|
| ملصق لجمعية الأقصى يستحث على دعم الفلسطينيين
|
يتميز اقتصاد المنظمات الخيرية الإسلامية في الغرب عن غيره من أنواع الاقتصاد بطابعه الخاص المرتبط بالأبعاد الإنسانية والدينية والروحية العميقة التي يرتكز عليها في إدارة عجلته، وفي الأهداف السامية -الأخروية- التي يتطلع إلى تحقيقها، والتي تستعيض عن الربح العاجل الذي تتوخاه المؤسسات الاقتصادية التقليدية بربح آجل أكبر لا يملك صاحبه من ضمانات عليه إلا إيمانه العميق بصدق وجدوى ما يفعل.
وأصبحت هذه المنظمات تعتمد تقويما سنويا خاصا بها، يجعل من مبتدأ السنة ومنتهاها شهر رمضان المبارك الذي تبلغ فيه صدقات وزكوات المحسنين من أبناء الأقليات المسلمة ذروتها؛ مما يحول واردات الشهر الكريم مؤشرا أساسيا لعمل هذه المنظمات ومقوما أساسيا من مقومات عملها في المستقبل.
جهاد اقتصادي
ويعتبر العمل الخيري الإسلامي في الغرب -بنظر القائمين عليه- نوعا من أنواع الجهاد، أو هو بالأحرى "جهاد اقتصادي"؛ ففي الوقت الذي تواجه فيه الانتفاضة الفلسطينية دبابات الاحتلال الإسرائيلي ببسالة، يخوض رجال ونساء آخرون مقاومة من نوع مختلف، بعيدا عن ساحة المقاومة المباشرة، من خلال عملهم على مساعدة فقراء فلسطين، الثابتين على حقهم في الحياة والكرامة.
وبالقدر الذي تعاني فيه المقاومة الفلسطينية حملات القتل والحصار الاقتصادي الشامل، تتطلع منظمات العمل الخيري الإسلامي في الغرب -خصوصا تلك المتخصصة في العناية بالشأن الفلسطيني- إلى تدشين حملات للتخفيف من المعاناة الاقتصادية للشعب الفلسطيني.
وحسب مؤسسة "الأقصى الخيرية" في هولندا (التي تعتبر المؤسسة الخيرية الإسلامية المتخصصة بالكامل في مساعدة الشعب الفلسطيني) فإن حملة شهر رمضان المبارك هي الأقوى والأفضل.. بل والأصل في حملات الخير التي تقوم بها المؤسسة على مدار السنة، وتجمع من خلالها ما يقارب "مليون يورو" لصالح عشرات المشاريع في الضفة والقطاع وعدد من مخيمات العوز الفلسطينية المنتشرة في أكثر من منطقة.
ويذكر الناشطون الفلسطينيون في نشرة "سنابل الأقصى" التي تصدرها المؤسسة في هولندا "أن مؤسسة الأقصى هي جسر للخير بين مسلمي هولندا وإخوانهم وأخواتهم على أرض فلسطين، وأنها نظمت حملة رمضان، وأعدت لها موادَّ إعلامية في أماكن تواجد المسلمين، كما حضرت لجولات على المساجد والمؤسسات التي منحتها عنايتها الخاصة وثقتها".
وطبقا لما ورد في نشرة "سنابل الأقصى" الهولندية "فإن تبرعات الخيرين من المسلمين في حملة رمضان من السنة الماضية توزعت إلى 6 أنواع بنسب متفاوتة، على هذا النحو: زكاة الفطر: 45%، إفطار الصائم: 21%، العون الغذائي: 13%، زكاة المال: 7%، صدقة جارية: 7%، هدية العيد: 7%.
كفالة الأيتام
وتؤثر طبيعة المحنة الخاصة التي يمر بها الشعب الفلسطيني -مقارنة بمحن شعوب إسلامية كثيرة منكوبة- في طبيعة العمل الخيري الإسلامي المرتبط بها في الغرب؛ حيث تنال بعض بنود الإنفاق عناية وأولوية قصوى، من قبل الناشطين في منظمات هذا العمل، خصوصا في شهر رمضان الذي يُظهر فيه المسلمون عاطفة كبرى إزاء إخوانهم المعوزين.
وفي حالة مؤسسة الأقصى الخيرية -التي تتخذ من مدينة روتردام الهولندية مقرا رئيسيا لها- فإن كفالة يتامى الشهداء في فلسطين تحتل مكانة رئيسية في أجندة عمل المؤسسة؛ باعتبارها نوعا من أنواع الصدقة الجارية أو المستدامة، التي تربط المتصدق بعهد دائم، يساهم في تخفيف معانة الأسر المحتاجة بشكل شبه جذري، خلافا لأنواع الصدقات الأخرى التي تسدد في مرة واحدة.
وتطرح مؤسسة الأقصى الخيرية على الراغبين في التصدق ضمن باب كفالة الأيتام خيارات متعددة، من بينها التعهد بكفالة يتيم من خلال دفع مبلغ شهري (هو في الوقت الراهن 30 يورو)، والمساهمة في صندوق الأيتام الذي يصرف على أيتام أو أسر أيتام، وكذلك المساهمة في بناء وتسيير دور للأيتام من خلال التعهد بدفع مبلغ شهري أيضا.
ويكفل القائمون على مؤسسة الأقصى للراغبين في كفالة أيتام فلسطين من أبناء الأقلية المسلمة في هولندا.. الكيفية التي تتم بها الكفالة، ومن هذا تعهد المؤسسة بتحويل المستحقات المالية إلى أصحابها، وتمكين الكافل من ملف كامل عن اليتيم، فضلا عن مَدِّه بمتابعة دورية لحالته الاجتماعية ووضعه الدراسي والأسري، وكذلك تيسير التنسيق بين الجهة الراعية لليتيم وكافله.
