English

 

الخميس. يوليو. 1, 2004

علوم و صحة » صحة » صحة عامة

 

أفريقيا.. التبرع بالدم تحفظات ومخاوف

الخضر عبد الباقي محمد

ملصق ترويجي للتبرع بالدم بين الشباب الإفريقي

أفريقيا السمراء من أكثر المناطق التي بها احتياج شديد لنشر ثقافة التبرع التطوعي بالدم؛ فعلى الرغم من أن المستشفيات تعج بالحالات المرضية التي هي في أشد الاحتياج لنقل الدم، كحالات الولادة ومرضى أنيميا فقر الدم التي باتت تنتشر بدرجة مقلقة بين الأطفال حسب تقارير منظمة الصحة العالمية، فإن للتبرع بالدم حساسية خاصة، وعليه تحفظات كثيرة في الوسط الأفريقي؛ لذا نجد إحجاما كبيرا شبه كلي عن الاتجاه نحو المسارعة إليه.

قلة الوعي الصحي من ناحية، وقلة التوعية للمواطنين بأهمية التبرع بالدم من ناحية أخرى.. من أهم الأسباب التي روجت لهذا الإحجام الجماعي؛ حيث إن حملات التوعية القائمة في غالب الأحيان تركز على الجوانب الإنسانية، متجاهلة أو غير مهتمة -بدرجة أو بأخرى- بالجوانب الخاصة بالإنسان المتبرع نفسه؛ بمعنى التركيز على مزايا التبرع بالدم على صحة الفرد ومردوده الإيجابي عليه من نواحٍ عدة، إضافة إلى توضيح بعض الغموض والإشكالات التي ترد في ثنايا الحديث عن التبرع بالدم، والتي تمثل قضايا إشكالية تعرقل تكوين التصور أو الفهم الصحيح تجاه القضية.

وهذا ساعد على وجود نظرة متخوفة داخل الوسط الاجتماعي نحو مسألة التبرع بالدم؛ فهناك اعتقاد سائد في المجتمعات الأفريقية أن تبرع الإنسان بكمية من دمه يؤدي إلى كارثة صحية له، وأنه يتسبب في تداعي حالات مرضية لديه. ويقولون: "من تبرع بقطرات من دمه فلا يمر عليه سوى ساعات قليلة حتى يجد نفسه على السرير الأبيض في المستشفى"، بل وصل الأمر إلى إشاعة أن من يتبرع بدمه لا ينجب أطفالا.

لذا فهناك شعور عام بين الأفارقة أن التبرع بالدم يجب ألا يكون إلا في حالات اللزوم والحاجة فقط، وفي تلك الحالة يتوجب ويتعين على أفراد الأسرة أو العشيرة أن تقوم بتوفير الكميات المطلوبة من الدم لأحد أبنائها؛ لذلك نجد أن كثيرا من حالات التبرع الموجودة تكون بين الأقارب بصلة دم أو نسب.

ولعل من أقوى الأسباب والدوافع أيضًا للامتناع عن التبرع بالدم الخوف من اكتشاف الأمراض في دم المتبرع؛ الشيء الذي يسبب إحراجا وإزعاجا كبيرين له في الأوساط الاجتماعية، خاصة إذا كان المكتشف هو فيروس فقد المناعة المكتسبة (الإيدز) بعد شدة انتشاره.

هذا فضلا عن خوف الكثيرين من الذهاب للتبرع؛ خشية أن يظن البعض أنهم يتقاضون مقابلا لدمائهم؛ فهناك مجموعات من الأشخاص احترفوا بيع الدم للمحتاجين له، وهؤلاء غالبا ما يكونون في زاوية معروفة في كل بلدة أو مدينة، يذهب إليهم ذوو الاحتياج، ويتم سحب الكمية المطلوبة من البائع ممن يتفق دمه والمواصفات المحددة مسبقا من حيث فصيلة الدم وغيرها، وذلك بمقابل مالي يحدد حسب الوحدات. وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء عادة لا يكونون من نفس المدينة أو القبيلة أو العشيرة لضمان تفادي التعيير في الوسط الاجتماعي.

الحكومات تبحث عن سبيل

وفي مقابل الإحجام العام الذي يجده التبرع بالدم تقوم السلطات في البلاد الأفريقية بجهود كبيرة في مجال حملات دعم التبرع التطوعي بالدم بين السكان، وذلك حسبما ذكر موقع اليوم العالمي للمتبرعين بالدم.

