English

 

الجمعة. ديسمبر. 1, 2000

علوم و صحة » صحة » صحة عامة

 

الأوضاع الصحية في العراق تحت الحصار

نادية العوضي

نشرت المجلة الطبية البريطانية British Medical Journal تقريرًا في عددها الصادر يوم 16 ديسمبر الحالي أعدته المجموعة العالمية لصحة الأطفال، طالب بمراجعة عاجلة للعقوبات الاقتصادية التي تفرضها الأمم المتحدة على العراق، وحذّر أن الحصار المفروض على العراق قد أدى إلى مضاعفة وفيّات الأطفال تحت سن خمس سنوات.

ويبين التقرير أحدث النسب المسجلة حتى آخر عام 1999 والتي تكشف عن ظروف تدمي القلوب.

وفيات الأطفال

ويقول التقرير: إنه في حين كان معدل وفيّات الأطفال تحت سن خمس سنوات في الفترة ما بين 1984-1989 - قبل العقوبات- قد بلغ 56 حالة وفاة لكل ألف ولادة حيّة، فقد تضاعف هذا المعدل في الفترة ما بين 1994-1999 ليصل إلى 131 حالة وفاة لكل ألف ولادة حية.

كما أن معدل وفيّات الرضع تحت سن سنة الذي كان 47 حالة وفاة لكل ألف ولادة في الفترة ما بين 1984-1989، قد بلغ 109 حالات وفاة لكل ألف ولادة في الفترة ما بين 1994-1999.

أما معدل وفيّات الأمهات الذي كان 50 حالة وفاة لكل ألف ولادة حيّة في عام 1989، فقد وصل إلى 117 حالة وفاة لكل ألف ولادة حيّة عام 1999.

ويقول التقرير: إن هذه المعدلات تماثل معدلات الوفيّات في دولة هاييتي التي تعتبر من أفقر دول العالم، في حين أن العراق قبل حرب الخليج كانت دولة غنية، يتقدم فيها النظام الصحي والتعليمي والبنية التحتية بها بشكل ملحوظ.

ويتضح ذلك من خلال الرسم البياني الصادر من الأمم المتحدة، الذي يوضح الفرق الشاسع بين معدل الوفيّات الحالي لسن تحت خمس سنوات، والمعدل الذي كان متوقعًا في حالة عدم فرض الحصار على العراق.

كما يوضح هذا الرسم البياني الارتفاع الفعلي المخيف الذي حدث في معدل وفيّات الأطفال إثر نشوب حرب الخليج عام 1990، والذي انخفض نسبيًا عام 1992 ليعاود الارتفاع المستمر حتى الآن.

وفي تقرير صادر من منظمة الصحة العالمية يقول العلماء: إن هناك مؤشرات عديدة تشير إلى أن العراق كان يتمتع قبل مرحلة حرب الخليج وما بعدها بمستوى معيشي طيب للغاية؛ فقد كانت العراق تتمتع بحياة مدنية حديثة نتيجة صرف جزء كبير من الثروة الناتجة عن تصدير البترول في المجالات التي تحسّن الظروف المعيشية العامة للشعب العراقي.

والمؤشرات الصحية الدالة على ذلك والمسجلة عام 1988/1989 هي كما يلي:

  • معدل المواليد: 43 لكل 1000 شخص.

  • معدل الوفيّات: 8 لكل 1000 شخص.

  • معدل وفيّات الأطفال: 52 لكل 1000 ولادة حية.

  • متوسط العمر المتوقع: 66 سنة.

أما المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية فكانت:

  • إجمالي الناتج القومي للشخص: 2800 دولار أمريكي.

  • معرفة القراءة والكتابة لدى المرأة: 85% من النساء.

  • نسبة السكان الحاصلين على الرعاية الصحية: 93%.

  • نسبة السكان الحاصلين على مياه نظيفة: 90%.

  • نسبة النساء الحوامل الحاصلات على رعاية ما قبل الحمل: 78%.

  • نسبة النساء الحوامل اللاتي حضر ولادتهن متخصص متدرب على التوليد: 86%.

سوء التغذية في العراق

ويقول تقرير الأمم المتحدة: إن الإنتاج الغذائي في العراق في سنين ما قبل الحرب لم يتعد 30% من الاستهلاك المحلي للغذاء؛ حيث كان العراق يستورد ما يساوي 2000 مليون دولار من الغذاء سنويًّا لتغطية الاستهلاك المحلي، وكانت الطاقة الغذائية المتوفرة للفرد بالعراق تساوي 120% من الاحتياج الفعلي، كما أن الأمراض الناتجة عن سوء التغذية لم تكن تذكر، في حين بدأت الأمراض الناتجة عن التخمة تتزايد في الظهور، بل وقد أظهر تقرير لمنظمة الغذاء والزراعة عام 1988 أن 7% من أطفال العراق يعانون من السمنة!

وفي سنين ما قبل الحرب بالعراق كانت الأسواق الغذائية واقعة تحت سيطرة الحكومة العراقية إلى حد كبير؛ حيث كانت الحكومة تدعم السلع الغذائية لتصل إلى الأفراد بأسعار مناسبة للجميع. أما بعد الحرب والعقوبات الاقتصادية فقد شرعت الحكومة العراقية في توفير سلة غذائية للأفراد لا توفر سوى 34% من الاحتياج المحلي، وبالتالي ازدهرت السوق السوداء للسلع الغذائية لتتضاعف أسعارها مئات المرات عما كانت عليه قبل الحرب، وبشكل لا يتحمله أغلب الشعب العراقي.

