English

 

السبت. ديسمبر. 29, 2001

علوم و صحة » صحة » طب بديل

 

الإيبولا.. مثلث رعب محير

نهى سلامة

ظهور وباء الإبيولا في الكنغو و الجابون

الإيبولا" مثلث من الرعب في قلوب كل من يعرفه؛ فهو الأشد قوة، والأشد فتكًا، والأشد خبثًا على الإطلاق، كما يقرر العلماء الذين يحملون في جعبتهم أسئلة كثيرة عنه لا يعرفون لها إجابة حتى الآن: أين المنشأ؟ ما هو سر اختفائه حينًا وظهوره أحيانًا أخرى؟ وما هو طريق الخلاص منه؟

وقد أبى فيروس الإيبولا أن يمر عام 2001م خاليًا من ظهور وبائه، فظهر خلال هذا الشهر؛ آخر شهور العام في دولتي الجابون والكنغو، كما ذكرت جميع وكالات الأنباء العالمية على لسان الأمم المتحدة، التي أعلنت في 10 ديسمبر موت أحد عشر شخصًا من عائلة واحدة في مقاطعة إيفندو Ivindo شمال غرب الجابون، حتى وصلت الحالات المصابة إلى ما يقرب من العشرين بعد عشرة أيام من هذا الخبر.

سجلت أول حالة في 2 ديسمبر في "إيكات"، التي تبعد خمسة أميال عن الكنغو، ثم تتابع ظهورها في القرى المجاورة. أما الكنغو نفسها (زائير سابقًا) فقد لقي 28 شخصًا مصرعهم من الفيروس نفسه، كما تقرر منظمة الصحة العالمية WHO، غير أن حكومتها تنكر الأمر حتى الآن، وتدعي أنه أحد الأمراض النزفية الأخرى الأقل فتكًا من الإيبولا. وهذا هو أول وباء يحدث هذا العام منذ وباء العام الماضي الذي أودى بحياة 224 شخصًا في أوغندا، وأطاح بالعديد من عمال الصحة والإغاثة.

تاريخ الإيبولا بالأرقام

ظهر فيروس الإيبولا لأول مرة في عام 1976م في دولتي السودان وزائير (الكنغو حاليًا)؛ حيث قتل الوباء وقتها 284 شخصًا في السودان و280 مثلهم في زائير عند نهر الإيبولا، والذي منها جاء اسم الفيروس.

ثم ظهرت الإيبولا روستون في قرود مصابة بالفيروس في منطقة "روستون" بـ"فرجينيا" الأمريكية كانت قد وردت من الفليبين، بعض هذه القرود لقت مصرعها، وأصيب أربعة عمال لم تظهر عليهم أعراض المرض.

في عام 1995م أطاح الوباء بـ 244 شخصًا في زائير في منطقة كيكوت Kikwit، وظهرت حالة واحدة وعدة حالات مصابة في الشمبانزي في دولة ساحل العاج.

أما الجابون التي تعاني من وباء هذا العام، فقد تعرضت من قبل لوبائيْن عام 96 قتل 66 شخصًا، ثم كان آخر هذه الأوبئة وباء شمال أوغندا عام 2000م، الذي أطاح بـ 224 شخصًا.

جملة المصابين بالمرض منذ ظهوره وصلت إلى 1100، قتل 800 شخص منهم قبل هذا الوباء الجديد، ولم يعرف المرض من قبل إلا في غابات أفريقيا وآسيا؛ حيث ظهر في الكنغو، والسودان، وساحل العاج، وأوغندا، وفي الفليبين أصيبت به عاملة معملية في أوروبا كانت تعمل في أفريقيا عن طريق حقنة ملوثة.

الإيبولا.. والمصدر الغامض

فيروس الإبيولا المرعب

بناء على المعلومات المتاحة فإن الفيروس مرض مشترك بين الإنسان والحيوان Zoontic، ويصاب به الحيوان أولاً، ثم ينتقل إلى الإنسان، وطريقة انتقاله ما زال يحيط بها الكثير من الغموض.. ولكن ما هو هذا الحيوان؟ أو بمعنى آخر: ما هو خازنه الطبيعي Natural reservoir؟

ظهر الإيبولا في عدة حيوانات؛ مثل: القرود، والشمبانزي الذي كان وراء وباء عام 1996م في الكنغو، ثم اكتشف وجوده أيضًا في القوارض والخفافيش، التي تصاب بالمرض لفترة طويلة وتتماثل بعدها للشفاء. كل هذه الحيوانات تُعَدُّ حاملة للمرض وخاصة الشمبانزي، إلا أن المصدر لم يعرف بعد رغم المعرفة بالحشرات، والطيور، والحيوانات الملاصقة له، وقد يسأل البعض: لماذا لا تكون إحدى هذه الحيوانات خازنة للمرض في الطبيعية؟ ربما...، ولكن علميًّا خازن المرض لا يصاب بأعراضه، وإذا أصيب به فهو يعتبر حاملا للمرض وليس خازنه.

العلماء يأملون في معرفة هذا المصدر قريبًا؛ وهو ما سيساعد في فك شفرات عديدة حول فيروس الإيبولا.

الإيبولا تحت الميكروسكوب

الإيبولا هو عضو في عائلة الفيروسات المسماة بفيروسات الـR.N.A. ، اسمه العلمي هو حمى الإيبولا النزفية Ebola Hemorrhagic Fever (Ebola HF) ، ثلاثة أنواع من الأربعة المعروفة حتى الآن تصيب الإنسان، ألا وهي:

إيبولا زائير Ebola-Zaire، وإيبولا السودان Ebola-Sudan، وإيبولا ساحل العاج Ebola-Ivory Coast، ولم تعرف Ebola-Reston إلا في الشمبانزي والقرود.

مرض الإيبولا واحد من أمراض الحمى النزفية الأخرى الأقل خطورة، مثل حمى الوادي المتصدع ، حمى لاسا، أو الحمى الكنغولية الكرمية Crimean Congo Fever ، التي ظهرت على حدود باكستان وأفغانستان في اللاجئين الأفغان، وكان الاتهام في البداية يشير إلى الإيبولا.

فترة حضانة المرض تتراوح من يومين إلى 21 يومًا قبل بدء ظهور أعراضه المشابهة لأعراض الأنفلونزا: ارتفاع مفاجئ في درجة الحرارة، ضعف عام، آلام في العظم، وعيون حمراء مثيرة للحك.. يتدهور الأمر إلى قيء وإسهال، نزيف حاد داخلي وخارجي يصفه الأطباء بأنه يصب صبًّا من أعضاء الجسم، آلام في الصدر، ضعف في وظائف الكلى والكبد، أحيانًا يصاب المريض بالعمي، ثم السكتة القلبية والموت.

قد يتماثل البعض للشفاء دون معرفة الأسباب، إلا أنه يؤدي إلى وفاة 50 إلى 90% من المصابين (70% من الحالات تموت من النزيف المبكر).

تنتقل العدوى من إنسان لآخر عن طريق الملامسة الشخصية لإفرازاته أو سوائل جسمه كالمخاط، اللعاب، الدماء أو المني... وغيره، أو عن طريق ملامسة أدوات المريض الملوثة، مثل الحقن، وأدوات الاستعمال الشخصية...، كما ينتقل إلى طاقم الصحة إذا لم يحرصوا على ارتداء الماسكات والقفازات، ولم يثبت انتقال الفيروس عن طريق ذرات الهواء. يصاب الإنسان أيضًا عن طريق التعامل الخاطئ مع الجثث المريضة أو الحيوانات المريضة الفانية.

ولا شك أن هناك عوامل تزيد من سرعة انتشار المرض، مثل: تخلف الرعاية الصحية في المستشفيات الأفريقية، وتدهور أساليب التعقيم والنظافة والعزل، كما أن المقاطعات التي تصاب بالمرض غالبًا ما تكون خلف الغابات الأفريقية الكثيفة التي يصعب الوصول إليها، هذا زيادة عن الجهل المنتشر بين الناس في هذه المناطق وصعوبة التحكم في حركة الفلاحين داخل وخارج المناطق المصابة.

الإيبولا.. تشخيص وعلاج

كما هو الواضح، فإن الإيبولا من الأمراض التي يصعب اكتشافها في بدايتها لتشابهها الكبير بأعراض الأنفلونزا، ولا بد من الاختبارات المعملية للتأكد من وجود الفيروس، مثل: صور الدم ومزارعه، مزارع البراز إذا تواجد إسهال دموي، عزل الفيروس والبحث عن مضادات المناعة الطبيعية... وهكذا.

أما العلاج فهو عبارة عن تجنب وجود مضاعفات المرض، فيحاول الأطباء ضبط توازن سوائل الجسم وعناصره ليتجنب الإصابة بالجفاف، والذي يعطي المريض فرصة كبيرة للنجاة.. كما يحافظ الأطباء على توازن الأكسجين وضغط الدم.

هناك أبحاث قامت بها بعض المعامل في الولايات المتحدة لمحاولة تواجد مصل للفيروس، ونجح فريق من العلماء في معهد أبحاث الجيش الأمريكي في إنتاج مضادات حيوية للمرض في فئران المعامل لأحد أشهر أنواع فيروسات الإيبولا، كما نشر ذلك في مارس 2000م في مجلة "العلوم العالمية"، إلا أنه لم تتواجد حتى الآن معلومات عن مصل واضح وفعَّال لهذا المرض، وما زالت الأبحاث مستمرة.

هذا هو الإيبولا، الذي لم يعرف قبل السبعينيات، يتحدى ما وصل إليه الطب في الألفية الجديدة، وانضم إلى قائمة عريضة من الأمراض الغامضة التي تصيب جسم الإنسان، الذي لا تنقضي عجائبه!!.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
 
 
 

ابحث

بحث متقدم