English

 

السبت. ديسمبر. 31, 2005

نماء » فقه وسعي

 

رجال الأعمال.. ومنافع الحج

د. أشرف محمد دوابه

الحج فرصة عظيمة كل عام أمام رجال الأعمال للنهوض بالأمة والاستفادة من خيراتها
الحج فرصة عظيمة كل عام أمام رجال الأعمال للنهوض بالأمة والاستفادة من خيراتها

الحج فريضة كبرى وشعيرة عظمى جعل الله تعالى فيها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يحصى عده، حتى إنه حينما تحدث القرآن الكريم عن الحكمة من وراء تلك الفريضة الجامعة ذكر إقامة الشعائر والذكر جنبا إلى جنب المنافع، فقال تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير} (الحج: 27-28).

وقد جاءت كلمة "منافع" في الآية الكريمة نكرة لتفيد عموم المنافع في كل العصور دون قصرها على منفعة دون أخرى، وهي بذلك تفتح السبيل أمام حجاج بيت الله الحرام للاستفادة من تلك المنافع، ومنهم بالطبع رجال الأعمال، فلا حرج عليهم ولا جناح أن يكون الحج موسما يجمعون فيه بين منافعهم الدينية والدنيوية. يقول تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} (البقرة: 198).

وقد ذكر ابن كثير وغيره من المفسرين في هذه الآية ما يرفع هذا الحرج، فقد كان بعض المسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتحرجون من ممارسة التجارة والبيع والشراء في وقت الحج فنزلت تلك الآية الكريمة، فارتاحت نفوسهم واطمأنت قلوبهم لذلك التيسير الرباني، فباعوا واشتروا وتاجروا وحمدوا ربهم على رحمته وفضله بهم.

ويتساءل المرء عن طبيعة المنافع الدنيوية التي يمكن لرجال الأعمال أن يستفيدوا منها في موسم الحج: أهي مقصورة على المنافع التجارية وما تتضمنه من بيع وشراء واستهلاك لسلع ومنتجات أنتجت بأيد غير إسلامية ويستقر بها المقام في البيوت الإسلامية، ويقتصر دور رجال الأعمال فيها على تداولها وتسويقها وبيعها والرضا بفتات أرباحها تاركين الجزء الأكبر من هذا الربح لمنتجها الذي لم يقتصر إنتاجه على ما يلبسه المسلمون فقط، بل امتد الأمر إلى أدواتهم التعبدية من سجاد يصلون عليه ومسابح يسبحون بها... إلخ؟!.

ويا للعجب.. فهذه السلع تصنع في بلاد غير إسلامية كالصين وغيرها، وكأنه ليس في بلاد المسلمين من رجال الأعمال من هو قادر على توفير البديل؟!.

التجارة الحسنة

لقد كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة بين الركن اليماني وركن الحجر {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً} (البقرة/201).. فلماذا قصر رجال الأعمال وغيرهم من المسلمين الدنيا الحسنة على المرأة الصالحة دون أن يمتد ذلك الفهم إلى إقامة الدنيا الحسنة بالزراعة الحسنة والصناعة الحسنة والتجارة الحسنة والاقتصاد الحسن؟!.

وإذا كانت أركان الإسلام لا تكتمل إلا بأداء فريضة الحج لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، فإن الإسلام لا يكتمل تطبيقه إلا باستغناء المسلمين بأنفسهم عن غيرهم، وإقامة الشعائر والمتاجر والمصانع لبناء الدين والحياة وتنمية الروح والجسد.. ولن يكون ذلك إلا باقتصاد عماده رجال أعمال أقوياء أمناء يحملون على عاتقهم تحقيق الربحية الخاصة جنبا إلى جنب الربحية العامة بتحملهم المسئولية الاجتماعية تجاه أوطانهم.

فهل يكون الحج فرصة أمام رجال الأعمال لتحقيق تلك الأمانة الكبرى، والخروج بالأمة من نفق التبعية إلى رحابة الاستقلال والوحدة الإسلامية الشاملة في زمن عجز فيه المسلمون عن استغلال مواردهم واعتمدوا على غيرهم في تلبية احتياجاتهم؟!.

لقد أتى نبي الله إبراهيم بزوجه هاجر وابنهما إسماعيل عليهم السلام تلك البقاع المقدسة في مكة المكرمة يوم أن كانت غير ذي زرع، فإذا بسواعد هذه الأسرة المسلمة تحول تلك البقاع من التصحر إلى العمران.. فهلا شمر رجال الأعمال عن سواعدهم وانتقلوا بأمتنا نحو الأعمار والبناء والاعتماد على الذات؟!.