الثقة أساس النجاح
وإذا كان عامل "الثقة" يُعتبر أحد أهم عوامل القوة في النشاط الاقتصادي؛ فإن قيمة هذا العامل تتضاعف عدة مرات في حالة النشاط الخيري؛ فالمتصدقون والمزكون يزدادون حماسة للبذل والعطاء كلما ازدادت ثقتهم في القائمين على المؤسسة المشرفة على النشاط؛ حيث فشلت عدة تجارب للعمل الخيري الإسلامي في الغرب بسبب فشل مؤسسيها في انتزاع ثقة المانحين.
وتحرص مؤسسة الأقصى الخيرية الإسلامية في هولندا -سعيا منها إلى تعزيز رصيد ثقة أبناء الأقلية المسلمة بها- على نشر تقارير وافية عن أرقام معاملاتها وإيراداتها وأوجه صرفها وأنواعها، كما تنشر أيضا معلومات عن الصعوبات التي قد تعترض سبيلها في أحيان كثيرة، جراء ظروف الاحتلال المقيتة.
وفي التقرير الذي أوردته مؤسسة الأقصى في هولندا عن وضعها المالي للسنة الخيرية المنصرمة (رمضان 2001- رمضان 2002)، ذكر المسؤولون أن مجموع الإيرادات (التبرعات) قد بلغ 898 ألفا و680 يورو، فيما بلغ مجموع الصادرات (الإنفاق) 879 ألفا و810 يورو، وهي أرقام كبيرة نسبيا، قياسا بما عليه الأمر لدى باقي منظمات العمل الخيري الإسلامي في هولندا.
ويكشف التقرير ذاته عن أن الواردات التي حصلتها مؤسسة الأقصى في إطار "حملة رمضان" تشكل نسبة 30%، وهي ثاني أهم نسبة بعد "حملة التضامن والأمل" (40%)، فيما تأتي واردات حملات أخرى في مراتب متأخرة، كما هو الأمر بالنسبة لحملة الأيتام (15%)، وحملة الأضاحي (13%)، وإيرادات أخرى متفرقة (11%).
وفي سياق الواردات دائما يذكر تقرير مؤسسة الأقصى الهولندية أن 43% من التبرعات يأتي من المساجد، بينما يأتي 29% من المتبرعين الدائمين، وتتبرع المؤسسات بما نسبته 17%، فيما حصلت بقية الواردات الـ11% من متبرعين جدد.
أما بالنسبة لأوجه الصرف فإن مؤسسة الأقصى تذكر في تقريرها السنوي الأخير أن 41% من الأموال التي أُنفقت ذهبت إلى المجال الغذائي، بينما خصصت نسبة 24% للمجال الصحي، وذهبت 20% للمجال التعليمي، كما مُنحت 9% للمجال الإنمائي، وأُسندت الـ 6% الباقية للمجال الاجتماعي.
ويذكر التقرير أن مؤسسة الأقصى استعانت في صرف الأموال المحصلة من صدقات وزكوات محسني هولندا بعدد من المنظمات الفلسطينية الأهلية الموجودة في الضفة والقطاع ومناطق الشتات، من ضمنها لجنة الزكاة والصدقات في رام الله، والجمعية العلمية الطبية في القدس، وجمعية الصلاح والمجمع الإسلامي في غزة، وجمعية سنابل الإغاثة والتنمية في لبنان، ومستشفى الشفاء في نابلس.
شهادة براءة من لاهاي
إلا أن الجهود الحثيثة التي يبذلها نشطاء العمل الخيري الإسلامي في مؤسسة الأقصى وغيرها من المنظمات الإغاثية في هولندا لدرء الشبهة والاتهامات عن نشاطهم الإنساني لم يحُل دون مواجهة هذا العمل لصعوبات وتحديات خطيرة، وصل حدها في بعض الأحيان إلى درجة التهديد بالإغلاق وتجميد الأرصدة.
وكانت مؤسسة الأقصى الخيرية في هولندا قد تعرضت خلال العامين الماضيين إلى أكثر من هزة عنيفة، أثارت إحدى القنوات التلفزيونية خلال السنة الماضية الكثيرَ من الجدل حول صلات مؤسسة الأقصى بالمنظمات الجهادية في فلسطين، كما أحيت أحداث 11 سبتمبر 2001 ذات الأصوات المبحوحة؛ لتشير بأصابع الاتهام إلى المؤسسة، محاوِلة التأكيد على صلة مفترضة بينها وبين "حماس" حركة المقاومة الإسلامية.
غير أن الكيد للمؤسسة -حسب قول المسؤولين عنها- أضاف لرصيدها لدى أبناء الأقلية المسلمة، كما أفادها في إيصال رسالتها إلى مجموعات مستهدفة لم تكن في دائرة الضوء ليسهل مخاطبتها، وبالتالي تطوير إيراداتها التي كانت تزيد بعد كل أزمة؛ تعبيرا من المسلمين عن تعاطفهم وتضامنهم معها.
وقد جاءت الضربة القاصمة لجهود اللوبي الصهيوني في تدمير المؤسسة من الحكومة الهولندية، التي أكد وزير داخليتها مؤخرا -في تصريح أمام البرلمان قامت صحف واسعة الانتشار بنشره- على أن تحقيقات الأجهزة المختصة في وزارته أثبتت أن "الأقصى" تعمل وفق القوانين الهولندية، وأنه لم يتبين إلى الآن تورطها في أعمال تعرضها لطائلة القانون، وأن ما جرى من حظر لمؤسسة تحمل الاسم ذاته في ألمانيا ليس ملزما للاهاي.
كاتب وباحث تونسي مقيم في هولندا
|