وقد خُصصت أموال ومؤسسات مستقلة تعمل على نشر ثقافة التبرع التطوعي بالدم ، غير أنها لم تثمر النتائج المطلوبة؛ نتيجة لتغلغل الأسباب التي سبق ذكرها في الثقافة الأفريقية، ومن بين السياسات المتبعة:

1) محاولة خلق ونشر ثقافة التبرع بالدم بين المواطنين من خلال إنشاء مؤسسات ووكالات متخصصة بالإعلام والإعلان عن قضايا التبرع بالدم، ووسائل الإعلام المحلية والإقليمية مليئة بأنواع من الإعلانات والحملات القوية من هذا النوع، ويعد التليفزيون والإذاعة أكبر الوسائل حظا من خلال عدة برامج توعية تنموية اجتماعية، مركزة على الفوائد والإيجابيات المترتبة على التبرع بالدم.

2) استخدام علماء الدين الإسلامي والمسيحي في تعبئة الجماهير وحثهم على التبرع بالدم، وإن كان هذا الاتجاه قليل الظهور في خطاب رجال الدين، حيث يكتفي الكثيرون بالحث على الأعمال الخيرية والإنسانية "إنقاذ حياة نفس بما تستطيع من مال أو كلمة أو قطرة دم"، غير أن إستراتيجية استخدام علماء الدين والخطاب الديني عليها بعض التحفظات من علماء الدين أنفسهم؛ مخافة توريطهم في إشكالات أخلاقية، إلا بضمانات حكومية.

3) اتباع سياسة التبرع بالمقابل، والمقابل عبارة عن حوافز وتشجيعات وشهادات تقدير تعطى للمتبرع، متجنبة إعطاء مبالغ مالية، نظرا لما قد تسببه من تشويه للعمل الإنساني التطوعي في الوسط الاجتماعي، فمثلا قامت السلطات الكاميرونية في هذا العام (2004) بتكريم أكثر من 30 متبرعا ممن تبرعوا بمعدلات عالية في احتفال جماهيري شعبي بمدينة ياوندي العاصمة، وبحضور كبار المسئولين وزعماء القبائل، في لفتة من وزارة الصحة لرد الاعتبار إلى القضية بين المواطنين.

4) اتباع سياسة سرية نتائج الفحص للمتبرع بالدم في حالة اكتشاف شيء من الأمراض في دمه؛ وذلك للتشجيع على الإقدام على التبرع الطوعي، إضافة إلى تعهد السلطات في بعض البلدان الأفريقية -كدولة جنوب أفريقيا على سبيل المثال- بتقديم نصائح طبية لازمة للمتبرع مع تيسير سبل العلاج لهم، كما أن من بين المقترحات المقدمة لتعزيز نجاح الحملات الإعلامية تقديم الحكومات تعهدا بتقديم علاج مجاني للمتبرع المكتشف عنده مرض، أو تحمل نصف تكاليف العلاج.

جمعيات أهلية للتبرع بالدم

من السياسات التي لجأت إليها البلاد الأفريقية تفعيل دور المجتمع المدني في هذا المجال، من خلال إنشاء العديد من الجمعيات الأهلية التطوعية للتبرع بالدم، والقيام بسلسلة من النشاطات الهادفة إلى الترويج للفكرة، وتعزيز جهود الدولة في ذلك؛ فقد حصل تقدم إيجابي في كل من جنوب أفريقيا وزيمبابوي، حسب ما أشار إليه تقرير الحملة القومية للتبرع بالدم في دولة جنوب أفريقيا الصادر بتاريخ 16 يونيو من العام الجاري 2004.

ففي زيمبابوي كونت جمعية شبابية لهذا الغرض اتخذت شعارا بعنوان "التبرع 25 مرة"، ومعظم أعضائها من الشباب تتراوح أعمارهم ما بين 16 إلى 28 سنة، وفي جنوب أفريقيا تم إنشاء نادي المتبرعين بالدم تحت مسمى "نادي 25" (25CLUB) الذي كان من بين الشروط الأساسية للانضمام إليه التعهد بالتبرع بالدم بما لا يقل عن 25 مرة، هذا النادي الذي تم تأسيسه عام 1999م وصل أعضاؤه لأكثر من 35 ألف عضو، وأصبح يزود حوالي 15% من مجموع الدم المتبرع به في جنوب أفريقيا.

هذه هي العوامل والأسباب التي تقف وراء إحجام الأفارقة عن التبرع بالدم ومخاوفهم تجاهه، ولعل الأيام المقبلة والتطورات المتلاحقة في المجتمعات المعاصرة قد تحدث تغيرات جديدة تسهم بشكل إيجابي في تحويل قناعات الأفارقة وتصوراتهم تجاه قضية إنسانية كبيرة كهذه.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
 
 
 

ابحث

بحث متقدم