|
جاء قرار الحكومة المصرية في الخامس والعشرين من سبتمبر الجاري (2005) بدمج بنكي القاهرة ومصر، مثيرا الكثير من علامات الاستفهام، ليس فقط عن التوقيت المفاجئ، بل عن أسباب وجدوى عملية الدمج التي أخذت خطوات من العيار الثقيل، لا سيما إذا علمنا أن بنك القاهرة هو ثالث أكبر البنوك العاملة في البلاد، بعد بنك مصر الذي يحتل المرتبة الثانية.
كما أثيرت أسئلة أخرى تتعلق بودائع المواطنين في هذه البنوك التي يتم دمجها، فضلا عن أن العاملين بها الذين انتابهم الخوف من أن تسفر عمليات الدمج إما عن تسريح بعضهم أو تقليل المزايا التي كانوا يحصلون عليها.
الإجابة على هذه التساؤلات تبدأ بعام 2003 الذي صدر فيه قانون البنوك المصري، وبموجبه تم إلزام البنوك العاملة برفع رءوس أموالها إلى نصف مليار جنيه مصري (الدولار= 5.75 جنيهات مصرية)، وهي قيمة كانت غالبية البنوك تقل عنها.
كما ألزم القانون فروع البنوك الأجنبية العاملة في البلاد، برفع رءوس أموالها إلى خمسين مليون دولار. وخلال مهلة استمرت عامين نجحت بعض البنوك في زيادة رءوس أموالها إلى الحد الذي قرره القانون، بينما أخفقت بنوك أخرى كثيرة في ذلك.
وبعد انتهاء المهلة، دعا البنك المركزي المصري في يوليو 2005 إلى دمج 11 بنكا وتصفية ثلاثة فروع لبنوك أجنبية، وهو ما أوجد حركة نشطة من قبل عدد من البنوك الأجنبية والعربية والمصرية، لتقديم عروضها لشراء أسهم البنوك المرشحة للدمج، بل تعدى الأمر ذلك بشراء أسهم بنوك متوسطة الحجم كانت رءوس أموالها تزيد عن نصف مليار جنيه.
أسباب الدمج
ويمكن القول إن حالة الاتجاه للدمج ارتبطت بالتعثر المصرفي لكثير من عملاء البنوك، حتى وصلت نسبة هذا التعثر بين عملاء الائتمان إلى 25% بنهاية عام 2004، وهو ما دعا البنوك إلى زيادة المخصصات لمواجهة ظروف التعثر، مما قلل من أرباحها.
كما ساهمت ظروف الركود بالسوق والأيدي المرتعشة داخل البنوك عن منح الائتمان وتفرغ قيادات البنوك في إجراء التسويات للعملاء المتعثرين في تقلص الائتمان الممنوح للعملاء، وهو ما أثر على ربحية البنوك.
ومن هنا، تسعى السلطات النقدية من خلال عمليات الدمج والاستحواز إلى تقوية المراكز المالية للبنوك كي تكون جديرة بالمنافسة، والتخلص من الكيانات الضعيفة مع جلب إدارة محترفة.
ولعل هذا السبب كان وراء دمج بنك مصر إكستريو في بنك مصر في عام 2004 ، بعد تعثر عدد من عملاء البنك المندمج، والحكم بالسجن على عدد من قياداته العليا، ثم تم دمج بنك التعمير والإسكان مع البنك العقاري المصري العربي. كما استحوذ بعدها البنك العربي الإفريقي على بنك مصر أمريكا الدولي، وشراء بنك بيريواس اليوناني لغالبية أسهم البنك التجاري المصري.
وجاءت الصفقة الأكبر حجما بعد ذلك بشراء بنك سوسيتيه جنرال نسبة 91% من أسهم بنك مصر الدولي. وتوصل بنك الشركة المصرفية العربية الدولية لاتفاق للاستحواذ على بنك بورسعيد.
وتشهد السوق المصرفية حالة من الحركة النشطة، لتوالي العروض لشراء أكثر من عشرة بنوك بدأت بعضها في الفحص الفني للبنوك المطلوب شراؤها، مما سيؤدي إلى تقلص عدد البنوك العاملة بالسوق سواء العامة أو الخاصة، فالبنوك التجارية العامة الأربعة ستصبح اثنتين فقط، بعد خصخصة بنك الإسكندرية في بداية العام القادم (2006)، وبعد دمج بنكي القاهرة ومصر.
