|
|
| زيادة الإجراءات التأمينية للحد من انتشار الأنثركس
|
لم يكن عاملا البريد الأمريكيان يعلمان أن نزلة للبرد قد تفضي بهما -بحسب ظنهما- إلى الموت.. هذا الموت الذي جعل أطباء أمريكا يعرفون أن "الأنفلونزا" كانت بريئة من قتلهما، وأن "الأنثركس" كان المتهم المجهول.
وبدخول موسم الأنفلونزا، والذي يبدأ من نوفمبر إلى إبريل تقريبًا، تتعدد الكوارث التي تنزل بالشعب الأمريكي، ليس بسبب حدة هذا المرض، وإنما بسبب التشابه الكبير بين أعراضه وأعراض وحش "الأنثركس".. والذي يصيب أي أمريكي بالذعر إذا أصيب أنفه بالرشح. كما يؤكد الأطباء أن هذا قد يؤدي إلى مشكلة حقيقية؛ حيث إن أي مريض بأعراض البرد البسيطة سيهرع إلى المراكز الطبية وعيادات الأطباء التي ستكتظ بالمرضى.
التشابه يأتي مع الأعراض الأولى للأنثركس التنفسي؛ حيث يصاحب المرض: إجهاد، كحة، عطس، احتقان الزور، آلام الجسد، حرارة، ورعشة أو صداع.
لا توجد مشكلة كبيرة مع النوعين الآخرين للأنثركس؛ حيث يبدأ النوع الجلدي بـأكياس مليئة بالسوائل تزداد سوادًا يومًا بعد يوم.. وعادة تتركز أعراض النوع الهضمي على آلام البطن من الإسهال، القيء، الدوخة... إلخ.
تصيب الأنفلونزا من 25 مليونا إلى 50 مليون شخص كل عام، يموت منهم 20.000 سنويا بسبب مضاعفاتها..، وبالرغم من أنها تهدد حياة الأمريكيين أكثر من "الأنثركس" الذي تسبب في وفاة أربعة أشخاص حتى الآن، فإن الذعر من الأنثركس أعلى بكثير؛ حيث تصل نسبة الوفاة نتيجة للنوع التنفسي إلى 90% بحسب المعلومات السابقة وبدون تدخل علاجي.
ورغم أن هناك صعوبة بالغة في التفريق بين المريضين من أول وهلة إلا بإجراء فحوص بعينها؛ فإن هناك خيوطا بسيطة قد تكشف الفرق المبدئي، كما توضح د. ميريل ناس Meryl Nass خبيرة الأنثركس في "ماين"؛ فهي تقول: إن هناك بعض الأعراض أقرب إلى البرد من الأنثركس، مثل: احتقان الأنف، ورشحها، والذي لا يحدث لمريض الأنثركس، واحتقان الزور الشديد، والحرارة البسيطة، والكحة المصاحبة للبصاق؛ حيث إن مريض الأنثركس كحته جافة، وليس هناك أي شيء في الرئتين رغم صعوبة التنفس.
حديثنا بالطبع عن الأعراض المبدئية لمريض الأنثركس، والتي تتطور بعد ذلك إلى مشاكل تنفسية بالغة، ثم السكتة الدماغية في أسوأ الأحوال؛ فمن ثَم إذا لم يُكتشف الأنثركس منذ البداية فسيكون الموت محققا.
محاولات للتهدئة.. لم تظهر نتائجها
ويستمر الأطباء في إعطاء النصائح الطبية لمحاولة توسيع الفجوة بين المرضين قدر المستطاع.. حيث يؤكد "محمد آختر" مدير معهد الصحة العامة الأمريكية، أن تطعيم الأنفلونزا أصبح له أولوية أكثر من ذي قبل، خاصة لمن هم فوق الـ 65 عامًا، ولمن عندهم مشاكل صحية مزمنة، أو حوامل الشهور الأولى.
لكن.. مشكلة أخرى تقف عائقًا أمام هذه الأولوية، وهي أن مصل الأنفلونزا تأخر هذا العام بالذات، وتضطر مراكز الصحة أن تطلب من المواطنين الأقل عرضة للإصابة بالبرد والشباب ذوي الصحة الجيدة الانتظار حتى نوفمبر أو ديسمبر إلى حين توفر 80 مليون جرعة منتظرة لهذا العام، ستكون كافية بلا شك.
ولكن هل يُعتبر مصل "الأنفلونزا" هو الآخر مؤثراً أم لا؟ سؤال آخر ينضم إلى قافلة المشاكل والتساؤلات؛ حيث إن كثيرين يعتقدون أن هذا المصل يسبب المرض في حد ذاته، وأنه ليس له التأثير المرجو.
