|
| مقاومة الإحباط تصنع طريق النجاح
|
القصة الأولى:
كان عمري حوالي السادسة عشرة، وكنت في عز المراهقة حيث صالة الانتظار للمرور إلى مرحلة الشباب بكل عنفوانها وحماسها. لكنني كنت نحيفا للأسف، لم تكن نحافة ملحوظة، لكنها كانت تؤرقني خصوصا في تلك المرحلة الحساسة.
هكذا قررت أنني ولا بد محاربها بأن أدخل لأحد الأندية الرياضية المتخصصة في كمال الأجسام، وقد أمضيت الخمسة عشر يوما الأولى وكلي حماس لتغيير شكل جسمي إلى الأفضل؛ وبالتالي تحسين نفسيتي وشعوري بالنقص أمام أقراني.
ما حدث بعد ذلك أن إحدى قريباتنا التي كان رأيها يهمني -خصوصا أنها كانت المؤشر الذي نعتد به نحن أولاد العائلة الواحدة في معرفة من منا الأفضل- وجدتني في أحد الأيام أعد لوازم الرياضة للذهاب إلى النادي فسألتني في حيرة:
- إلى أين أنت ذاهب؟
فأجبتها بحماس:
- ذاهب إلى النادي الفلاني لكمال الأجسام.
فردت مستنكرة في سخرية مبطنة:
- كمال الأجسام؟ المسكين!! وأي كمال أجسام سيصلح لجسمك النحيل هذا؟
وليس من الغريب أن أقول لكم إنني توقفت في اليوم التالي مباشرة عن ممارسة الرياضة، واستسلمت للأمر بسبب تلك النصيحة المجانية -التي قد تكون عن حسن نية- والتي لم أطلبها لسوء الحظ.
وقد مرت سنون طويلة بعدها قبل أن أسترجع توازني، وقد تزامن ذلك مع نضجي النفسي والعقلي فانتهت المشكلة بإذن الله.
ولعلك لاحظت هنا إلى أي مدى كان الأمر خطيرا كونه يتعلق بمسألة مصيرية أو اختيار لا رجعة فيه.
القصة الثانية:
منذ طفولتي وأنا عاشق لمهنة الصحافة ولميدان الكتابة أيما عشق. وفي أيام شبابي الأولى قام جل أقراني من العائلة (لاحظ كيف يكون الإنسان مرتبطا بمحيطه) بالسفر إلى أوربا لكسب لقمة العيش كما يقولون. وبالفعل تحسنت ظروف بعضهم من الناحية المادية، ولكن ليس بدرجة كبيرة.
رغم هذا، فقد كان الجميع يطلبون مني أنا أيضا أن أفعل، سواء عن طريق الحديث المباشر أو عن طريق التلميحات، وهاكم نموذجا من بعض أقوالهم ولاحظوا كمية "التدمير النفسي" الذي تحمله طياتها:
- هيا، أنت أيضا.. ابحث عن طريقة للهروب من هذا الواقع المزري. (وما دام هناك هروب فهذا يعني أنك تعاني.. شئت أم أبيت بالطبع).
- اللهم فرجها عليك أنت أيضا.. (الفرج لا يأتي إلا بعد ضيق، فأنت -إذن- في ضيق).
- ياه! لقد حقق فلان أشياء كثيرة منذ سفره، يا لها من سيارة تلك التي اقتناها مؤخرا (وبالطبع أنت لا تملك سيارة ولا غيرها).
وقد أحاطت بي أحاديث وآراء كثيرة من هذا النوع، لحسن الحظ لم تكن من أسرتي التي احترمت اختياري، وقد بقيت مصرا على رأيي أنني لن أكون سوى صحافي وكاتب مهما قال الآخرون ومهما عملوا ومهما حققوا أيضا.
وبالطبع كنت أبني قراري على أفكار واضحة وخطط أوْضح وأهداف أكثر وضوحا، ولعل هذا ما مكنني من القدرة على مقاومة تيار الأفكار السلبية الهدامة الجارف الذي كان يمر أيامها.
ماذا لو كنت طاوعتهم؟ لكانت، إذن، حياتي كلها قد تغيرت واتخذت منحى سيئا؛ نظرا لأنني لم أكن سأفعل ما أفعل عن اقتناع.
لقد ساهمت سيطرتي على أفكاري ومقاومتي الشديدة للانتقادات إلى تفوقي نوعا ما في مجالي الكتابة والصحافة أثبتت لنافثي الأفكار الهدامة أنني كنت على صواب فسحبوا جميعا ما كانوا يقولونه واعترفوا لي بقدرتي على النجاح في مجال اختياري ولله الحمد.
القصة الثالثة:
من أكثر الأشخاص الذين ضُرب بهم المثل في النجاح في العقود الأخيرة: هنري فورد؛ نظرا لما تزخر به مراحل حياته من أوقات عصيبة استطاع أن يتفوق فيها على فشله وإحباطاته.
لقد شكك كثيرون وسخروا من محاولة فورد لأول مرة وضع سيارة في شوارع أمريكا، وطبعا كان لكل منهم أسبابه ومنطقه الخاص الناتج عن جمود في الفكر لم يكتفوا به لأنفسهم بل حاولوا نقله لهنري فورد.
لكن هنري فورد كان مصمما، وقد استمر في محاولاته دون أن يستدير إلى هذه الآراء.
وها هو المثال أمامنا الآن، فسياراته لا زالت لوقتنا هذا تملأ شوارع العالم وليس أمريكا فحسب. فماذا يا ترى كان سيحدث لو أن فورد سريع التأثر؟
تابع في نفس الملف:
كاتب بالمغرب، وقام بكتابة هذا الموضوع أثناء زيارة له إلى أسبانيا.
|