كما أن هناك بنوكا يتم التفاوض حاليا على بيعها لجهات مصرية وعربية ودولية، وهي: البنك المصري المتحد، وبنك القاهرة الشرق الأقصى، والمصرف الإسلامي الدول، وبنك النيل. وهذا التسابق لشراء تلك البنوك يأتي في ظل توقف البنك المركزي المصري عن إصدار تراخيص ببنوك جديدة تحت مبرر اكتظاظ السوق بالبنوك التي يزيد عددها (البالغ 41 بنكا حتى يونيو 2004) عن حاجة السوق، وذلك بخلاف فروع البنوك الأجنبية.
وشجع على هذه المنافسة بين البنوك العاملة بالسوق، محاولة اقتناص أكبر شريحة من الزبائن، فعندما نجح بنك سوسيتيه جنرال في شراء بنك مصر الدولي احتل بذلك المركز الأول بين البنوك الخاصة. وإثر ذلك سعى البنك التجاري الدولي الذي ظل متربعًا على قمة البنوك الخاصة لسنوات في شراء بنك التنمية الوطني.
مزايا ومخاوف
وللدمج المصرفي مزايا لعل أبرزها تحقيق وفورات الحجم الكبير، مما يقلل التكلفة المتوسطة. واستيعاب تكلفة التوسع في الاعتماد على الميكنة والكمبيوتر، كما يمكن ذلك من الناحية الإدارية من جلب أفضل الكفاءات وإعداد العمالة إعدادا جيدا، وتوفير الخدمات المختلفة لها. كما يتيح الحجم الكبير شروطا أفضل في التعامل مع البنوك الأخرى، ويزيد من القدرة على المنافسة الدولية في إطار تحرير الخدمات المالية.
إلا أن خبراء آخرين يرون في الدمج زيادة في البيروقراطية في الحجم الكبير مع طول خطوط المسئولية، واتخاذ القرار، وهو ما يؤدي لزيادة التكلفة للأعمال بعد تخطي البنك لحجم معين من الكبر. كما قد يؤدي الدمج إلى عدم العناية الخاصة بالعملاء نتيجة كبر الحجم، وهو ما يؤدي لانصراف العملاء عن البنك، وبالتالي انخفاض حجم أعماله، فضلا عن اختلاف الفكر والثقافة الإدارية لكل من جهتي الدمج.
فقد تقوم إحداهما على السيطرة من جانب الإدارة، ومحدودية التفويض وبطء العمليات، بينما تقوم الأخرى على التفويض وسرعة الإنجاز، وهو ما ينعكس على الأداء والأرباح المتوقعة. كما قد يترتب على تركز الصناعة المصرفية الحد من الخيارات المتاحة أمام العميل وارتفاع معدلات الرسوم المصرفية.
حالة بنك مصر والقاهرة
وتعتبر حالة دمج بنكي القاهرة ومصر أبرز عمليات الدمج الأخيرة، لا سيما أن ذلك سيجعل بنك مصر يحتل مكان الصدارة بين كل البنوك العاملة بالسوق، سواء من حيث الأصول أو إجمالي الودائع أو حقوق الملكية، وليزيح البنك الأهلي عن مكان الصدارة بعد تربعه عليها لعدة عقود من السنين.
فبإضافة بنك القاهرة إلى بنك مصر يكون هذا الأخير قد استحوذ حسب أرقام يونيو 2004 على 21.5% من أصول الجهاز المصرفي، مقابل نسبة 20.8% لحصة البنك الأهلي. كما استحوذ على نسبة 25.6% من ودائع البنوك، مقابل نسبة 22.8% للبنك الأهلي. أما في حالة القروض فقد استحوذ الكيان الجديد (بنكي القاهرة ومصر) على نسبة 18.8 % من قروض الجهاز المصرفي، مقابل نسبة 19.9 % للبنك الأهلي.
ولعل قرار الدمج في هذا الحالة، جاء بعد أن واجه بنك القاهرة صعوبات خلال السنوات الأخيرة بسبب تعثر بعض كبار عملائه، حيث بلغت مديونية أربعة من كبار عملائه عشرة مليار جنيه من إجمالي قروضه البالغة 23 مليارًا في يونيو 2004.
كما تراجع صافي أرباح البنك من 210 مليون جنيه بالعام المالي 98/1999 إلى 146 مليون بالعام التالي، ثم إلى مائة مليون جنيه في عام 2000/2001 لتواصل الأرباح التراجع إلى 61 مليونا بالعام التالي، و53 مليون جنيه في عام 2002/2003، و55 مليون جنيه لصافي الربح بالعام المالي التالي.
وذلك نتيجة زيادة المصروفات وزيادة المخصصات وخسائر التعامل في العملات الأجنبية؛ وهو ما أدى إلى تحقيق البنك أقل مؤشرات للعائد على الأصول وللعائد على حقوق الملكية بين بنوك القطاع العام التجارية الأربعة الأهلي ومصر والقاهرة والإسكندرية.
ففي يونيو 2004 بلغ العائد على الأصول به 0.12%، وبما يعني أن المائة جنيه المستثمرة من أمواله، قد ربحت 12 قرشا فقط. كما بلغ العائد على حقوق الملكية به 1.87%، وهو رقم هزيل بالمقارنة لبنوك خاصة مصرية عادية تخطى بها هذا العائد بنفس الفترة نسبة الثلاثين بالمائة.
ورغم التبرير الرسمي بأن الدمج لبنك القاهرة يسعى لإقامة بنك جديد ضخم يستطيع منافسة البنك الأهلي كأكبر بنك بالسوق من ناحية الحجم، كما يستطيع منافسة البنوك الأجنبية في ظل تحرير تجارة الخدمات، فإن إعلان خبر الدمج كان مفاجأة حيث ظل رئيس بنك مصر لفترة قريبة ينفي الاتجاه لدمج البنك مع بنوك أخرى.
ويعتبر الخبراء أن كلا البنكين يعاني من ضعف القدرة على تكوين مخصصات لمواجهة حالات التعثر حتى بلغ عجز المخصصات بهما حوالي 20 مليار جنيه. وتتشابه حالة الترهل بالبنكين، من حيث بطء الأداء للخدمات المصرفية باعتبارهما بنكين مملوكين للحكومة بالمقارنة بالأداء الجيد بالبنوك الخاصة. وقد كلف البنك المركزي مجلس إدارة بنك مصر بإدارة بنك القاهرة لمدة ستة أشهر حتى يتم الدمج الكامل وعندها ستحمل فروع بنك القاهرة لافتة بنك مصر.
أموال المودعين والعمال
تشير الحوادث السابقة للدمج بداية من دمج بنك الاعتماد والتجارة في بنك مصر عام 1993، وحتى دمج بنك مصر إكستريو في بنك مصر أواخر عام 2004 إلى أن كافة الحقوق والالتزامات تنتقل إلى البنك الدامج، فالمودعون يحصلون على نفس حقوقهم من نفس الفروع، والمقترضون يدفعون التزاماتهم إلى نفس الفروع والتي ستحمل اسم البنك الدامج.
ونفس الأمر ينطبق على العاملين ببنك القاهرة البالغ عددهم أكثر من عشرة آلاف موظف حيث سيستمرون في أعمالهم ويحصلون على نفس مستحقاتهم.
ويؤكد ذلك تدخل البنك المركزي لمواجهة أية مشكلات تنجم عن عمليات دمج البنوك ما بين تقديمه قروضا بدون فوائد، إلى تعويضه لنقص المخصصات بالبنوك المندمجة، إلى إعلانه مؤخرا استعداده لدفع مبالغ للوفاء بصناديق العاملين في البنوك المندمجة التي تعجز عن مواجهة التزاماتها تجاه العاملين.
ويتوقع أن يساهم البنك المركزي في التقريب بين مزايا صندوقي العاملين في بنكي القاهرة ومصر، فصندوق بنك القاهرة ذو مزايا تبلغ حوالي 190 شهرًا عند الخروج للمعاش، بينما مزايا صندوق بنك مصر تبلغ 55 شهرًا، بالإضافة إلى شهرين عن كل سنة خدمة بدءًا من عام 1981، فضلا عن 60 شهرًا مكافأة نهاية الخدمة للخروج للمعاش المبكر، وتقل قيمة مكافآت صندوق بنك مصر عن مكافآت صندوق بنك القاهرة.
ورغم دعاوى المؤيدين للدمج لبنكي القاهرة ومصر من أنه يحقق وفورات الحجم الكبير فإن آخرين لا يتفاءلون عند دمج بنك يعاني من مشاكل مع بنك يعاني من مشاكل مشابهة؛ لأن الناتج سيكون كيانا يعاني من نفس الأمراض.
وإذا كان المقترضون يرحبون بالدمج لإتاحة حدود ائتمان أعلى لهم، فإن صغار المتعاملين يهمهم حسن أداء الخدمات المصرفية، وهو أمر ما زالت البنوك الحكومية -ومنها بنكا القاهرة ومصر- لا تقدمها بالمستوى المطلوب.
صحفي اقتصادي، نائب رئيس تحرير صحيفة الأهرام المصرية للشئون الاقتصادية، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بصفحة نماء namaa@iolteam.com
|