ولكن أطباء أمريكا يؤكدون أن إصابة الإنسان بالمرض بسبب المصل أمر مستحيل؛ لأنه في الأصل عبارة عن كائنات دقيقة غير ضارة تأتي من فيروسات مقتولة مماثلة لهذه التي تسبب الأنفلونزا. كما أن متابعة الأنواع المستجدة أمر هام، ويُتابَع سنويًا من قِبل المتخصصين؛ حيث إنه شرط أساسي لفاعلية مصل الأنفلونزا في أي مكان في العالم.
تبدأ التطعيمات من سبتمبر، وتستمر إلى قرابة ديسمبر، ويأخذ الإنسان الحماية المرجوة خلال أسبوع أو اثنين بعد التطعيم بعدما يُكوِّن الجسم الأجسام المضادة اللازمة.
وذلك ليس معناه ألا يُصاب الإنسان بالأنفلونزا؛ "لأن المصل يعطي الحماية ضد بعض أنواع من الفيروسات، وليس جميعها".
إذن، فاستخدام التطعيمات ومحاولات التشخيص المبكرة لأعراض الأنفلونزا، سواء عن طريق الكشف العادي أو اختبار Flu Test Kits والتي بدأت تنتشر في عيادات الأطباء.. محاولات للتهدئة لم تظهر نتائجها بعد.
وعلى الناحية الأخرى، فإن تشخيص الأنثركس مبكرًا هو الآخر يعد نقطة جوهرية تحسم هذا الخلاف، وتنقذ الكثيرين من الموت.. ومجالات تشخيصاته أوسع كثيرًا من نزلات البرد العادية.
تشخيص الأنثركس
هناك عدة أنواع للتشخيص من أهمها:
1- اختبار الفصل Screening Test:
وفي هذا الاختبار تؤخذ عينات من الأنف بواسطة قطنة يتم تدويرها داخل الأنف؛ لالتقاط البذرة الجرثومية Spores للأنثركس الموجودة في مخاط الأنف.. هذا الاختبار يحدد ما إذا كان هذا الشخص قد تعرض للأنثركس، ولا تؤكد إصابته الحقيقية بالمرض.. وإذا كانت النتيجة سلبية، فلا يمكن تأكيد عدم وجود المرض.
|
|
عصيات الأنثركس ملتصقة بخلايا الإنسان
|
2- الاختبار التشخيصي Diagnostic test:
وفيه عدة أنواع من أهمها:
- A b Tests:
تؤخذ عينات من الدم بسيطة، وتربّى في مزارع Cultures معملية للبحث عن الأجسام المضادة لبكتيريا الأنثركس، والتي هي في حد ذاتها علامة على وجود المرض، ولا بد أن يحدث هذا قبل إعطاء الأدوية الممثلة في الأجسام المضادة. هذا الاختبار يُظهر ما إذا كان الجسم قد بدأ في الدفاع عن نفسه أم لا.
- Cultures المزارع المعملية:
حيث تؤخذ عينة من الدم أو السائل الشوكي spinal fluid ، يتم تكثيرها في المعمل لتوضيحها للدراسة (تأخذ هذه العملية من 18 إلى 24 ساعة).
- PCR Polymerase chain reaction التفاعل التبلمري المتسلسل:
وتستخدم هذه التجربة في نسخ كميات بسيطة من DNA الخاص ببكتريا الأنثركس أو تكبيرها.
- الاختبار الميكروسكوبي Microscopic Test:
بما أن شكل بكتريا الأنثركس مميز عن غيره من البكتيريا، فهي على شكل عصا صغيرة مجتمعة غير متحركة؛ لذا يمكن صبغها ببعض الأصباغ لرؤيتها تحت الميكروسكوب.
- بصمة الـ( DNA (DNA fingerprinting:
هذا الاختبار يأتي في المرحلة الأخيرة، ويكشف عن نوع بكتريا الأنثركس الموجودة بالكشف عن بصمتها المميزة؛ حيث إن هناك تتابعا للجينات في شكل الـ DNA لكل بكتيريا يعطيها بصمة مختلفة عن غيرها. ويستطيع من ثم أن يبين ما إذا كانت إصابتان للأنثركس من نوع واحد أم لا؟
3- الاختبار الميداني Field Test Work:
يوجد على الأقل طريقتان في هذا الاختبار، والذي يكشف سريعًا عن وجود الأنثركس في المكان محل الشك:
أولهما: اختبار مشابه لاختبار الحمل المعروف؛ حيث توضع عينة مُسحت من على السطح المشتبه فيه على مؤشر عليه بروتينيات وكيمائيات تكشف عن البكتريا.
وثانيهما: هو اختبار PCR ذاته؛ حيث توضع العينة في جهاز متنقل عند المكان المشتبه فيه، وتبحث عن DNA الخاص بالأنثركس؛ حيث تعزل العينات من الدم، سوائل الرئتين، عينات الجلد أو من على أسطح الأماكن.
مسلسل الرعب.. في استمرار
وما زال الأخصائيون ينهالون بالنصائح على المواطنين لتقليل حدة الأمر، وينصحون بالابتعاد عن أي مصدر شك، وتبليغ السلطات فورًا.
وتأكد أن وجود بذرة جرثومة واحدة مثلاً ليست كافية للإصابة بالمرض، وأنها لن تبقى طويلا في المكان؛ لأنها ستنتشر في الهواء، كما أن المنظفات العادية يمكن أن تخلصك من الأسطح الملوثة المشكوك فيها. وتقوم المنظمات المتخصصة بتحسين جودة التطعيم لاحتواء بعض من الفزع الموجود، والذي أثيرت حوله هو الآخر شكوك كثيرة؛ حيث امتنع 400 جندي أمريكي من قبل عن أخذ التطعيم، وتعرضوا للمحاكمة أو الطرد بسبب ما عرفوا عن مضاعفاته والتي تتمثل في الإجهاد الشديد، والصداع، ومشاكل في العضلات، والأرق..
كما أن التطعيم للمرض يكمل بعد 6 جرعات تعطى خلال 18 شهرًا، وهي فترة طويلة لا تساعد على احتواء الأزمة، ومن ثم يعمل الآن الأطباء على قدم وساق لاكتشاف مصل جديد أكثر فاعلية وأمانًا من قبل؛ حيث ذكرت إذاعة BBC أن عالميْن أمريكييْن اكتشفا طريقة دخول سموم الأنثركس لمهاجمة الخلايا.. وهما من جامعة Wisconsin Madison ومدرسة الطب في هارفارد.
اكتشف العالمان أن بكتيريا الأنثركس تربط نفسها بخلية الإنسان عن طريق مستقبلات Receptors تسمى بـ Receptor (ATR ) Anthrax Toxin، والتي تبث من خلالها السموم القاتلة إلى الخلية، فحاولوا تطوير ATR مصنع باستخدام الهندسة الوراثية، يعمل على حجب سم الأنثركس من الدخول للخلية.. السم الذي يجري في الدماء، ويسبب الموت حتى إذا ماتت البكتريا نفسها بفعل الأدوية؛ حيث يعمل المصل الموجود حاليًا على البكتريا نفسها وليس على سمومها.
وهكذا دخل الأمريكيون في دوامة طالت كل أمريكي بطريقة أو بأخرى؛ ففي إحصائية عشوائية لوكالة أنباء الـ ABC قامت بها من تاريخ 17 إلى 20 أكتوبر، أي قبل الإصابة الثانية في واشنطن، ونشرتها الأسبوع الماضي أن:
40% من الأمريكيين يتدربون على فتح الخطابات بحذر، والنساء كنَّ أكثرَ حرصًا في فتح الخطابات؛ حيث سجلن 48% أمام 33% للرجال، كما أن السود كانوا أكثر حرصًا من البيض، وذلك لتواجد الكثيرين منهم في الشمال الشرقي والجنوب؛ حيث حدثت الإصابة.
35% يجمعون المعلومات على كيفية مقابلة هجوم للأنثركس، و8% يتجنبون الأماكن المزدحمة؛ خشية التعرض لهجمات بيولوجية، وهناك 5% آخرون يفعلون أشياء أخرى، مثل:
تخزين الطعام والماء والبنزين تحسبًا لأي هجوم، الاستعداد لسفر مفاجئ، تناول الفيتامينات لتقوية المناعة، تنظيف البنادق وشراء ماسكات الغاز، قراءة الإنجيل والصلاة، تجميع التليفونات الهامة، ومتابعة الأخبار خاصة على الإنترنت.
وقد سُجِّل هذا الإحصاء على ألف وثلاثة وعشرين من البالغين.
تخيل أن يدق قلبك مسرعًا، وتصيبك رعشة الخوف كلما أقبلت على فتح خطاب في بلد تقوم مصالحه على البريد.. إنها حقاً كارثة!.
|