وبالطبع، فإن أكثر الناس تأثرًا بسوء التغذية هم الأطفال، وتتضاعف الآثار الناتجة عنه بسبب التعرض للأمراض المعدية. وتظهر جميع الاستطلاعات التي أقيمت في العراق في سنين ما بعد الحرب أن سوء التغذية من النوع المتوسط إلى الحاد أصبح متفشيًا بين أطفال العراق. كما تظهر أن مرض الهزال التدريجي ومرض الكواشيوركر الناتجين عن سوء التغذية، واللذين اختفيا من أغلب الدول النامية قد عادا للظهور في العراق منذ عام 1991. أما فقر الدم الناتج عن سوء التغذية، ونقص الفيتامين (أ) الذي قد يؤدي في الحالات الحادة منه إلى العمى؛ فقد أصبحا شائعين بين الأطفال.

أما ثاني أكبر مجموعة من الناس تأثرًا بسوء التغذية فهي النساء بسبب دورهن الهام في الحمل، ومن بعده، تربية الأطفال. فإن المرأة المتعرضة لسوء التغذية إذا حملت لا تلد إلا طفلا مصابًا بسوء التغذية؛ مما يؤثر بالتالي على حالته النفسية والجسمية. ويعتبر الأطباء عدد الأطفال المولودين بوزن منخفض ساعة الولادة مؤشرًا هامًا لسوء التغذية عند الأمهات، ويعتبرون نسبة 10% أو أقل هي النسبة المقبولة لعدد الأطفال المولودين بوزن منخفض. وإذا كان الأمر كذلك، فإن التقارير الصادرة من وزارة الصحة العراقية تشير إلى أن نسبة الأطفال المولودين بوزن منخفض عام 1990 كان 4.5%، أما في عام 1993 فكان 19.7%، أما في عام 1994 فقد وصل إلى 21.1%.

ورجوعًا إلى مشكلة النقص الغذائي في العراق، فإن من أول ردود أفعال حكومة العراق لمواجهة الأزمة كان استزراع جميع الأراضي الصالحة للزراعة، سواء كانت هذه الأراضي داخل المدن أو حولها أو في المناطق الريفية. ومن بين المشاكل التي نتجت عن ذلك المشكلة الناجمة عن زراعة الأرز في أراضٍ زراعية تقع داخل المدن أو بالقرب منها، والتي بسبب ركود المياه بها أدت إلى تفش حاد لمرض الملاريا بسبب تكاثر البعوض الناقل للمرض بها، ومما أدى إلى تفاقم المشكلة النقص الحاد في الأدوية اللازمة لعلاج المرضى والمبيدات الحشرية اللازمة للقضاء على البعوض.

تدهور الخدمات الصحية

أما جهاز وزارة الصحة العراقية التي كانت قد وصلت إلى درجة عالية من التقدم وتوفير الخدمات الصحية قبل الحرب كما أشرنا؛ فإن الحال به قد تدهور إلى مستوى سيئ للغاية بعد الحرب وفرض العقوبات الاقتصادية. ومما يشير إلى ذلك التقارير التي تؤكد أن خدمات معامل التحاليل قد انخفض كفاءتها إلى 50% مما كانت عليه بسبب غياب الأجهزة والكيماويات اللازمة للقيام بالتحاليل المختلفة، وقد تأثرت أيضًا خدمات الأشعة التشخيصية بنفس الدرجة.

وأما العمليات الجراحية فقد انخفض القيام بها بنسبة 40% نتيجة عدم توفر الطاقة الكهربائية بشكل منتظم، بالإضافة إلى النقص الحاد في العقاقير المخدرة والأدوات الجراحية. وبالطبع، فإن انخفاض نسبة القيام بالعمليات الجراحية قد أثر على معدلات الإصابة بالأمراض ومعدلات الوفيّات.

وقد نتج عن قصف مصانع الطاقة الكهربائية ومصانع تنقية المياه ومعالجة المجاري أثناء حرب الخليج، بالإضافة إلى تزاحم السكان والنقص الحاد في خدمات النظافة؛ تفشي الأمراض المعدية مثل الكوليرا والتيفويد، فيطلعنا تقرير منظمة الصحة العالمية على أن التيفويد كانت نسبة انتشاره عام 1990 – قبل الحرب – 11.3 لكل 100000 من الشعب، أما في عام 1994 فقد وصلت هذه النسبة إلى 142.1 لكل 100000 من الشعب. أما مرض الكوليرا فلم يكن له وجود يذكر في العراق قبل الحرب، أما نسبة انتشاره عام 1994 فقد كان 7.8 لكل 100000 من الشعب.

مشكلة أخرى ـ ويبدو أن المشاكل لا نهاية لها ـ هي عدم كفاءة برنامج تطعيمات الأطفال ضد الأمراض المعدية؛ وذلك بسبب عدم انتظام التيار الكهربائي؛ مما يؤدي إلى تخريب الأمصال داخل الثلاجات، بالإضافة إلى عدم كفايتها من الأصل، وعدم تمكن الأطباء من الحفاظ على تطبيق البرنامج بشكل فعال بسبب الظروف المعيشية المعقدة.

هذه هي صورة مبسطة للوضع المؤلم الذي يفرضه المجتمع الدولي على شعب العراق.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
 
 
 

ابحث

بحث متقدم