English

 

الأحد. أبريل. 18, 2004

نماء » بورصات وبنوك » بنوك

 
   
روابط من إسلام أون لاين

جمعيات الادخار.. إبداع شعبي

ياسر البنا

Image

يسمونها في غانا "سوسو"، وفي الهند "صندوق تشيت"، أما في بعض الدول العربية، فيطلقون عليها "جمعية".. إنها جمعيات تناوب الادخارات والائتمان التي تمثل أحد الإبداعات المجتمعية للادخار الشعبي، ولتمويل الأفراد بشكل تكافلي دونما الحاجة إلى قروض البنوك أو اللجوء إلى الاستدانة.

وتقوم فكرة هذه الجمعيات على أن عددا صغيرا من الأفراد يؤلفون مجموعة ويختارون شخصا من بينهم لرئاسة الجمعية يقوم بصفة دورية (كل شهر في العادة) بتحصيل مبلغ معين من كل عضو، ثم يعطي إجمالي المبلغ المحصل من جميع الأعضاء بالتناوب إلى كل عضو.

وبالتالي فإن المبالغ التي يدفعها كل عضو على مدار الجمعية يتسلمها مرة واحدة بما يوفر له مبلغا يمكنه من تمويل ما يحتاجه دون وجود فائدة عليه، ومن ثم فالمقرضون هم المدخرون وبدون فائدة، وفي بعض بلدان أمريكا اللاتينية ومنها بوليفيا تدفع الجمعيات أو كما يسمونها هناك "باساناكو" لرئيسها عمولة، لكنه في مقابل ذلك يتحمل المسئولية عن حالات التقصير.

وقد انتشر هذا النوع من الجمعيات بين معظم شرائح المجتمع الفلسطيني (طلاب، موظفين، تجار، ربات البيوت..). ويعزو الخبير الاقتصادي مازن العجلة ذلك إلى تزايد حاجات الناس لتغطية مشترياتهم من السلع المعمرة وغيرها، وكذلك ارتفاع معدلات الفقر وانخفاض مستوى المعيشة بما يحول دون تراكم المدخرات الفردية. بالإضافة إلى سهولة نمط الائتمان عن طريق الجمعيات وبساطته وعدم كلفته وخلوه من المشاكل الحقيقية مقارنة بالتعامل مع البنوك أو الاستدانة.

كما أن هذه الجمعيات تعمق من قيمة اعتماد الأفراد على بعضهم البعض بما يساعد على تعزيز قيمة التكافل المجتمعي وتشعر الناس بالأمان الاقتصادي.

ولا يوجد تقدير لحجم الأموال المدارة في هذه الجمعيات في المجتمع الفلسطيني بسبب عدم إخضاع هذه الظاهرة للدراسة العلمية، غير أن البعض يصل بها إلى ملايين الدولارات قياسا إلى أن حجم بعض الجمعيات قد يصل إلى 1500 دولار.

كذلك إذا نظرنا إلى أن الجهاز المركزي للإحصاء بالسلطة الفلسطينية في عام 2003 يشير إلى أن حوالي 2.5 مليون فلسطيني (من أصل 3.7 ملايين يقطنون الضفة وغزة) يعانون من الفقر؛ وهو ما يعني لجوء الكثيرين منهم إلى الجمعيات.

من أجل الزواج

ولا يحصي الشاب محمد كمال كحيل -28 سنة- الذي يعمل محاسبا في شركة خاصة بغزة، عدد الجمعيات التي ساعدته على بناء شقته وتلبية متطلبات الزواج، موضحا أنه مشترك حاليا بـ3 جمعيات. ويقول: "اشتركت بأول جمعية بعد تخرجي من الجامعة عام 1998 وذلك نظرا لحاجتي للمال، ولتكوين نفسي".

ويوضح كحيل الفوائد التي عادت عليه من الجمعيات قائلا: "كلفني بناء وتأثيث شقتي حوالي 20 ألف دولار، استعنت على بنائها بالكامل بأموال الجمعيات بالإضافة إلى تكاليف الزواج التي وصلت إلى 5 آلاف دولار".