الفرص المتاحة

إن الحج فرصة عظيمة كل عام أمام رجال الأعمال للنهوض بالأمة والاستفادة من خيراتها، وذلك باستغلال منافع الحج لتحقيق ذلك، فهذه المنافع ليست جامدة بل متطورة ومتجددة بتجدد الزمان ذاته، ولعل من هذه المنافع لرجال الأعمال ما يلي:

1- التعرف على السلع التي يستهلكها الحجاج وما بها من مزايا وما تحمله من مواصفات وأسعار، والعمل لاحقا على إنتاجها وتسويقها.

2- عقد صفقات البيع والشراء من خلال المراجحة بتبادل البضائع بين الأسواق، وكسب فروق الأسعار.

3- التعارف مع الأجناس الأخرى من عرب وعجم، والتحاور معهم ومعرفة طبيعة أسواقهم وأهم منتجاتهم ومميزاتها وأسعارها، إضافة إلى معرفة السلع التي تستهلك لديهم بكميات كبيرة، ومن خلال ذلك يمكن التوجه نحو تصدير ما تحتاجه تلك الدول واستيراد ما تحتاجه السوق المحلية من منتجاتهم مع مراعاة عاملي السعر والجودة.

4- الحج فرصة لدراسة المشاكل الاقتصادية الخاصة بالبلدان الإسلامية عامة ومشاكل رجال الأعمال خاصة، ووضع الحلول اللازمة لها، من خلال مفهوم الوحدة الإسلامية الشاملة، فقد كان الحج في عهد النبوة والخلافة الراشدة منتدى للخبراء والعلماء في كافة علوم المعرفة يتبادلون فيه الرأي والفكر والخبرات فتنمو الأمة وتعرف طريقها للابتكار والخلاص.

وهنا تبدو أهمية الدور المؤسسي من خلال إنشاء غرفة تجارية إسلامية ولتكن تابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي تعد لمؤتمر سنوي لرجال الأعمال يعقد بعد الانتهاء من مناسك الحج، ويجتمع فيه رجال الأعمال المسلمون من كل حدب وصوب وفق ترتيبات مسبقة، وجدول أعمال مرتب وفق أوليات الأمة الإسلامية، حاملين معهم دراسات علمية وتوصيات عملية، بما يحقق التكامل في المنتجات والوفاء بالاحتياجات، مع متابعة تنفيذ تلك التوصيات من الناحية العملية، حتى لا تكون حبرا على ورق، وما ذلك على الله بعزيز إذا صدقت النوايا وخلصت النفوس.

وفي هذا الإطار يمكن أيضا -من خلال تلك الغرفة التجارية الإسلامية المقترحة- إقامة معارض بمكة والمدينة تعرض فيها منتجات الدول الإسلامية بما يفي باحتياجات الحجاج، وبذلك تتداول أموال المسلمين داخل ديارهم، وتتوفر لرجال الأعمال المسلمين سوق رائجة لمنتجاتهم.

وختاما فإن رجال الأعمال مطالبون بألا تطغى منافعهم الدنيوية في الحج على منافعهم الأخروية؛ فالحج نعمة كبرى لرجال الأعمال، به تنفسخ صدورهم، ويملأ الإيمان قلوبهم ويعودون من تلك الرحلة الربانية وقد سمت نفوسهم وغفرت ذنوبهم، فينتهون عن المعاصي والكبائر.

وفي مقدمة الكبائر، الربا وأكل المال الباطل مقتدين بوصية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة في حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وحرمة شهركم هذا وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغتُ، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله".

ومطلوب منهم أيضا بعد عودتهم من الحج أن يكونوا عازمين على أن يكونوا أكثر دافعية في إنجاز أعمالهم والاستفادة من وقتهم في الطاعة والعبادة، ومن العبادة في تحقيق العمران وتوفير الاحتياجات اللازمة لمعيشة المسلمين، مقتدين في ذلك بخطوات الرسول الكريم على أودية مكة وجبالها وهو يعمل بيده ويعتمد على ذاته في كفالة نفسه وأهله.


  أستاذ التمويل والاقتصاد المساعد، كلية المجتمع جامعة الشارقة الإمارات العربية المتحدة، ويمكنكالتواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالنطاق namaa@iolteam.com

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم