية مؤسسة مالية أو بنك يثبت تورطه في فتح هذه الحسابات وجلب هذه الودائع المسروقة. على الرغم من الانتقادات الواضحة الموجهة إلى أغلب البنوك التي يعلنها التقرير السنوي للجنة الفدرالية لمتابعة البنوك.
وإذا تعرضنا للحديث عن العقوبات فإنها موجودة بالفعل في قانون مكافحة غسيل الأموال "الصارم" الذي تفتخر به سويسرا أمام العالم، ولكنها تهتم بفرض غرامات مالية، بحد أقصى 200 ألف فرنك، واللافت للنظر أن هذه الغرامة ليست بسبب الضلوع في عملية غسيل أموال، بل لعدم الحصول على ترخيص في الوقت المناسب لممارسة الأعمال المالية بشكل تجاري.
أما عودة الأموال إلى أصحابها أو الدول التي سُرقت منها، فلها طرق ودهاليز طويلة، تارة في البنوك، وتارة أخرى لدى السلطات الرسمية، ولكنها لا تؤدي إلى عودة هذه الأموال مرة أخرى بشكل كامل.
فعلى سبيل المثال تقدمت الحكومة الفليبينية في عام 1986، وإثر الإعلان عن ثروة ماركوس في بنوك سويسرا بطلب لاسترداد هذه المبالغ المجمدة. وبعد أن استقبلت البنوك الوفد الفليبيني الرسمي، أعلنت بعد يومين من المفاوضات أن الوفد غير مرغوب فيه "لتدخله في شؤون البنك الخاصة". ثم توصلت الدولتان في عام 1998 إلى حل وسط تم بموجبه نقل 645 مليون فرنك إلى العاصمة الفليبينية، ولكن في حسابات مجمدة! أي أن الفصل في تحويل النقود إلى الفلبين استغرق وحده 12 عامًا، ولن يفرج عنها إلا بعد الفصل القانوني في أسلوب توزيعها، ولا حديث عن أرباح هذه الملايين طيلة عقد كامل.
ونفس الموقف تقريبًا مع أموال ديكتاتور نيجيريا الأسبق ساني أباتشا، فهي مجمدة، لم تعد إلى نيجيريا ولم يحسم القضاء في موقف ورثته منها.
وإذا تابعنا الخيط من بدايته فسنجد أن ما تعلنه البنوك من الحيطة والحذر ليس سوى للدفاع عن النفس، بينما تبتعد الممارسات العملية كثيرًا عما تعلنه الوثائق من قيود على الودائع الأجنبية، ففي خريف عام 1995 وبينما كان العالم يندد بممارسات الديكتاتور النيجيري الأسبق ساني أباتشا، وسحبت سويسرا سفيرها لدى نيجيريا للتشاور حول الأوضاع المتردية والممارسات التي تشهدها البلاد، وتُعَدّ خرقًا واضحًا لحقوق الإنسان، كان أباتشا يُقابَل في زيورخ بالترحاب الشديد وهو يفتح حسابًا لدى بنك كريدي سويس أودع فيه 214 مليون دولار!!
فتح حساب بنكي
وإذا كانت السلطات سعيدة بأن قوانين فتح حساب مصرفي لغير المقيمين في سويسرا أصبح أمرًا صعبًا، فإن هناك من يقوم بتلك المهمة نيابة عن الجميع، إما في سويسرا أو خارجها، فتحويل الأموال يتم عادة في البداية من خلال أعمال تجارية وهمية، وما إن تصل الأموال حتى يتم إلغاء الصفقة الوهمية، ثم تقبع الأموال في سويسرا، وتختفي الأوراق "بالتقادم"، ويتم الاستناد إلى قوانين الحفاظ على سرية العملاء، ومع الوقت تتبخر معالم الجريمة، إلى أن تتكشف من خلال سقوط صاحب الحساب إذا كان من السياسيين أو من رجال العصابات.
أما البنوك الكبرى فتقوم بنفس المهمة أيضًا، ولكن بشكل مختلف، فهي تحرص على افتتاح أفرع لها في مراكز المال والأعمال حول العالم، وتروج لمعاملاتها البنكية أيضًا من خلال وفود تطوف الدول الغنية، آخرها كان الوفد الذي زار منطقة الخليج العربي في ربيع العام الماضي، إثر ما تداولته الأنباء عن تراجع الإيداعات العربية في البنوك الأمريكية، فسعت البنوك السويسرية لاستضافتها.
وفي بعض الحالات تقوم شركات ائتمانية أو مكاتب تعمل على إدارة الثروات بدور كبير في نقل الأموال إلى سويسرا، وأيضًا تحت غطاء الاستثمار، وتستعين هذه الشركات في البداية بالبنوك الصغيرة، التي تعمل على نقل الأموال تدريجيًّا إلى البنوك الكبرى لتشغيلها، وعادة من خلال ما يعرف بالحساب ذي الرقم، أي حساب لا يعرف أحد من هو صاحبه إلا فئة قليلة جدًّا، ويتم التعامل معه من خلال رقم فقط.
أما أموال الجريمة المنظمة مثل تجارة المخدرات أو السلاح، فيلجأ أصحابها إذا ما ضاقت بهم السبل إلى تحويلها إلى بضائع ثمينة، فهم يقبلون على شراء الساعات النفيسة أو المجوهرات والتحف الفنية، ثم يُعاد بيعها مرة أخرى، ليبدو مصدر الأموال نظيفًا، ويكون بداية لفتح الحساب الذي لا يرى فيه أحد أية شبهة.
ولا تقتصر مشاكل الحسابات السرية في سويسرا على الأموال المنهوبة أو الناجمة من أعمال غير مشروعة، فسويسرا (الحكومة متضامنة مع البنوك) تتمسك أيضًا بعدم الإفصاح عن حجم إيداعات المواطنين الأجانب المتهربين من سداد ضرائب الثروات في بلدانهم الأصلية، ومع الأسف لا تهتم كثير من الدول بمناقشة هذا الملف مع سويسرا، على الرغم أن سداد الضرائب عن الودائع من الدول النامية في البنوك السويسرية أمر منطقي، فللدول النامية حق في هذه الأموال، إن لم يكن في كلها فعلى الأقل في الحصول على الضرائب عن "الثروات النظيفة".
ويمكن النظر إلى الصورة من زاوية أخرى لنرى أن البنوك السويسرية تتحرى في الظاهر الدقة في فتح أي حساب وشخصية صاحبه والهدف منه إذا لم يكن مقيمًا في سويسرا، ولكنها تغضّ الطرف عما يدخل خزائنها، لا سيما من مبالغ كبيرة، إلى أن يظهر "فجأة" ما يمس هذه الأموال، فيصدر قرار التجميد، وحتى يتم الفصل في مصيرها، تبقى حبيسة خزائن البنوك السويسرية.
وإنصافًا للحق فإن هذه الصفحة الغريبة والمثيرة في تعاملات البنوك السويسرية، لا يجب أن تجعل المرء ينسى دور سويسرا في المساعدات المختلفة التي تقدمها للدول النامية، لكن لقائل أن يقول بأن هذا الوجه الإنساني، هو كفارة عن ذنوب البنوك لما تبتلعه من مليارات اختلفت مصادرها، لكنها مستقرة وتنمو في مكان واحد.
صحفي عربي يعيش في سويسرا.
|