ويشرح كحيل بعض تفاصيل الجمعيات التي كان يشارك فيها، بقوله: إن قيمة الاشتراك بالجمعية كان يتراوح بين 100-200 دولار، ويتراوح عدد المشاركين فيها بين 6-12 شخصا، وأما أكبر جمعية شارك فيها كحيل، فكانت بقيمة 2400 دولار واستمرت عامين.

ولا يقتصر تكوين الجمعيات على الموظفين الصغار، فها هو د.عرفات الميناوي أستاذ الفقه المساعد في الجامعة الإسلامية بغزة، يوضح أنه يشترك في العام الواحد بحوالى 3-4 جمعيات، يكون أعضاؤها أحيانا أساتذة في الجامعة.

ويقول د.الميناوي: رغم أن راتبي جيد، فإنني لم أتمكن من الادخار منه، وذلك بسبب كثرة الأعباء الأسرية، فلجأت إلى تكوين الجمعيات، كان أولها جمعية اشتركت فيها مع موظفي كلية الشريعة، ومبلغها الإجمالي حوالي 1400 دولار قبل 5 سنوات، وعندما شعرت بفعاليتها، حرصت من وقتها على الالتحاق بجمعيات أخرى كثيرة، بمبالغ متفاوتة.

بـ مليون دولار

وتزداد أهمية الجمعيات بالنسبة للتجار، وأصحاب المهن الواحدة، حيث تساعدهم في توفير السيولة المالية اللازمة لتجارتهم دون الحاجة للجوء لقروض البنوك وتعقيداتها.

وعن ذلك يقول تاجر قطع الغيار "حسين": إنه اشترك ذات مرة في جمعية وصلت قيمتها إلى "مليون دولار"، موضحا أن الجمعية كونها مجموعة من التجار الفلسطينيين المقيمين في مصر، وذلك لتمويل صفقات كبيرة لاستيراد قطع غيار سيارات.

ويضيف حسين: كانت الجمعية مكونة من 10 (حصص) كل حصة مكونة من 100 ألف دولار، ولكبر المبلغ اشترك عدة تجار في الحصة الواحدة، حسب قدرة كل تاجر.

ويؤكد التاجر الفلسطيني أن التجار حققوا أرباحا هائلة من خلال هذه الجمعية، وذلك لكبر المبلغ الذي حصلوا عليه، حيث استطاعوا استثماره في صفقات قطع الغيار، دون الحاجة للبنوك وفوائدها وتعقيداتها.

إبداع شعبي

ويطلق الخبير الاقتصادي الفلسطيني مازن العجلة على ظاهرة الجمعيات "الادخار الشعبي"، معتبرا أنها ظاهرة إيجابية "تستحق التأمل والتحليل"، ويقول إنها "إحدى إبداعات الناس العاديين لمواجهة قسوة الحياة ومتطلباتها بعيدا عن تعقيدات البنوك وحرمة التعامل مع بعضها".

وعن نشأة الجمعيات في فلسطين يرى العجلة أن هذه الظاهرة بدأت أثناء الانتفاضة الأولى (ديسمبر 1987- إبريل 1994) وكانت المناطق الفلسطينية خلالها خالية من البنوك الوطنية، موضحا أن انتشار ظاهرة الجمعيات قد تعاظم بعد مجيء السلطة الفلسطينية ودخول الاقتصاد الفلسطيني في عدة دورات "كسادية" عنيفة بسبب إجراءات الاحتلال ضد المناطق الفلسطينية.

سلبيات ونصائح

أبرز سلبيات الجمعيات هو الخوف من عدم مقدرة أحد أفراد الجمعية على دفع حصته الشهرية، كما أن تدهور سعر العملة المحلية وارتفاع معدل التضخم قد يضر نسبيا بالأسماء الأخيرة في الجمعية، حيث تقل ساعتها القدرة الشرائية للمبلغ الذي حصلوا عليه.

لكن الشاب كحيل ينصح من خلال خبرته المقبلين على تكوين "جمعيات" بالآتي:

1- أن يكون جميع المشاركين في الجمعية ثقات ومن المعارف.

2- أن يكونوا جميعا (إن أمكن) يعملون في مكان واحد، ويتقاضون راتبهم في يوم واحد.

3- أن يكون هناك شخص واحد مسئول عن جمع الأموال وتوزيعها.

4- إعداد مستند ينظم عملية توزيع الأموال.

5- اعتماد نظام القرعة في توزيع الأموال بشكل أساسي، وفي حال وجود أشخاص محتاجين للأموال بشكل عاجل، يتم الاتفاق بين جميع المشتركين على إعطاء الأولوية لهم لتحقيق غرض التكافل الاجتماعي من إقامة الجمعية.

تطوير فكرة الجمعيات

ويشيد د. معين رجب أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر بغزة بظاهرة الجمعيات معتبرا أنها "صورة من صور القرض الحسن، وبديل واقعي عن الاقتراض من البنوك الربوية، ومن استدانة الأفراد من بعضهم البعض".

لكن د. رجب يدعو إلى تطوير هذه الجمعيات وذلك بعدة طرق منها: توسيع قاعدة الأفراد المشاركين فيها، وإخضاعها لتشريع يحمي هذا العمل وينظمه، وكذلك وضع الأسس التي تكفل عدم وقوع الخلافات أو المشاكل التي قد تنشأ من جرّاء عجز بعض الأفراد من دفع الأقساط المستحقة عليهم أو في حال فقدان المال لسبب قاهر كسرقة أو ما شابه.

ويشير رجب كذلك إلى إمكانية تطوير الجمعيات عن طريق الاستعانة بالتكنولوجيا والنظم الحديثة، كتصميم برامج حاسوبية خاصة بتنظيم عمل الجمعيات، والتعرف على تجارب الآخرين، ومحاولة تلافي المشاكل التي قد تنجم عنها.

تطويرها.. يفسدها!

لكن الخبير الاقتصادي مازن العجلة لا يحبذ تطوير الجمعيات بأي شكل كان، حيث يرى أن قوة وفاعلية هذه الظاهرة، تكمن في بساطتها وشعبيتها، حيث يضيف: "يجب أن تستمر هذه الظاهرة كما هي، فسر نجاحها يكمن بشكل أساسي في بساطتها وعدم تأطيرها في مؤسسة ما تفرض قيودها الطبيعية على المعاملات بما أنها مؤسسة".

ويتابع: "أي توجه في رأينا لتطويرها، عبر مأسستها مثلا، أو إدخال أية إجراءات إضافية عليها، سينقلنا إلى آلية أخرى لا شك أنها تختلف عن هذه الظاهرة البسيطة والناجحة".

وأوضح الخبير الاقتصادي أن هذه الظاهرة تترك آثارا إيجابية على المواطنين والاقتصاد الوطني؛ لأنها تقوم بنفس الدور الذي تقوم به القروض من البنوك مع اختلاف أساسي وهو عدم وجود فوائد على مبلغ الجمعيات.

إلا أن العجلة يوضح أن الجمعيات لا يمكن أن تكون بديلا للمصارف خاصة في قضايا القروض الموجهة للاستثمار، والاعتمادات المستندية وتغطية الشيكات وغير ذلك من الأمور، موضحا أنها تفيد فقط "الطبقات الفقيرة والمتوسطة" وتنحصر حتى الآن في تحقيق أهداف استهلاكية، ولتغطية مشتريات أو ديون، ولأن القليل فقط من التجار يستخدمونها لـ"تسهيل بعض مدفوعاتهم".

ويضيف مستدركا: "لا يقدح هذا الرأي في فعالية الظاهرة وإيجابياتها، فهي ولدت لتسد حاجات محدودة وهي تقوم بذلك على أكمل وجه، ولذلك لا أرى بأسا في استمرار هذه الظاهرة على شكلها البسيط".

في كل الأحوال فإذا كنت محتاجا أو مقدما على زواج أو ترغب في تكوين مدخرات للزمن أو للاستثمار فلا تتردد في تكوين جمعية أنت وزملاؤك.. فحينما نواجه معا مصاعب الحياة تصبح أيسر من أن نكون وحدنا.


  صحفي فلسطيني.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم